كيف نتعلم العنف ؟


 

كان جارنا القصاب حين يثمل ،يضرب زوجته ضربا مبرحا ويطردها ليلا خارج المنزل فتلجأ الى الجيران بينما يحبس اولاده طوال اليوم التالي في المنزل ويخرج الى عمله ..كنا نستقبل المرأة المسكينة في منازلنا لعجزها عن الذهاب الى اهلها الذين يسكنون في محافظة بعيدة ولأنها تعجز ايضا عن ترك اولادها في محنتهم ..أما الاولاد فقد كان يذبحنا منظرهم وهم يتسلقون الجدران لينظروا الى الشارع ويستجدون مساعدة والدتهم أو الجيران ..في البدء ، حاول الجيران تشكيل جماعة من وجهاء المنطقة لاقناع الرجل بضرورة الاهتمام بعائلته وتجنب استخدام العنف معهم لكنه اعتبر ذلك تدخلا سافرا في شؤونه الشخصية وطردهم مواصلا معاقبة عائلته بطرق مختلفة ..كنا نسمع صراخ زوجته وأولاده ليلا احيانا ونتلوى ألما لعجزنا عن مساعدتهم حتى قرر وجهاء الحي تقديم شكوى ضده ، وبالفعل تحركت الشرطة للقبض عليه وأدين بتعذيب عائلته بعد ان شاهد رجال الشرطة آثار العنف مرتسمة على أجساد زوجته وصغاره ..ربما كانت هذه البداية لضرورة نشوء قانون يحمي الأسرة من عنف افرادها .. كانت تلك الحالة نادرة وكان المجتمع يدينها بقوة والسلطة تتعاطف مع من تقوده قدماه اليها لتقديم شكوى ضد من يمارس العنف الاسري رغم عدم وجود قانون للعنف الاسري ..
منذ أيام وصور وافلام تعذيب الطفلة بنين أبنة الشهيد على أيدي أعمامها تملأ مواقع التواصل الاجتماعي ، وقبلها تداولت المواقع حادثة حرق زوجة الأب لابنة زوجها وتعذيب أحد الاباء لابنه حتى الموت بالاشتراك مع زوجته عدا حوادث أخرى قد لاتصل الى يد المتداولين … هل يعني هذا ان مجتمعنا ينزلق الى هاوية العنف حثيثا ليصبح ثقافته الجديدة بينما تتسابق الدول الأخرى الى تبني ثقافة التسامح وبناء العقول والنفوس واشاعة برامج التنمية البشرية لتطوير مجتمعاتها …
يقال ان الظلم يستدعي الظلم والعنف يولد العنف ، وماشهده العراقيون من عنف طوال عقود طويلة ربما بدأ يجرد بعضهم من احاسيسهم البشرية ليصبح العنف وسيلتهم للتعبير..ويقال ايضا ان العنف وحش مجنون ان اطلقته فلن يمكنك السيطرة عليه ، وهذا مايحدث لدينا ، فلو راقبنا انفسنا قليلا سنكتشف اننا نستخدم العنف بكل اشكاله بدءا من الصراخ بوجوه بعضنا لدى مناقشة أمر ما ومرورا بضرب الازواج لزوجاتهم والمعلمين للطلبة ، ثم استخدام السلطة للعنف بحق الصحفيين والمتظاهرين والمعتقلين ..لقد بات العنف رفيقنا ووسيلتنا الأسهل للوصول الى اهدافنا ، لهذا صار تشكيل الميليشيات ضرورة لاشاعة الخوف في النفوس واعادة العمل بنظام العشائر واجبا لحماية ابناء العشيرة بالسلاح وحده ..
اذا كان العنف سلاحا للضعفاء كما يقول الحكماء ، فهل علمتنا سنوات العنف التي عشناها ونعيشها أن نفتقد قوتنا الداخلية ونعبر عن ضعفنا بالعنف وحده ؟ .. يبدو ان هذا مايحدث فعلا فماالذنب الذي جناه أطفال مثل بنين وسواها ليصبحوا ضحايا لثقافة العنف التي تسود المجتمع تدريجيا ..؟..السبب هو غياب الرادع القوي سواء من النفوس ذاتها التي طلقت لغة الحوار والتسامح الى العنف والقسوة او من السلطة التي تعجز غالبا عن حماية المعنفين أسريا فكيف يمكنها اذن حماية المواطنين من وحش العنف الذي تستخدمه هي ذاتها أداة لارهابهم احيانا ؟!!

لا تعليقات

اترك رد