الإعتراض

 
(لوحة للفنان جاسم محمد)

الكلام في اصله جمع مفردات من الحروف والافعال والاسماء تلتحم جميعا في تكوين معنى.

ومن اهم مميزات الجملة هو تركيبها وبناؤها بدراية لتظهر في احسن اوجهها من حيث الدلالة والمعنى الى جانب خصائص الجمال من البيان والبلاغة من جانب آخر
والاعتراض ضرب من ضروب البلاغة، وقد جاء في كلام العرب قبل الاسلام وبعده، وأكده كلام الله تعالى في اعلى واجمل صيغه وكما هو معلوم ان الجملة القرآنية اتت متناسقة مختارة بعناية لا يأتيها الوهن والضعف لبديع نَسَقِها ورَصينِ تركيبِها ودِقةِ اشارتِها ودلالتِها.

قال رب العزة – تعالى قوله على كل قول – على لسان ام مريم :
فلما وضَعَتْها قالتْ ربِ إنّي وضَعْتها أُنثى -واللّه أعلم بما وضعت-، وليس الذكر كالأنثى

وقال -وليس لقوله شبه ولا مثل- :
يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن – الله أعلم بإيمانهن – فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار

القولين الشريفين قوله تعالى: (والله اعلم بما وضعت) وقوله (الله أعلم بإيمانهن) جملتان اعتراضيتان جاءتا بلاغةً للتوكيد والاخبار بأن الله أعلم في كلا الأمرين

أما قوله تعالى:

ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا – واتخذ الله إبراهيم خليلا -، فقد اطلق البلاغيون على هذا النوع من الاعتراض اسم “التذييل” لوروده في آخر الكلام.

وهناك نوع آخر من الاعتراض وهو اعتراض كلام في كلام لم يتم ، ثم يرجع المتكلمُ إليه فيتمَه كقوله تعالى:
وإذا بدلنا آية مكان آية -والله أعلم بما ينزل- قالوا إنما أنت مفتر – بل أكثرهم لا يعلمون -.

فقوله تعالى هنا: (بل اكثرهم لا يعلمون) هو تكملة للجملة الاعتراضية (والله اعلم بما ينزل) وهو من بليغ القول وجميل الاستعمال ولا اظن ان هذا الاسلوب استخدم في غير كلام الله.

وقد عَرّف استاذ البلاغة ابو الهلال العسكري الاعتراضَ بقوله:

كلام في كلام لم يتم معناه، ليعود المتكلم فيتمَه.

ثم فصّله ابن المعتز فقال: إنه -أي الاعتراض- الكلمة التي اذا طُرحت من الكلام نَقَصَ حُسنُ معناه أو مبالغته وهذا تعريف بمنتهى الدقة والشمول، اذ ان طرح الاعتراض لا يُنقِصُ – بالضرورة – المعنى ولكنه ولا شك ينقص من “حسن المعنى” وبلاغته.

وفي كلام الله – تعالى اسمُه وسَمتْ كلماتُه- الامثلة العلى في استخدام الاعتراض كضرب من ضروب البلاغة وقد وردت فيه امثلة كثيرة من كتاب الله لا يتسع المقام لحصرها ونشرها.

وقد استخدم العرب الاعتراض في كلامهم سيما في الشعر للتوكيد والتبيين والاخبار وقد جاءت في غالبها كنوع من انواع البلاغة وضروبها

قال السموأل بن عادياء:

وفيتُ بأدرعِ الكِندي إنّي … -إذا ما خانَ أقوامٌ- وفيتُ

فجملةُ اذا (ما خان اقوامٌ) جملةٌ اعتراضيةٌ تُفيد الإخبار والتوكيد اما المعنى فهو لا يتغير برفع الجملة الاعتراضية ولكن تأثيرها البلاغي بادٍ فإذا رُفعتْ ذهب حُسنُ معناها وهيبتُها ووقعُها في النفس.

كذلك أتي الإعتراض ولا محل له من المعنى كقول النابغة واسمه “زياد”:

يقولُ رجالُ يجهلون خليقتي … لعلَّ زياداً -لا أبا لك – غافلُ

فجملة -لا ابا لك- جملةُ اعتراضيةُ تفيد التنبيه ولا تُفيد المعنى ولا تؤثر به ولم يخلُ نصٌ ادبيُ عربيُ من الجملةِ المعترضةِ شعراً كان أم نثراً وقد أوردتُ نماذجاً للمتقدمين واورد هنا بعض الامثلة للمتأخرين.

قال شاعر العراق معروف الرصافي في قصيدته الفقر والسقام

يا طبيباً -وأين مني الطبيب- … حال دون الطبيبِ فَقرٌ عصيب

لا اصاب الفقير داءٌ مصيبُ … ان سُقم الفقير شئ عجيب

بطلت فيه حكمة الاسبابِ

فكما نلاحظ ان جملة (وأين مني الطبيب) جملة إعتراضية

كما استخدم الاعتراض الشعراءُ المعاصرون ، وهذه بعض اجمل الاستخدامات المعاصرة للجمل الاعتراضية وقد وضعتها بين شارحتين وخرجتَ – حينَ خرجتَ – وحدَك مُبصراً … أنَّ الطريقَ إلى السماءِ من الثرى مهدي النهيري ﻭﻛﺎﻥَ ﺇﺫﺍ – ﻭﺍﻟﻤﻮﺕُ ﻳﺰﺟﻲ ﻃﻔﻮﻓَﻪُ – … ﻳَﺌِﻦُّ، ﺗﺠﻠّﻰ ﺁﻧﺔً ﺛﻢَّ ﺃﻃﺮﻗﺎ مهند ناطق واما الختام فسيكون مسكاً في ذكر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقول الشاعر هزبر محمود
ورحتُ أبنيه -أعني القلبَ- مُتخذاً … نوراً لنورِ رسولِ اللهِ ينتسبُ

لا تعليقات

اترك رد