إذا أفاق البحر من نومه


 
الصدى-البحر-من-نومه1
لوحة للفنان سعد الطائي

 الذكرياتُ  تشبهُ  جبلاً  مُغطّى بالثلج
المشهدُ  هائلُ الجمالِ  دونَ شكّ،
لكنْ  إذا جاءَ  الصيف
وبدأَ الثلجُ  يذوبُ شيئاً  فشيئاً
فإنّكَ  لا تستطيع إيقافَ  الذكرياتِ  من الذوبان
سواءً  أرقصتَ مذبوحاً  من الألم
أو رقصتَ  مذبوحاً من الملل
أو رقصتَ مذبوحاً من الجنون .
*
صانعُ  الكراسي الذهبيّة  للملوكِ  والطغاةِ  والأباطرة
لا يملكُ  في بيته أيَّ  كرسي كان،
حتّى  من الهواء.
وحينَ  سألتُه  عن السبب
قالَ: أكرهُ  الكراسي ومَن يجلسُ عليها
وأكرهُ أكثر
أولئك الذين يمتدحون بريقَها المُخيف.
*
في الفلمِ  الملآنِ  بالعرباتِ والخيول
وحاملي المسدسات الأسرع من ومضةِ  العين،
كنّا نجلسُ  لنرى الفلمَ ونضحك،
كنّا  جَمْعاً  من صبيان وشبابٍ  سُذّج  وقرويين فقراء.
وكانَ  الظلامُ  قويّاً
فلا ترى فيه سوى دخان القرويين
وصراخ وضحكات الشباب والصبيان.
لكنَّ  المسدسات الأسرع من ومضةِ العين،
قرّرتْ، لسببٍ  مجهولٍ  أو معلوم،
أنْ  توقفَ هذا العالَم
من السذاجةِ  والدخانِ  والضحكات.
وبدأتْ  تخرجُ  من شاشةِ  السينما
لترمينا برصاصٍ  حيّ،
وكنّا  نضحكُ  والدمُ  يخرجُ  من رؤوسِنا  وصدورِنا
مُمتلئاً  بالدخانِ  والصرخاتِ  والضحكات.
*
لم يعد العابرون يمشون
وهم يُحدّقون في أقدامِهم
ويغمغمون بكلماتٍ  لا معنى لها
بل صاروا يمشون برؤوسٍ  مرفوعة
تُحدّقُ  في بعضها بعضاً
إنّما بعيونٍ  مِن حجر،وتنطقُ
إنّما بكلماتٍ  مِن حجر.
*
قالَ لي البحرُ  ذاتَ مَرّة:
أنا عاشقٌ.
وحينَ  أردتُ  أنْ أسأله عن السببِ  بكيت.
*
كنتُ  أخاف أنْ أذهب إليه لأسأله
فقد مرَّ نصفُ  قرنٍ  على فراقنا.
وقلبُ  البحرِ  كبير
لكنّه لا يحبّ  الأسئلةَ  الغريبة
ولا أسئلةَ الغرباء.
*
صرتُ، الآن، مثل البحر
أنظرُ  إلى الناسِ  فقط.
لا أتبسّمُ  ولا أضحك
ولا أتكلّمُ  بأيّ  كلامٍ  أو إشارة
ولا أسألُ،  بالطبعِ، أيَّ  سؤال.
*
لم أردْ  أنْ أرمي الحجارةَ  على السفينة:
سفينة القبطانِ  السكران
والمرأةِ  العارية
والكلبِ  الذي لا يكفُّ  عن النباح،
لولا أنّ  القدرَ  رماني مثل الحجارة
على شاطئ الجحيم.
*
البحرُ  يكرهُ  الشطرنج
وهوايتهُ  المُفضّلةُ  هي النوم، النوم العميق.
لكنّه إذا أفاقَ من نومه مَرعوباً
فإنّه  يبدأ بخنقِ  الجنودِ  والوزراءِ  والملوك
والفيلةِ  والخيول
الواحد بعد الآخر.
ولا يرتاح باله أبداً
إلا إذا انتهى من خنقِهم  وإغراقِهم جميعاً.

لا تعليقات

اترك رد