قيامة ستار كاووش

 

يوم 20 /04/201 وبعد رحلة طويلة جدا التقي الفنان الصديق ستار كاووش ، ليس كما عرفته بالطبع ، وكما عرفته بالضبط . ليس كما عرفته لانه ستار الفنان الذي تفخر متاحف الفنون العالمية بانتساب لوحاته اليها ، وكما عرفته لان ستار مازال على ذات الارتباك الجميل والريفية وتلمس الاشياء التي حوله كانه يكتشف العالم للمرة الاولى .

وعليه، مفاجاتي هذا الاسبوع ليس تطور ستار واعمالهالتي بلغت الالف لوحة وهو رقم قياسي وحده يستحق الدراسة ، بل عدم تغيره في حزنه وجمال روحه وطفولته التي ربما لا يراها النقاد بين خطوطه الصارمة المبهجة .

ستار كاووش ، لم يعد تاريخ الفن المحلي في العراق او الهولندي محل اقامته او الانساني وهو يقرا ماوراء الوانه ورحلته من الفقر الى الروح ومن الروح الى الغنى ، يخطئه ، لم يعد شيء يخطىء ستار الساحر الذي اختار الفرح في زمن الحزن واختار السلام في زمن الحرب واختار الاستقلال والحرية في زمن العبودية والتبعية وضياع الهوية.

ليس هذا توصيفا لستار كاووش الانسان ولسيرة حياته ، بل هو توصيف لقدرة رسوماته على ان تحيا كل هذه الحياة وتؤثر كل هذا التاثير.

وانا اتفحص لوحات كاووش اثارتني اتجاهات عدة ، اولها ان ستار غير معني بالعالم، ولا حتى بالمفردات التي يرسمها ، انه كاهن عاطفة تمر الوجوه وكانها تعترف في حضرة الوانه وخطوطه . ليس لستار كاووش موضوع ، له مشاعر والاخرون يتزودون باشكالهم ومواضيعهم من دلالاته وعواطفه .

انه ملاك للحركة اللونية ولخطوطة وليس لاشكاله، ولذلك انا أُسحر كثيرا بخطوط وعلامات وتقاطعات لوجوه مالوفة بالنسبة لدي ، فيما الوجوه ذاتها لاتمثل شيئا لي انا شخصيا في الاقل لكن طريقة رسمها و عالم اللون والخطوط التي يطبخ ملامحها تمثل مايشبه القيامة التي تعري الجميع على حقائقهم.

ستار كاووش وريث مشاكس لتجارب عراقية كبيرة وعالمية وجسر نحيف بين المحلي والكوني .. لذلك تجد حصة لكل فنان رآه ستار او شاهد له عملا في لوحاته،حتى لو رسم قطة او امرأة رسما محايدا. ستار له كائناته وليس رساما للوجوه ، ولذلك ترى الوجوه التي تمرمن امام ريشته ليست الوجوه التي تمر نفسها ، عالم لعين من الضوء والخطوط والخديعة واسقاط الحالات النفسية على ملامح الشخصيات التي يرسمها .

في الكتابة عنه لا استطيع التخلص من ستار كاووشذلك الطالب المسالم الذي يجيد الدرس التشكيلي في اكاديمية الفنون الجميلة ، وكنت حتى عام 2001 حينما التقينا في هولندا وتحدثنا عن متغير المدينة والدول والثقافات اتصوره منضبطا خارج الشعر والفوضى التي احدثها جيلنا انذاك . متصالحا مع الجميع ،،وهو يؤكد لي ان هولندا بالنسبة له هي الفرح الفرح المحض ، قائلا :حين قرر الله أن يصنع الفرح صنع هولندا . ربما الحرية التي حصل عليها وربما تلك الخطوط السحرية واللوحات التي كانت تمثل له الخلد بعينة ليجد نفسه قريبا من الوانها ويشم زيتها ، وربما حبه لامراة هولندية اختصرت له الشرق والغرب معا ،وهو مايشير اليه وجودها بصور شتى في لوحاته.

هذا الاحتفاء ، لايمكن تسطيحه بخلاصات الهروب التقليدية من الموت والتهميش وتعدد السلطات القامعة ، واثرها على المبدعين ، هناك في هذا الاتجاه استثنائيون ستار كاووش واحد منهم ، جعلوا تاريخ الفن الاصلي تاريخا شخصيا لهم وتاريخا فنيا ايضا ، وهو مايحوّل مسار الرحلة الى الموت باتجاه رحلة الى الحياة ..

ستار كاووش نموذج فريد لهذه المعادلة.

تحول من انسان مازوم يرسم اللوحات او يكتب الروايات والشعر الى انسان خالص ، يتامل وينتج ، العالم بلاده والبشر كلهم شعبه ، فجاءت لوحاته مهرجانا من الحنين والجمال والاحتضان والقبلات الريفية على حيائها رموزا لعلاقة الحب والفرح والبلاد والبحث عن الاطمئنان ..

الوان وخطوط ستار كاووش على اختلافها لاتقرع اجراسا للتوتر انها فقط تطمئن الجميع .

1 تعليقك

  1. صديقي الكاتب والمثقف الكبير د. عبد الحميد الصائح، كان اللقاء بك بعد هذه السنوات بمثابة هبة كبيرة احصل عليها، وكتابتك المدهشة عني هي وسام افخر به والتفاتة راقية منك، حيث أعدتني الى خطواتنا الجميلة في أكاديمية الفنون حين كنّا انا وباقي الاصدقاء نتداول قصائدك وحضورك الذي يدفعنا دائماً الى الامام. سلام من قلب يحبك وينتمي اليك وتحية لكتابتك التي اسعدتني كثيراً . شكراً لكرم روحك. كن بخير صديقي
    الشكر والامتنان موصول للصديقة الراقية مبدعتنا الكبيرة د . خيرية المنصور

اترك رد