متلازمة .. اتساع الاستخراجات وارتفاع مستوى الفقر


 

ان من اساسيات قوة الدولة والامن القومي لكل بلد والسيادة الوطنية على الارض والجو ومن بديهيات الانظمة الدولية أن لكلّ بلد سيادة وطنية على المجال الجوي والارض ,و لا يجوز اختراق ودخول المجالين إلاّ بناء على إذن مسبق أو بموجب اتفاق أو معاهدة دولية .
وانطلاقاً من هذا التصورطرحتُ على نفسي التساؤل التالي:
هل يوجد قانون يحدد الاعماق لكل دولة ,ويقيد الاضرار
حدث قبل فترة من الزمن …

وبعد جلسة بسيطة مع بائع الغاز المنزلي وحديثنا عن جودة المنتج واهمية الغاز والنفط العراقي للمواطن في توفير جودة ورفاهية ممتازة للأجيال, ومناقشة قضية قناني الغاز الايرانية واطئة الجودة واضرارها على المستهلك واستدرجنا الحديث عن دور الاتفاقية الامنية الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الامريكية .

تطور بنا الحديث على امتداد جغرافية الوطن وانتقلنا الى مشاكل البصرة الصامدة بوجه التنقيب والتفتيش عن منابع النفط وتحول الاراضي الزراعية الى استثمارات نفطية وانتشار اقطاعيات نفطية شبيه بالإقطاعيات الزراعية في القرن التاسع عشر وبداية العشرين تركنا بعض بعدها كل على شاكلته .

استطرد بنا الحديث على قضايا اعمق واشد وطأة وسرح فكري الى حوارات داخلية تمس السيادة الوطنية وهيبة الدولة فاضطررت الى قطع انهاء الحديث مع عبارة((الله يفرج)) .

وتداعتْ شتى الأفكار في ذهني وقَفَزَتْ سريعاً الى واجهة اهتمامي, حين قرأت في مبحث سريع عن طريق الأنترنت يقول إن البصرة ستصبح خلال سنوات قليلة منتجا عالميا للغاز !! وذلك استناداً الى ما قام به بعض الجيولوجيين العرب والكرد العراقيين من أبحاث ودراسات حول هذا الموضوع. وفي ندوة تلفزيونية مثيرة, قال أحد الاختصاصيين من وزارة النفط , بأن نتائج الانتاج الحالية جاءت مشجعة ومبشِّرة بالخير, وأن نعمة الغاز في حال تفجّرها على ترابنا الوطني, ستسهم كثيراً, لا بل ستقفل دفتر الدين العام وتؤسس سريعاً لقفزة اقتصادية هائلة!

هبّ المتنفذين بعدها في البصرة والشمال العراقي وبدأوا بالحفر بالتعاون مع الشركات النفطية المحلية والعالمية أينما كان: في مزارع الطماطم والساحات والحدائق والمصايف والوديان وتأبير النخيل وقطع اشجار البساتين حتى ظننا بأن كل حفرة على الزفت في الشارع مطب صناعي لتخفيف حدة سرعة ناقلات الغاز والنفط وبالتالي تخفف الاختناقات في المنافذ الحدودية او موانئ التصدير ,هي بداية طيبة لمشروع تنقيب عن المستخرجات النفطية !! وأمام هذه الحالة الوطنية ­ الاقتصادية من النبش ,وضعت الحكومة يدها على كامل الملف, وكلّفت بعض المقاولين بـالتراضي مهمة التنقيب, وبواسطة انبوب ضخم استوردوه خصيصاً لهذا الغرض.

هكذا, ارتفعت بيارق ورايات وأعلام التفاؤل والأمل بوطن سيصبح دولة مصدرة للغازوالنفط !!

وكان الانبوب العملاق, عند اختراقه لكل طبقة ترابية, يأخذ منها عيّنة ويرسلها الى السطح, وذلك لفحصها وتحليلها. وبعد أقل من ساعة, أطلع ابنوب الحفر الخارق الهدار تراباً بريطانيا ومن ثم عثمانياً أي من العهد العثماني ثم تراب عربي, بعد ذلك فارسي, اسلامي , آشوري, آرامي… وهكذا وصولاً الى الطبقة الادمية !

وعلى الرغم من غوص انابيب الاستخراج الى هذه الأعماق, لم تظهر ­ للأسف ­ أي دلائل على امكانية فصل الغاز عن النفط .عندئذ قرر المقاولون أن يضاعفوا الجهود «نزولاً», وذلك للوصول الى الطبقة الكلسية الكثيفة للعصر الجوراسي, حيث عاش وترعرع هناك «مقاولو» ذلك الزمن من الديناصورات الشرسة الفتاكة!

فجأة اصطدم الانبوب بشيء صلد صلب كاد أن يكسره, وأرسل قدحة نارية رهيبة, وصل شعاعها الى سطح الأرض.

وتبيّن فيما بعد أن محفاراً آخر, لإحدى الدول النامية كدولتنا, يحفر أيضاً منقّباً عن النفط من الجهة المقابلة للحدود العراقية وهذا ما أدى الى احتكاك الانابيب وإلى تلك الصدمة «الجوراسية» الهائلة, وإلى تراجع سريع للأنبوب العراقي الى حضن مقاولينا.
عند هذا الحادث الحدث, بدّل المقاولون من الاحزاب خطة العمل, واعتمدوا طريقة الحفر المتنقّل المكثف من مكان الى آخر, وذلك بهدف المسح الشامل وبَحوَشة كامل وجه وطبقات تراب البلد!!

وبهذا تحول الجنوب والشمال , ساحلاً, وسهلاً, وتراثا الى مصفاة حقيقية بمليارات الثقوب والشقوق والجُوَر والخروق والانخسافات والخنادق, ليصبح عنواناً للشفافية في كل شيء!!! وما ان رأى طالبي المال الخنادق المحفورة والشقوق حاضرة ناضرة وجاهزة حتى سارعوا الى:

أخذ مواقعهم فيها ليبدأو بإطلاق النار على بعضهم بعضاً, فيما عاد السلطويون الى الحفر العمودي منطلقين ومن دون انقطاع في اتجاه أسفل سافلين بحثاً عن النفط والغاز معا !!!

فكم تمنيت, لو يصدر قانون جديد يحدد ويحدّ من مدى هذا النزول المتواصل للموت والتصحير والتغيير الديمغرافي وتغيير طريقة التعامل مع الثروة الوطنية .
ان الاقتصاد الريعي الفوضوي ادى الى تغييرات سلوكية كبيرة لدى المواطن انحرفت سلبا على كل تفاصيل حياته العامة . وبالتالي سوء التوزيع العادل للثروة والية الاستثمار سيؤدي حتما لارتفاع في معدلات الفقر والبطالة وانتشار ظاهرة تخلخل القيم .

لا تعليقات

اترك رد