الفنان التشكيلي – سعد الطائي

 

في مراحلنا الدراسية الأكاديمية العامة للفنون التشكيلية,عندما كنا طلبة في الصفين الأول والثاني، قبل التخصص، كان هنالك تنوع في دراسة الفنون التشكيلية، منها النحت والسيراميك والجداريات والرسم والتصميم الزخرفي والهندسي، والدروس النظرية، ومنها تاريخ الفنون، القديمة والحديثة، ولم تغيب عن ذاكرتنا المعرفية، التي تم منح ثرائها من أساتذة لايمكن غيابهم في مجال التدوين النقدي والدراسي للبحوث والتوثيق، لقد كان تدريسنا لتاريخ الفن التشكيلي الأوربي باللغة الإنجليزية من قبل أستاذنا الكريم الرائد – سعد الطائي – وقعا من الأثر المعرفي والنفسي، حيث كان إطلاعنا الشخصي للمدارس الفنية وروادها، في مراحل الثانوية أمرا شخصيا، يخلوا من التحليل والمقارنة ومعرفة الأسباب لظهور هذه المدارس، بدءاً من عصر النهضة للفنان ليوناردوا دافنشي ومايكل أنجلو ، ومرورا بالمدارس الأخرى التأثيرية والانطباعية : مانيه ومونيه، وسيزلى، وبيسارو، وشارك فيها رينوار وديجا، وسيزان الذي مهد إلى التكعيبية، ثم تلتها التجريدية : فاسيلي كاندينسكي – موندريان- كازمير ما ليقتش، وإنتهاءا بالحداثة: ومنها التكعيبية للفنان بابلو رويز بيكاسو،، فضلاً عن دراستنا لترات وادي الرافدين ، على يد الشهيد شمس الدين فارس، وتاريخ ألفن الإسلامي للراحلة بلقيس محسن القزويني، قرينة الأديب عناد غزوان. تلك المراحل تترك لنا تأثيرا بالغ الأهمية في إعداد أنفسنا لسلوك طريق أرقى مسالك القيم الجمالية والتذوقية في جانبيها المعرفي والمهاري والوجداني،

لذلك عندما نريد أن نسلط الضوء بالتحليل الأستقرائي لأحد أساتذتنا في مراحل التدريس، تمتزج معها ذكريات التأثير المخزون، لتسحبنا إلى إضافة الشعور النفسي والمنهجي، ومن خلال المتابعة وإلانشداد نحو أعمال الفنان – سعد الطائي – بدءاً من تلك المراحل ومايعقبها،تسود في أذهاننا بنية التحليل والمقارنة والربط بين تنوعات وفوارق الأساليب مع المجايلة للآخرين، ولو تمعنا للمحصلة النهائية لرؤيا النتاجات الفنية لكل فنان وأديب، فإنها ترتبط بجذور الزمكان، بيئة وعصرا، حيث كانت لبيئة وتراث مدينة بابل التي عاش وترعرع فيها الفنان – سعد الطائي – الأثر الكبير على أعماله الفنية حيث رسم في بداية مشواره الفني الصيادين والبنائين والوجوه البشرية المتعبة، وفي فترتي الستينات والسبعينات من القرن الماضي رسم الأهوار التي أخذت حيزا كبيرا من أعماله فيما بعد. . ولكن أعقبتها تغيرات عبر الزمن على صيغة أسلوب وثيمة أعماله الفنية، حيث بدأ يرسم الأمل عند الإنسان، وفي فترةالتسعينات أنجز أعمالا تجسد حالات شظف العيش الذي عانى منه العراقيون خلال الحصار الإقتصادي ثم توالت أعماله التي إختلفت من حيث الأفكار التي حملتها .

تبدو لنا أعماله الفنية التشكيلية بشكل عام ، هي إستناد بناءاتها النصية والشكلانية بمحورين : أولهما- مفردات الإنعكاس الذهني للواقع برؤيها الطبيعية للواقع، وثانيهما- تجسيد الرؤى المنفلتة من مقيدات الأرتكاز على واقعها الأرضي، حيث تتلاشى حافات الكتل البنوية للأشكال بفضاء حر، يجمع بين التشخيص والخيال الذاتي، وتتداخل متغيرات وتنوعات الألوان ضمن مسار حركة الأجزاء بشكل متكرر، لكي تخلق صفات التأمل الفني الجمالي، وإستمرارية التوازن المرئي للمحصلة النهائية للوحة، لذلك تبدوا التكوينات الفنية الإنشائية في محيطها الخارجي، كأنها عائمة في فضاء حر. إن الفنان – سعد الطائي – ينغمر في معنى منطق أعماله.. لغة العزلة والتنحي، ولكن في الوقت ذاته يؤكد قوة وفعالية الأشياء في حركة ديمومتها أو صحوها، الذي يماثل الصدمة والقدر، حيث تنحو جميع المفردات بحركات تجسد خطابها الذاتي والباطني بكتمان ولغة إشارية، إذ يناغم الإرسال الصوتي، أو البحث عن جوهر الأحلام في المكنونات الجامدة التي تناظر الأحجار المرمية والمتناثرة فوق السطوح الأرضية، حيث يلتقط الأفكار بوعي، يثبت مدى تأكيد مديات عمق رؤيته للتشخيصات الإنسانية. . وهي تشخيص لأمور تفوح منها عبق العزلة وغياب الألفة، أو الإغتراب الروحي والنفسي، بمسببات ونتائج متعددة. . وفي أعمال أخرى تتعدد المضامين والمصادر، ولكنها بذات البنية الإسلوبية التي تفرد بها مبكرا، حيث يتم تشخيص أعماله من قبل المتلقي من أول نظرة، ورؤية الإنتباه والتنبيه ، بهذه الطريقة تتكامل عنده المضامين التعبيرية والأهداف بمحصلتين ،وهما مراجع المفردات وإختيار صيغ الإسلوب التفردي . وفي أعمال أخرى. .ومنها ماتم عرضها في عمان – الذي يحمل عنوان “وهم المسافات”، اذ يفصح الفنان – الطائي – إن “الأعمال المعروضة تجسد ما يعانيه الإنسان العراقي من قلق وتوتر وخوف من المستقبل المجهول الذي ينتظره، في ظل الأوضاع الأمنية المتردية والخلافات السياسية، مشيرا إلى إن شخوص لوحاته التي أنجزها خلال السنتين الماضيتين خلال إقامته بين بغداد وعمّان تظهر وهي في حالة أنتظار وتأمل”.

وبشكل عام فإنه “يبحث من خلال تجاربه فعل تأثيري، يسهم في تأسيس التحولات في تاريخ الحركة التشكيلية العراقية المعاصرة في جوانبه الإجتماعية والموروثية، عبر مسيرته الإبداعية وضمن مراحل متعددة، حينما رسم في بداياته الفنية حياة الفلاحين والصيادين والبنائين ثم الوجوه التي تعلن عن هوية عراقية خالصة”.وفي الوقت ذاته فإن الفنان – سعد الطائي – أمتلك الإنفرادية من خلال تشخيص الرؤى من قبل المتأملين والمتلقين لأعماله، يتجسد ذلك بتفرده الإستشعاري وهو يتكئ على قدرته وخبرته الطويلة في الرسم لأكثر من ستين عاماً قضاها في البحث والتجريب العملي، إن “أعماله الفنية في معارضه الأخيرة فيها تحولات ومتغيرات نتيجة للإنعكاسات التي طرأت بشكل كبير وفاعل على ظروف العراق قياسا مع أعماله السابقة خاصة تلك التي أنجزها في تسعينيات القرن الماضي حين ظهرت في معظمها وجوه وأشخاص في حالات مختلفة، بعد أن سادت أعماله صفة إختزال التفاصيل في اللوحة ليترك للمتلقي كشف ما يتوارى خلف سطوحها من تعابير وثيمات مدركة شعوريا ووجدانيا .”

لقد كانت إنجازاته في الوقت الذي تكون لغتها تعبيرية حرة، فإنها تجسيد لتاريخ متعدد الصورة والشكل والأحداث، حيث عبر عنها من خلال لوحات كثيرة نقلت الحكايات والأحداث الدرامية بأنواعها، و كذلك أوجه الطبيعة وقيمها الجمالية ، فضلاً عن مساهماته الأخرى في عمل ديكورات مسرحية ساهمة في جانب آخر من نجاحها، كما حصل ذلك من رواد أجياله الفنان – كاظم حيدر – ولم تطل فرشاته اللوحة إلا من خلال إنعكاس التوافق النفسي والمهاري في الإختيار والتنفيذ . وللفنان – الطائي – أنشطة ومساهمات متعددة، منها ترجمة بعض الكتب من الإيطالية والإنكليزية، حيث كان يجلب كتبا للطباعة وهو من بين أكثر الأشخاص الذين ساهموا ونشروا المعرفة والثقافة في البلد .وفي إطار التنوع في التقنيات والأداء والإختيار فلقد إمتاز بتقنية الألوان المائية .” وبجمالياتها المتقنة، وذلك ماتجسد واضحا في معرضه الأخير، وماسبقه من أعمال في هذا المجال. . وبشكل عام تبدوا إن سلوكيات الفنان التشكيلي – الطائي – خاضعة إلى تنوعات إلامتزاج التجريبي المستمر، حتى في مراحله الأخيرة .
لقد تأثر الفنان – سعد الطائي – بحركة الإنطباعيين الذين خرجوا من أماكن الإنغلاق في الجدران داخل إستوديوهات التصوير إلى رسم الطبيعة مباشرة، فأصبح بالفعل انطباعياً وأحد جماعة الإنطباعيين العراقيين، والواقع إن الفنان الطائي أستقى وقائعها من محيط الطبيعة، بل تأثر بشكل واضح في دراسة الضوء وإنعكاسه وتأثيره على اللون والشكل، فلقد رسم النخيل والسماء والأنهار والقوارب في الأهوار. ولكن بالرغم من إن الطبيعة كانت مصدرا له،فلقد إعتمد على فكرة البدء بتحوير الطبيعة وإستلهامها ضمن متغيرات شكلانية واضحة، وذات إرتباط بالأجتهاد الذاتي، بما يلائم مع تطورات الحركة التشكيلية في العراق، وتتداخل معها مصادر التراث الفلكلوري، من قبب ومنارات وشناشيل معمارية،تسودها فجوات مفتوحة لمداخل البنايات المعمارية، وبالرغم من مصادر السكون والجماليات التي تكمن في داخل الطبيعة، إلا إن الأحداث الأخيرة التي مرت بها البلاد أثرت على أعماله بشكل كبير من حيث الفكرة .. ومعرضه الأخير الذي حمل عنوان (الهجرة إلى المجهول ) خير دليل على ذلك ,حيث عرض أعمالا فنية تتحدث عن الإنسان وحبه الدائم للبحث عن المستقبل المجهول ، و تميزت بالتجديد والتغريب ، مثلا الإنسان يركب زورقا ويتجول بين الجبال ، أو يسير في غابة.. لقد جسد من خلالها المزج بين الخيال والواقع، وإن يجسد أحلامه الوردية وأمنياته المؤجلة في معرضه أسوة بأفراد الشعب العراقي الذين عانوا الويلات طويلا . ولقد أثرى تقيما للحركة النقدية التشكيلية خلال السبع سنوات التي مرت، حيث وجد الفنان – سعد الطائي – إن النقاد واكبوا أعمال الفنانين بكل زمان ومكان وهم يكتبون وبإستمرار شهاداتهم عن المعارض التي تقام بعد أن عادت الروح إلى بعض القاعات الفنية في بغداد، إن تقييم أهمية النقد الفني التشكيلي، تأتي من ذوي أصحاب العقول والخبرات الذين يدركون مدى أهميتها التوثيقية والتحليلية والخلود والتقويم والتقييم معا .

وأخيرا نقول إن الفنان التشكيلي سعد الطائي المولود في مدينة بابل عام 1935 ينتمي إلى جيل الخمسينات، من ذلك الجيل الذي أنجب عشرات التشكيليين العراقيين المبدعين والذين أثروا المشهد التشكيلي العراقي بالعديد من الأعمال المتميزة، وقد إقتنت أعمالهم العديد من المتاحف ودور الفن في مختلف دول العالم ..بدأ – الطائي – إهتمامه بالفن عندما كان في مراحله المبكرة من العمر، وبعد إلتحاقه بالمدرسة إكتشف معلم مادة الرسم موهبته فأهداه مواد تلوين وطلب منه مرة أن يري لوحاته إلى مدير المدرسة الذي كان بدوره مهتما بالرسم كثيرا وبعد أن أعجب بها ألحقه المدير بمرسم المدرسة الذي ساعده في صقل موهبته من خلال مراقبته للطلبة الذين يرسمون فيه وهكذا بدأت رسوماته تشارك في المعارض المدرسية وكان يحقق غالبا المركز الأول على محافظته. في الصف السادس الابتدائي حصل على جائزة، وهي عبارة عن كتاب يتحدث عن فن عصر النهضة الذي رسخ في ذهنه فكرة السفر والدراسة في إيطاليا التي تعد مركز الفن في ذلك العصر. في عام 1952، أرسله والده الى إيطاليا ليدرس ألفن على حسابه الخاص، وبقي هناك خمسة سنوات متواصلة كما درس هناك بالإضافة إلى الرسم فن السيراميك وتقنية صك النقود. حصل في وقتها على وسام الفارس من رئيس جمهورية إيطاليا، وكان يستغل فترة العطلات في التجوّل في أوروبا وزيارة المتاحف والإطلاع على حركة الفن.خلال فترة الدراسة في إيطاليا وتحديدا في عام 15 أقام معرضا مشتركا مع الفنانين النحاتين محمد غني حكمت وخالد الرحال الذي تجمعه بهما علاقة صداقة حميمة وذكريات جميلة .في عام 1965 رافق التشكيلي حافظ الدروبي في معرض مشترك جال عدة مدن في أوروبا ونال في وقتها إستحسان المتلقي هناك. لقد بدأ التدريس في كلية الفنون الجميلة منذ عام 1976، وترأس لسنوات قسم الفنون التشكيلية فيها. كما أسس قسم اللغة الإيطالية في كلية اللغات في بغداد عام 2003. أقام الطائي خلال مسيرته الفنية الطويلة عشرات المعارض الشخصية داخل العراق وخارجه وكانت له مشاركات في أغلب المعارض الجماعية كان آخر معرض شخصي له في كاليري الأورفلي بعمان في شهر شباط حمل عنوان “عودة إلى المجهول”، حيث عرض الفنان 26 عملا فنياً تتحدث عن الإنسان وحبه الدائم للبحث عن المستقبل المجهول، كما أتسمت معظم الأعمال المعروضة بالتجديد والتغريب، مثلا الإنسان يركب زورقا ويتجول بين الجبال أو يسير في غابة، حاول الطائي من خلالها المزج بين الخيال والواقع وإن يجسد أحلامه الوردية وأمنياته المؤجلة في معرضه حاله كحال أبناء الشعب العراقي الذين عانوا طويلا. ورافق المعرض حفل توقيع كتابه “الرسم على حواف الواقع” الذي يقع في 220 صفحة بالألوان، وهو معزز بشهادات نقاد أجانب وكتاب عراقيين وفنانين سجلوا ملاحظاتهم وآرائهم حول أعماله، كما يحتوي على صور وثائقية تؤرخ بعض المراحل الحياتية والدراسية للفنان .

للفنان – الطائي- إهتمامات بالقراءة والشعر والموسيقى, وبالرغم من إنه لم يغادر العراق كغيره من الفنانين الذين تركوا البلاد بعد أحداث عام 2003, إلا أنه يشعر بمعاناتهم وهم في غربتهم وفي هذا السياق كتب قصيدة نثرية عن الغربة جاء فيها :
أنا إبن دجلة والفرات أصالة
لا الشرق يؤنسني لا الغرب يغنيني
فلقمة خبز تحت ظل نخيل
تفوق موائد الذل الدفين
وماء رغم عكرته زلال
تصاحبه النسائم كل حين
غريب في بلاد لست منها
ولا أهل ليرحموني
وما حب العراق سوى إفتخار
لأهليه يداعبني حنيني .

2 تعليقات

  1. دكتور ماضي حسن نعمة المحترم / تحية
    قرأتُ ما قد كتبتَ عن الفنان الحلاّوي الأستاذ سعد عبد الأمير الطائي ونِعمَ ما كتبتَ .
    لا أعرف عنوان سعد الألكتروني فهّلا أخبرته أنَّ لدى حلاّوي مثلك صورة تجمع بعض الأخوان مع شقيقه الأكبر اخينا طبيب الأسنان فاضل عبد الأمير الطائي.
    أنا من جيل شقيقه صديقي خالد الطائي وأتذكر جيداً أنني وخالد كنّا ما زلنا تلاميذاً في متوسطة الحلة للبنين في حين كان سعد طالباً في معهد الفنون الجميلة وكان يومذاك يضع على عينيه نظّارات طبية بيضاء .
    شكراً سلفاً

  2. عزيزي الدكتور ماضي حسن ، لدي بعض الملاحظات …للتاريخ :-
    – 1952 ارسله والده الى ايطاليا ليدرس الفن على حسابه الخاص (حيث قبل في الصف الثاني مما ساعده في تحويل دراسته على حساب البعثات العراقية )
    – حصل في وقتها على وسام الفارس من رئيس جمهورية ايطاليا (هذا الوسام حصلت عليه في العام 2005 بعد ان اسست قسم اللغة الايطالية في كلية اللغات في جامعة بغداد في العام 2002- 2003 )
    – المعرض المشترك مع خالد الرحال و محمد غني كان في العام 1956
    – ترأست قسمي التربية الفنية والفنون التشكيلية لسنوات عديدة..
    – كان معرضي على قاعة الاورفلي ( عودة الى المجهول ) في العام 2011 تبعه معرض ( وهم المسافات ) في العام 2013 على قاعة مجلس الاعمال العراقي في عمان .
    آخر معرض لي كان على قاعة جمعية الفنانين العراقيين في بغداد مع توقيع كتاب ( مائيات سعد الطائي ) في العام 2016 .
    – في قصيدة الغربة :
    لا الشرق يؤنسني لا الغرب يغريني ( وليس يغنيني )
    فلقمة خبز تحت ظل نخيله (وليس نخيل )
    ولا أهل لهم يرحموني ( وليس كما ذكر )
    مع كل تحياتي لك عزيزي الدكتور ماضي حسن نعمة

اترك رد