تحديات المواجهة .. في بناء الذات وتحصين منظومةالحقوق الإنسانية


 

نسمعُ بين وقت وآخر –بعد أن كنا نسمع دوماً في زمن مضى- تصاعد الحديث حول موضوعة المواجهة العربية الإسرائيلية، وخطورةما يمثله المشروع الصهيوني على وجود الأمة العربية، وما فعله بالمنطقة العربية عموماً من تفتيت وتقسيم وتبديد للثروات، وعن هذا الدعم الغربي (والأمريكي بالذات) اللا محدود الذي تتلقاه حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة، ليصب في خانة إبقاء إسرائيلقوية ومتفوقة ومتحكمة بكل دول المنطقة العربية.. وما زلنا نسمع ونسمع أصداء تحديات لهذا المشروع تصدر عن مواقع خافتة هنا وهناك.. من أحزاب قومية ويسارية ومن بقايا نخب الحزبية التقليدية العربية… ولكنن نتساءل مع كثيرين تساءلوا:
لماذا فشل العرب في مواجهة المشروع الصهيوني قبل أن يكبر ويتضخم ويصبح دولة قوية قائمة بذاتها؟ وهل صحيح أنّه كانتْهناكَ إرادةٌ حقيقية فاعلة وجدية من أصحاب الشأن -تيارات وحركات ونخب ونظم- لمواجهة هذا الخطر في وقته، وقبل أن يستشري ويمتد؟ وفعلياً، كيف واجه العرب -كل العرب- هذا المشروع العنصري؟ ماذا فعلوا تاريخياً لتهديد الكيان الصهيوني في وجوده ومصيره ومستقبلهمنذ بدايات تأسيسه الأولى ونجاحه في إقامة دولة بات يحسب لها ألف حساب ليس في المنطقة فحسب بل على المستوى السياسي والاستراتيجي الأكبر، حيث تتسابق كل الدول الكبرى منها والصغرى لمد جسور العلاقات الاقتصادية والعسكرية –فضلاً عن السياسية- معها؟!!..
هل تضامن العرب (ولن أقول توحدوا) مع بعضهم كشرط جوهريللمواجهة الفاعلة؟! هل نجحوا في بناء دول مؤسسية عادلة ومتطورة ومزدهرة كشرط مسبق لنجاحهم في تحدي المواجهة ضد إسرائيلالتي بنى أبناؤها وأحزابها وأتباعها –وبمساعدة الغرب طبعاً- دولة تمتلك بنى تحتية قوية متينة علمياً وصناعياً وتقنياً وعسكرياً؟!!
هل أعطتْ حكوماتُ الدول العربية أبناءَ مجتمعاتها –التي هدّها التعب والمرض والجهل- حقوقهم الأولى، السياسية (من مشاركة في القرار والمصير)، والاقتصادية (من توزيع عادل للثروة، وبناء تنمية اقتصادية متطورة ومنتجة)؟ وهل ساعدوهم في النهوض، وبنوا لهم مكانة ودور وحضور ومقومات عيشهم الأساسية كشرط مسبق جوهري لإثبات الذات وتقويتها وتحصينها، على طريق نجاعة فعل المواجهة وإسقاط المشروع الصهيوني؟.. هل تحرروا من الداخل، حتى يحرروا الخارج؟!..
أسئلة صعبة، وإشكالية في الوقت نفسه.. والإجابة عنها معروفة سلفاً، حيث أنه وللأسف وبعد عقود طويلة من مواجهات خاسرة مكلفة مادياً ومعنوياً، واجه العرب عدوهم اللدود هذا، بعقلية متخلفة،وواقع حضاري رثّ، ومجتمعات مفككة متشظية، منقسمة على ذاتها، ضعيفة الترابطات الاجتماعية والسياسية، وتتحكم بها العلائقالتقليدية، والعقليات القبلية والطوائفية، أي أن الانتماءات الأولىكانت (وما زالت) هي البنية الاجتماعية الأقوى التي لم تتزحزح، بل توسعت وحافظت على وجودها كونها متغلغلة في صميم الوعي والشعور والسلوك الذاتي للفرد العربي..

نعم لقد واجه العرب الكيان الصهيوني الغاصب للأرض والقاتل للشعب، واجههوه ببنية حضارية مأزومة بكل مستوياتها وأبعادها من الاجتماع إلى الاقتصاد إلى السياسة والعلم والفكر..
هي إذاً تبعية للغرب في كل شيء، وعيش طفيلي على فتات موائده.. فدولنا العربية الرسمية مثقلة بالديون للآخرين (دولاً ومؤسسات مالية)، واقتصاداتها ريعية غير منتجة، ولا تملك الكفاءة والجدارة العلمية والقدرة الإنتاجية لتحقيق فعل المنافسة والحضور الفاعل.. هي اقتصادات عاجزة فاشلة، والفشل التنموي في تلك البلدان أفضى إلى استمرارية الفقر والأمية والجهل والعجز العقلي، وتبديد الثروات والموارد على لا شيء سوى إقامة مظاهر خادعة ظاهرية لعمران عقاري أو لتنمية عمرانية بلا أسس فكرية معرفية، وبلا قواعد رصينة من الفلسفة العقلية التي كان من المفترض أن تقود هي إلى تأمين تربة الإنتاج العلمي ومن ثم الحضاري، من خلال بناء حداثة العلم بعد إنجاز حداثة العقل.. وأما ما تحقق فهو ليس أكثر منحداثة قشرية تفتقر للبعد العقلي العلمي، ترتكز على حالة شاملة من انعدام أي بحث علمي حقيقي مؤثر ومنتج.

يعني باختصار: فشل العرب في بناء وإقامة دول العدل والمواطنة والمساءلة وحقوق الإنسان، وظلت القطيعة والعدائية والكيدية والكراهية الشديدة هي النمط الغالب على علاقة الشعوب والمجتمعات العربية بنظمها ودولها وحكامها.. وفي ظل هكذا مناخ صراعي عنفي استقطابي حاد، كيف يمكن مواجهة الصهيونية؟..
حقيقة هو تحدي بناء الداخل، كشرط وكأساس لبناء معادلة المواجهةالمطلوبة تلك..ولكن لم تتحقق هذه المعادلة، وفشل العرب في توفير متطلبات النهضة الداخلية، لبناء أوطان الإنسان، أوطان التنمية والحداثة العلمية.. وهذا الفشل مرده إلى تناقضهم مع أنفسهم في أمر رئيسي هو، رغبتهم في العيش في قلب الحداثة الكونية، ولكن من دون أن يدفعوا ثمنها العقلي، إذا صح التعبير… بل نشدانهم البقاء فكرياً وعقلياً وروحياً في عصور التاريخ الأولى التي يتمجدون بها..

وحتى هذه اللحظة لم يتمكن العرب من حسم هذه المعادلة المختلة لصالح الماضي… لم يتمكنوا من التصالح مع تاريخهم وحاضرهم، بل بقيت الأضداد تتعايش متصارعة في وعيهم وسلوكياتهم. وحتى على مستوى أبسط الأمور، لم يستثمروا هذا التاريخ لتجفيف أو لتخفيف حدة خلافاته وتعقيداته..

ومن لم يقرأ التاريخ بدينامية عقلية منفتحة، لن يستفيد من دروسه وعبره ومواعظه.. ومن دروسه الكثيرة على صعيد الاجتماع العربي:
1-إن الدم يجرّ الدم والإلغاء يسوّغ الإلغاء، والتهميش ينسف مقوّمات التعايش السّلمي بين الناس بمختلف مكوناتهم وانتماءاتهم واتنياتهم وقومياتهم خاصة في مجتمعاتنا العربية المتنوعة.
2-بناء الأوطان مستحيل في ظل انعدام الرغبة الصادقة بالعيش المشترك الحقيقي بين مختلف التكوينات الاجتماعية والتاريخية التي يتألف منها. أما التكاذب المشترك فلا مستقبل له، بل يدخل الأوطان في غياهب المجهول والموات الطبيعي.
3-غاية ومنتهى الوجود البشري (وإقامة الحكم وأي عقد سياسي اجتماعي) هو بناء أسس عملية (لا نظرية فقط) لتحقُّق قيم العدل والمساواة والحرية، وبناء مجتمعات السعادة والرفاه والازدهار والتمتع بطيبات الحياة، وأي خلل بالمعادلة (والذي يؤدي إلى الحرمان والظلم والتمييز) هو الذي يشعل الحروب، ويفجر الصراعات بين الناس، ويحول مجتمعات (الظلم والحرمان والفساد) إلى مجتمعات الغاب، القوي فيها يأكل الضعيف، كما هي حالة مجتمعاتنا العربية عوماً..
4- حفظ الأوطان وحمايتها مسوؤلية كل أبنائه ومواطنيه، ولا يمكن للحماية والحفظ أنْ تتجسد على حقيقتها لتكون فعالة ومنتجة، إلا ببناء علاقة سوية عادلة ومتوازنة بين الفرد ودولته على صعيد صون الحقوق والواجبات بكاملها. وهذه العلاقة ليست علاقة روحية تقوم على المحبة والقيم الروحية، رغم أن المحبة قيمة إنسانية كبرى للذات وللآخر، وكل الأديان والأفكار الإنسانية النبيلة أكدت عليها للسمو بحياة الكائن البشري، بل هي علاقة محض حقوقية تعاقدية دستورية مصانة بقوة القانون وقوة الشعوب لبناء المجتمع علىأسس قوية من الراوبط القيمية المشتركة، من التفاعل والحوار وقبول الناس لبعضها بعضاً..
إنّ القيم (ومنها المحبة) ليست شيئاً مجرداً محلقاً في عالم الخيال.. القيمة الحقيقية للمحبة ولكل القيم الإنسانية الأخرى، هي في تحولها لواقع متجسِّد في شخوص وممارسات ووقائع حقيقية..
والأصل في موضوع القيم -كما أزعم- هو في إعطاء الناس حقوقها ومتطلبات وجودها الأرضي، ومن ثم تأتي كل القيم الأخرى لوحدها.
فالمحروم والمظلوم والمضطهَد لا يعرف سوى حاجاته.. وصاحب الحاجة أرعن كما يقال. من هنا، يمكنني القول والتأكيد على معادلة سياسية-اجتماعية اختصرها في نداء: “أعطوا الناس حقوقها وساووا بينها وعندها، تحدوا بها العالم كله”.
مع ملاحظة أن أي خلل أو إخلال بهذه الرؤية، هو الذي يفجر الثورات والصراعات والحروب، وهو الذي يجعلنا عاجزين عن مواجهة أعدائا، بقطع النظر عن نتائجها ومآلاتها ورأينا فيها، أي أنها تشتعل على خلفية مشكلات وتحديات عديدة، اقتصادية واجتماعية وسياسية، مع وجود كثر يتلاعبون بها، وقلة يستثمرونها ويستفيدون منها ويوجهونها بحسب مصالحهم الضيقة.

شارك
المقال السابقجرح العراق
المقال التالىالوضوء بماء إيران .. أم التيمم بتراب كوريا الشمالية ؟

نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد