قضية خلافة آية الله على خامنئي !!


 

اود الإشارة بادئ ذي بدء ان الإحاطة التامة بموضوع كهذا وفي بلد كبير ومهم مثل ايران هو امر مستحيل وان جل الطموح هو تقديم صورة عامة باقل قدر من التفاصيل وفق مقتضيات حجم المقال . المهم هو تقديم المفاصل الاساسية للموضوع .
اصبحت الأنباء حول الوضع الصحي للسيد على خامنئي قائد الثورة الاسلامية في ايران موضوعاً متواتراً كما نشرت وسائل الاعلام الايرانية اخبار دخوله الى المستشفى علماً ان أنباء مرضه وعلاجه اصبحت تنشر رسمياً من قبل وكالة الأنباء الايرانية الرسمية منذ عام ٢٠١٤ ، وكان رفسنجاني قد أعلن في أواخر عام ٢٠١٥ ان هيئة مصغرة داخل مجلس الخبراء كانت تتداول المرشحين المحتملين كما أعلن السيد خامنئي نفسه لدى افتتاحه مجلس خبراء القيادة الجديد في آذار الماضي انه ربما سيتعين عليهم اختيار خلفه . يعاني الرجل من سرطان پروستات متقدم منذ فترة طويلة وخضع لأشكال متنوعة من العلاج حسب مشورة أطبائه ، وعلى هذا الأساس بدات التكهنات حول خلافته اضافة الى انعكاسات تركه المنصب بالوفاة او التقاعد سواء على الصعيد الوطني او على صعيد علاقات ايران بالخارج .
ينبغي في البدء إلقاء نظرة موجزة عما يعنيه المنصب الذي يشغله السيد خامنئي في ثلاثة ابعاد أساسية وهي البعد الدستوري المؤسسي والبعد الديني والبعد السياسي الفعلي على الارض .
تنص المادة الخامسة من الدستور الايراني على ” في زمن غيبة الامام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه ) تكون ولاية امر الأمة وإمامة الأمة في جمهورية ايران الاسلامية بيد الفقيه العادل ، المتقي ، البصير بامور العصر ، الشجاع القادر على الادارة والتدبير وذلك وفق المادة ١٠٧ ” ، وتنص المادة ١٠٧ على ان يتولى خبراء منتخبون من قبل الشعب تعيين القائد الذي يخلف آية الله العظمى الخميني والذي ينبغي ان تتوفر فيه شروط الكفاءة العلمية والعدالة والتقوى والرؤية السياسية الصحيحة … الخ . ويتولى القائد السلطات التالية :
تعيين السياسات العامة لنظام الجمهورية الاسلامية بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام ؛ الإشراف على حسن اجراء السياسات العامة للنظام ؛ إصدار الامر بالاستفتاء العام ؛ القيادة العامة للقوات المسلحة ؛ اعلان الحرب والسلام والنفير العام ؛ نصب وعزل وقبول استقالة كل من : فقهاء مجلس صيانة الدستور ، اعلى مسؤول في السلطة القضائية ، رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون ، رئيس أركان القيادة المشتركة ، القائد العام لقوات الحرس الثوري ، القيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الامن الداخلي . كما يتولى القائد حل الاختلافات وتنظيم العلائق بين السلطات الثلاث ؛ حل مشكلات النظام التي لايمكن حلها بالطرق العادية من خلال مجلس تشخيص مصلحة النظام ؛ امضاء حكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب ؛ عزل رئيس الجمهورية وفقاً لحكم من المحكمة العليا او توفر رأي مجلس الشورى بعدم كفاءته ؛ سلطة العفو او تخفيف الاحكام القضائية .
من الناحية الدينية فان هذه السلطات الهائلة ليست سوى تنظيم شكلي لوظائف القائد وان سلطاته الحقيقية هي سلطات مطلقة لاحدود لها لانه يمثل سلطة الامام الغائب ، وقد أشار مؤسس الجمهورية الاسلامية في رسالة شهيرة وجهها الى السيد علي خامنئي عام ١٩٨٨ حين كان الأخير رئيساً للجمهورية الى ان ولاية الفقيه كولاية الرسول لانه معين من قبل الامام المهدي الغائب ولايجوز الاعتراض على قراراته استناداً لحديث منسوب للأمام الغائب بان ” الراد على الفقهاء كالراد علينا وكالراد على الله ” .
من الناحية السياسية والفعلية على ارض الواقع فانه يمكن الإشارة الى مرحلتين تبلورت خلالهما حقيقة حجم ووزن مؤسسة القائد خلال عهد السيد علي خامنئي .
المرحلة الاولى وتبدا من عام ١٩٨٩ لغاية عام ١٩٩٧ وهي الفترة التي تولى فيها السلطة في ايران ثنائي السيدين خامنئي – رفسنجاني ، حيث كان الاول قائداً بعد ان تم انتخابه استناداً لشهادة ادلى بها رفسنجاني تفيد بتسمية خامنئي قائداً من قبل الامام الراحل خميني وقد كان على الأخير ان يعمل على اكثر من جبهة لترسيخ موقعه داخل جسم النظام وعلى قمته . لم يكن هو الأرجح لخلافة الخميني كما لم يكن يتمتع بالأقدمية الدينية من بين رؤوس النظام المتعددة في تلك الساعات ، اما رفسنجاني فقد تولى بوزنه السياسي المعروف رئاسة الجمهورية ؛ في هذه المرحلة شهدت ايران عمليات اعادة اعمار وترميم لأضرار الحرب التي شنتها على العراق لمدة ثمان سنوات وخرجت منها مهزومة وقد لحق بنيتها الاقتصادية والمدنية دمار هائل ، ولذلك لم تشهد تغييرات جوهرية تمس جوهر وطبيعة النظام السياسي – الاجتماعي ، وكانت شخصية رفسنجاني خلالها بارزة واضحة في ادارةٍ شؤون الحياة اليومية في البلاد رغم ان تعارضاً في الرؤى بينه وبين القائد في عدد من المواضيع قد ظهرت الى السطح وقد انتهى الامر بتسويات لصالح خامنئي الذي زاد اعتماده على دعم الجناح المتشدد . اما المرحلة الثانية والتي بدات منذ عام ١٩٩٧ برئاسة رئيس الجمهورية الاصلاحي خاتمي والذي جاء مدعوماً بزخم شعبي كبير ؛ قاد هذا الزخم الى دفع الجناح المحافظ لتعزيز مواقعه بشكل اكبر رغم تبوأ عدد من الإصلاحيين مناصب مهمة في إطار السلطتين التنفيذية والتشريعية ، الا ان المؤسسات الداعمة للجناح المحافظ عززت من قدراتها ودعمت موقع القائد باعتباره مرجعها النهائي والحامي لمواقعها في إطار النظام ، ومن هذه المؤسسات الحرس الثوري وقوات التعبئة ( الپسيج ) واجهزة الامن التي يبلغ تعدادها مجتمعة بضعة ملايين من الأفراد المسلحين والمدربين ؛ فنشأت بين القائد ، رمز نظام ولاية الفقيه ، وهذه المؤسسات مصلحة متبادلة وأصبحت مؤسسة القائد ذات وزن مرجح في كافة المنعطفات التي مر بها النظام منذ ذلك الوقت ، بل يمكن القول ان جميع البرامج الإصلاحية التي حاولت أطراف الإصلاحيين والمعتدلين اجراءها ظلت رهينة قرار القائد بعد خلو الساحة المقابلة من اي شخصية كاريزمية قادرة على تحدي ارادته سواء في العلن ام خلف الكواليس ، وقد تبدت هذه الحالة في الفارق بين شخصيتي خاتمي وروحاني . لقد مثل الاول املاً وتياراً ادى في نهاية المطاف الى اندلاع الثورة الخضراء عام ٢٠٠٩ بينما يبدو روحاني اقل كاريزمية وأكثر خضوعاً لارادة القائد علماً بانه انحاز بشدة الى جانب المتشددين خلال تلك الثورة ، فيما حاول خاتمي ان يلعب دور الوسيط رغم فشل محاولاته في هذا الاتجاه بعد ان سحقت الثورة بالقسوة المعروفة واصبح قادة الإصلاح الحقيقيين رهن السجن او الإعتقال المنزلي وهو نفسه لم يعد ذلك الوجه المقبول او المرحب به في اوساط الحكم رغم مقبوليته الدولية والإقليمية والمحلية وقد أُحيل الى موقع شرفي محض مع ان هنالك من يعتقد ان الرجل صاحب مدرسة فكرية – سياسية وهو ابن احد آيات الله الكبار الذي ينسب اليه تنظيم وتأطير مايسمى بتيار الحجتية الذي نورد بعض تفاصيله لاحقاً .
يعتقد بشكل عام ان خامنئي قد تمكن من بناء شبكة امان لسلطته اطلق عليها البعض دولة خامنئي العميقة . لقد شكل عدداً من الهيئات خارج الأُطر الحكومية وألحقها بمكتبه مثل المجلس الخاص بحل المشكلات الناشبة بين فروع السلطة والمجلس الستراتيجي للعلاقات الخارجية ومجلس مستشاريه الخاصين للسياسة الخارجية كما انشا جهازاً للمخابرات يفوق في امكاناته وموارده وزارة المخابرات التي تعمل مع رئاسة الجمهورية ورئيسها المنتخب كما عين آلاف الأشخاص كممثلين عنه في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والجامعات والمؤسسات الدينية في طول البلاد وعرضها ، لقد نسج السيد خامنئي علاقة خاصة مع مؤسسة الحرس الثوري تتجاوز العلاقة الرسمية الدستورية ؛ يعتبر المراقبون ان هذه المؤسسة تمثل جوهر قوة خامنئي – القائد . لقد ساعد خامنئي ومن خلال نفوذه على ان يحوز الحرس الثوري على امبراطورية مالية – اقتصادية هائلة مستفيداً من عملية تحويل الاقتصاد الايراني الى اقتصاد السوق فتمت عمليات تحويل عدد من مؤسسات الدولة الى ملكية الحرس بصفته مستثمر خاص بأسعار دون قيمتها الحقيقية كما تم توجيه العديد من المقاولات الحكومية الى شركات يمتلكها الحرس . يبلغ حجم امبراطورية الحرس عشرات مليارات الدولارات تتوزع على عدة مئات من الشركات . اضافة لذلك فقد أطلقت يد الحرس في الساحة السياسية وكانت ذروة ذلك قيام ٢٤ قائداً من قياداته بتوجيه رسالة نقد قاسية عام ١٩٩٩ الى الرئيس محمد خاتمي لما اعتبروه تهاوناً في معالجة قضية مظاهرات طلابية نزلت الى الشوارع بسبب تعطيل احدى الصحف الإصلاحية وطالبوه بشكل ضمني بالاستقالة وقد أدت تلك الرسالة الى تجميد اجندة اصلاحية كان الرئيس خاتمي قد جعلها عنواناً لعهده . لقد تنامى دور الحرس وسطوة دولة خامنئي العميقة منذ ذلك الحين خاصة خلال فترة رئاسة احمدي نجاد . تتبنى هذه الدولة العميقة رؤية فحواها التصدي لما تسميه الحرب الناعمة التي يشنها الغرب ضد نظام الجمهورية الاسلامية من خلال الترويج لبرامج اصلاحية ” مشبوهة ” ومن المؤكد ان هذه الدولة العميقة ستكون هي اللاعب الحاسم في عملية اختيار القائد الجديد وفق الاليات الشكلية التي يرسمها دستور البلاد .
نحن اذن نتحدث عن مركز سياسي وشخصية تضع بين أيديها سلطات مطلقة تشكل اثقل وزن في نظام الجمهورية الاسلامية ونقطة الصفرالتي تلتقي عندها جميع الأطراف المتنافسة او المتصارعة داخل إطار النظام ، وان عملية إحلالها ستكون على قدر كبير من الحذر والتعقيد وقد يتوقف مصير النظام برمته على هذا الاختيار .
اذا اخذنا بالاعتبار طبيعة التطورات السابقة كما وضعناها آنفاً ورجحان كفة الجناح المتشدد في القضايا ذات البعد الستراتيجي وفي مقدمتها قضية المحافظة على جوهر النظام القائم يمكن الافتراض ان الشخصية القادمة ستكون من شخصيات الجناح المتشدد ومن الوجوه التي يمكنها ان تحظى بدعم مؤسسات السلطة القائمة والتي تمسك بحزام أمانها وفي مقدمتهاالحرس الثوري والمؤسسة العسكرية – الأمنية بشكل عام ، غير ان الباحث في تفاصيل الشأن الايراني لابد له من الأخذ بالاعتبار القوى الراسخة في قلب المجتمع الايراني والتي بامكانها التعبير عن نفسها بقوة وفاعلية عند الاقتضاء رغم انها لاتحظى بموقع دستوري او قانوني محدد ، واهم هذه القوى : شريحة الشباب المتطلع للانفتاح على الخارج والذي وجد طريقه عبر شبكة مواقع التواصل الاجتماعي مع هيئات ومؤسسات اجتماعية تتعاطى مع تطلعات هذا الشباب مثل شريحة الفنانين والمثقفين واساتذة الجامعات فضلاً عن صلات منتظمة بالحياة الغربية والأمريكية من خلال الاقارب المقيمين في الخارج والبالغ عددهم حوالى ستة ملايين إيراني وربما اكثر من ذلك وفق بعض التقديرات وهم يمثلون في نسبة كبيرة منهم شريحة دائمة الانتقال بين ايران والمهاجر ؛ اما القوة الثانية فهي قوة البازار الذي يدير الحياة الاقتصادية اليومية في البلاد ويشكل القاعدة الاقتصادية للمرجعيات الدينية التقليدية في قم والنجف الأشرف . هذه المرجعية تمثل القوة الثالثة الكبرى في حركة المجتمع الايراني خارج إطار مؤسسات النظام الدستورية ، وهي رغم توجهاتها المحافظة ليست على وفاق كامل مع نظام الجمهورية الاسلامية وما يحكم العلاقة بينها وبين السلطة نوع من التعايش البارد وما يجمعهما هو الهدف المشترك لمد نفوذ المذهب الشيعي في المنطقة والعالم وان كان هنالك خلاف حول الوسائل ، ولذلك فإنها قوة نافذة في المجتمع رغم انها تحاول الناي بنفسها عن المعترك السياسي مادام بعيداً عن التأثير على موقعها الديني – الاجتماعي الذي اكتسبته عبر تاريخ طويل يمتد لحوالي خمسة قرون . لقد حاولت السلطة الثورية الايرانية احتواء هذه القوة الدينية في بواكير عهد الجمهورية الا ان محاولاتها باءت بالفشل فبقيت الحدود على حالها بين الطرفين كما وصفناها آنفاً .
يمكن القول اذن ان من يختار المرشح القادم لإشغال منصب القائد وفقاً للشكليات الدستورية هي المؤسسات المنصوص عليها في الدستور وهي تحديداً هيئة خبراء القيادة وهي عبارة عن مجلس من رجال الدين والفقه يتم انتخابهم من قبل الشعب مباشرة لدورة واحدة أمدها ثمان سنوات ويزداد عددهم مع زيادة عدد السكان ويبلغ تعدادهم حالياً ٨٦ عضواً وهو يمثل نوعاً من التسوية بين المؤسسة الدينية التقليدية وبين السلطة الدينية الثورية وقد تمثل ذلك في قضية مقر عقد اجتماعات المجلس الذي يفترض به ان يكون في قم الا ان كافة اجتماعات المجلس عقدت فعلاً في طهران منذ عام ١٩٧٩ وهي سنة إنشائه بأمر من آية الله خميني ليتولى اعداد مسودة الدستور ثم منح وضعاً دستورياً ثابتاً ومهمات عديدة أهمها الرقابة على اداء القائد بعد انتخابه . هذا المجلس يهيمن عليه التيار المحافظ رغم انه كان برئاسة هاشمي رفسنجاني حتى وفاته ، لكن العملية ستكون اكثر تعقيداً بكثير ومن المرجح ان تشهد الفترة اللاحقة لانتخاب القائد حالة استثنائية من التشديد الأمني اذ من المرجح ان ترى قطاعات المعارضة النشطة وخاصة الشباب هذه المناسبة فرصة للتعبير عن رفضها للنظام كلياً او جزئياً . لقد سبق لهذا الشباب ان عبر عن نفسه وقدم تضحيات جسيمة عام ٢٠٠٩ إبان الثورة الخضراء ، ولعل السبيل الوحيد لتجاوز مثل هذه الاحتمالات هو اجراء عملية الاختيار بسرعة وعدم اتاحة الفرصة للقوى الشبابية المعارضة لالتقاط انفاسها وتنظيم نفسها مستفيدة من فترة الفراغ اذا ما تاخر اختيار القائد ، وعلى هذا الأساس فان تأثير القوى التي تقف في الصف المقابل للسلطة مثل الشباب سيكون سلبياً في عملية اختيار القائد الجديد ولكن تأثيرهم واضح من جانبين على الأقل : الاول هو ماذكرناه من انهم سيشكلون عامل ضغط لإتمام عملية الاختيار بسرعة وتكتم حتى لاتتاح أمامهم الفرصة للتحرك والثاني ان بعض الأسماء قد تم استبعادها لانها قريبة من التيار الشبابي – الاصلاحي وان اختيارها للمنصب سيؤدي الى انقلاب جذري في توازن القوى داخل تركيب السلطة وهو احتمال بعيد الترجيح ومن هذه الأسماء السيد حسن خميني وهو حفيد آية الله خميني والرئيس حسن روحاني . كما يستبعد المراقبون ان يتم اختيار مجتبى خامنئي لافتقاده لكاريزما القيادة وضعف علاقاته بالقوى الفاعلة في عملية الاختيار بشكل عام .
من المفهوم ان فترة كهذه التي تمر في عمر الجمهورية الاسلامية ، وهي على اعتاب خيار مصيري ورئيسي وهو اختيار او التحضير لاختيار القائد الجديد الذي هو رمز النظام ومركز السلطة النهائي ، هي منعطف كبير ورئيسي في عمر النظام والبلاد
تبرز احتمالات عديدة حول شكل الخلافة المنتظرة ومن يشغلها . يمكن ان تناط مهام القائد بكامل هيئة خبراء القيادة او ان تناط المهمة بهيئة مصغرة من الفقهاء ولكن الخيارين مستبعدان . ان الاتجاه السائد حالياً هو تسمية قائد بديل للسيد خامنئي ، ومن الواضح ان الاختيار له طابع ذو جوهر مؤسسي ليس مبنيان على اساس العلاقات الشخصية بل على اساس توازن قوى دقيق في داخل تركيبة الحكم الايرانية وأطرافها الفاعلة مباشرة او المساندة . هذا نوع مالوف من الطغيان المؤسسي . ينبغي الا يكون القائد الجديد مرفوضاً من مرجعيتي قم والنجف الأشرف ولن تكون بركاتهما مطلوبة وفق صيغة التعايش السلمي البارد التي سادت علاقات المرجعية بالسلطة منذ قيام نظام الجمهورية الاسلامية . لقد ارتفعت بعض الأصوات ومازالت ترتفع بين الحين والآخر من اجل اعادة هيكلة المرجعية الدينية او احتوائها في إطار النظام الاسلامي وطرحت مشروعات عديدة في هذا الاتجاه مثل انشاء جامعة قم الموحدة الا انها مشاريع واجهت الفشل وان قوى البازار وآيات الله القابعين في قم والنجف الأشرف لن يترددوا في خلق مشكلات عويصة للنظام يعب عليه اجتيازها في ضوء تجذر تيار الحجتية الصامت وهو التيار العام في الشارع الشيعي التقليدي المتدين الذي يرفض مبدا ولاية الفقيه المطلقة باعتبار ان هذه الولاية هي ولاية مرتبطة بشخص الامام الحجة الغائب وان دور الفقهاء ينحصر في الولاية الخاصة المتصلة بالاحوال الشخصية والمواريث ثم أضيف لها تلقي الخمس نيابة عن الامام رغم تداول بعض الأحاديث المنسوبة للأمام الغائب تقضي باسقاط ذلك عن الأمة خلال عهد الغيبة . لهذه المؤسسة الدينية – الاجتماعية بشكل عام عالمها الذي يكفيها والذي تحرص على الا يتم المساس به من خلال انتهاج سياسة ترك بعض مما لقيصر لقيصر وهو عالم الحكم والسياسة ، وان تدخلت فيه فيكون ذلك اضطراراً ومن خلف حُجُبْ .
ان مايظهر أحياناً من تأييد للنظام الحالي في اوساط الطبقة الوسطى الايرانية وسكّان المدن الكبرى وخاصة طهران مرده قدرة النظام على الامساك بزمام الأمور بشكل محكم يجعل اغلب محاولات الاعتراض والاحتجاج تواجه الياس ، فضلاً عن التقائه الجزئي مع التيار القومي التقليدي اضافة الى المتحمسين لتوسيع نفوذ ايران المذهبي باعتباره رافعة لنفوذها كدولة كبرى في المنطقة .
هنالك عدد من الأسماء التي يتم تداولها حالياً في الاوساط المعنية بالموضوع . اهم هذه الأسماء : السيد صادق لاريجاني ، والسيد محمود هاشمي شهرودي ، والسيد ابراهيم رئيسي .
السيد لاريجاني من مواليد العراق / النجف ووالده هو آية الله العظمى مرزا هاشم الاملي . عائلته معروفة على مستوى ايران ويشغل جميع اشقائه مناصب رفيعة في النظام . يمتلك مؤهلات علمية – فقهية عالية المستوى ويمارس التدريس في المستويات المتقدمة في الحوزة . وله مؤلفات مهمة في النظرية السياسية الاسلامية . يعتبر من الجناح المتشدد ويجاهر بآراء معادية للغرب وقد اتهم أفراد الجناح المعتدل بأنهم عملاء للسعودية وبريطانيا والولايات المتحدة . يعرف عنه الولاء الكامل للسيد خامنئي وهو يعتقد ان سلطة القائد ينبغي ان تكون كاملة وان لاتمارس هيئة خبراء القيادة الا اقل قدر من التدخل في أعماله . حظي لاريجاني بالكثير من عبارات التقريظ من جانب القائد الحالي . يشغل حالياً منصب رئيس السلطة القضائية ويرتبط بعلاقات جيدة مع قيادات الحرس الثوري وذلك من خلال التعاون بين استخبارات الخرس والسلطة القضائية في ملاحقة من يعترون أعداء للنظام كما عرف عنه انتقاده للصفقة النووية .
يمتاز شهرودي بانه الأكثر خبرة بدهاليز الحكم والسلطة في ايران من خلال المراكز العديدة التي تبوأها . شغل منصب رئيس السلطة القضائية وعضو مجلس الوصاية على الدستور ورئيس المجلس الأعلى للثورة الثقافية . لم يعرف ان له صلات عمل او علاقات مميزة مع المؤسسات العسكرية والأمنية . يعرف عنه الناي بنفسه عن الصراعات داخل مؤسسة الحكم ولذلك يبدو الأقل حظاً بين المرشحين للحصول على ثقة المؤسسات العميقة ذات التوجه المحافظ المتشدد .
رئيسي هو النجم الصاعد بسرعة من بين الأسماء الثلاثة . تم تعيينه سادناً لمرقد الرضا ومؤسسته الخيرية المرتبطة بمكتب القائد . هذا المركز يتيح له نفوذاً واسعاً داخل المنظمات الدينية المرتبطة بالنظام والتي تتلقى مساعدات منتظمة من المؤسسة التي يرأسها رئيسي كما يتولى الإشراف على اعمال الامبراطورية المالية التي تمتلكها المؤسسة في الخارج . لقد بدا رئيسي مسيرته المهنية في سلك القضاء منذ بداية العشرينات من عمره ورأس فيما بعد الهيئة القضائية التي تولت التحقيق في الفساد الحكومي . كما تولى منصب نائب رئيس الهيئة القضائية . ثم تولى منصب المدعي العام للجمهورية الاسلامية . رئيسي لايتبوأ مركزاً دينياً عالي المستوى كما لم يعرف عنه نشاطاً معرفياً مميزاً في إطار الحوزة . ولكنه مع ذلك حظي بلقب “آية الله ” مطلع عام ٢٠١٦ . يشخص باعتباره من المتشددين .
يعتقد ان رئيسي يتمتع بتأييد واسع في إطار مجلس الخبراء الذي حظي بعضويته عام ٢٠٠٦ وقد عين عضواً في اللجنة الخاصة بفحص أهلية القائد . كما يقال انه الأوثق صلة من بين الأسماء المتداولة بالدولة العميقة وقد قام القائد العام للحرس بزيارته في العام الماضي في مقره في مشهد وقد نشرت صور اللقاء وفيها ظهر رئيسي جالساً على الكرسي فيما جلس زائروه على الارض وهي من إشارات الاجلال لشخصه . كذلك يحظى رئيسي بمركز قيادي في مجلس ادارةٍ احدى مؤسسات الحرس الاقتصادية الرئيسية . لهذه الاعتبارات كلها يرجح المراقبون ان يكون رئيسي هو الأوفر حظاً للمنصب في الفترة الراهنة .
أياً كان القائد الجديد فانه من الواضح ان الدولة العميقة التي أرسى السيد خامنئي ارساء أركانها ستبقى المهيمن النهائي على القرارات الكبرى في حياة البلاد رغم ان الجناح المعتدل سيستمر بمحاولاته للتأثير في القرارات . لذا من المتوقع ان تستمر ايران في ذات السياسات الاقليمية كما سيستمر التوتر في علاقاتها الغربية رغم وجود بعض مساحات التعاون الممكنة مثل قضية الحرب على الاٍرهاب .

لا تعليقات

اترك رد