ولكم من مكتبتي كتاب : أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة لستيفان تسفايغ


 

أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة لستيفان زفايغ (ترجمة الأسعد بن حسين
هل الحياة ربح أبدي أم خسران سرمدي أم هي تراوح بين هذا وذاك ؟
هل الرّغبة خطيئة ؟ومن يجعلها كذلك؟
هل الرّواية زيارة إلى أعماق امرأة عاشقة؟ أم بحث فكريّ اجتماعي في مفهومي الجريمة والعقاب ؟

نبذة عن حياة زفايغ وفكره :
ولد ستيفان زفايغ سنة 1881 وتوفي سنة 1942. وهو من أهمّ أدباء النّمسا ومن أبرز كتّاب أروبا اهتمّ خاصّة بحياة المشاهير من الأدباء أمثال تولستوي ودويستوفسكي وبلزاك وديكنز وستندال وكلايست وهولدرلاين. فوضع كتبًا تتناولهم في حيادية وتغوص في مجاهل حيواتهم. وله أثار متنوعة من المسرح إلى الرّواية إلى المقالات وله كتاب “عالم الأمس” الذي تعرّض فيه إلى سيرته الذّاتية..وروايات ك “أمواك “(جنون بالماليزية) و”الشّفقة الخطيرة” و”أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة” الذي سنعنى به هذه المرّة.. عاش حياته رحّالة بين بلدان متعدّدة، إذ زار باريس وبلجيكيا وروما والسّويد وإسبانيا وإفريقيا وإنقلترا والولايات المتّحدة الأمريكية وكندا والمكسيك وقضّى سنة بأتمّها بالهند.. انتهى به الأمر منتحرا لما لقيه من وحشية الإنسان على أخيه الإنسان في منتصف معترك الحرب العالمية الثّانية. وله أيضا عاشقات في الخريف (الأرملة العاشقة +الأم العاشقة ). وله بناة العالم (دوستوفسكي +هولدرلاين +بلزاك ) و”حذار من الشّفقةّ و”ماري إنطونيت و”العواصف الحائرة” و”سعار” و”فوضى الأحاسيس” و”الخوف”.. وأعلن عن خبر انتحاره في البرازيل براديو باريس سنة 1942. ولد بفينيّا وبها تلقّى تعليمه حصّل الدّكتوراه في الفلسفة، ولم يبلغ عامه الثّالث والعشرين.. نشر مجموعة شعريّة قصيرة. وترجم أفضل

أشعار فرلان بودلير ورامبو وسواريس. وكان زفايغ يعتبر أنّ الأدب ليس الحياة. بل هو عبارة عن وسيلة لتمجيد الحياة وسيلة للقبض على بعدها المأساويّ بشكل أكثر وضوحا وأكثر جلاءً. وكان توّاقا إلى السّفر لكي” يمنح حياته الاتّساع والامتلاء، القوّة والمعرفة، وأيضا لكي يربطها بجواهر الأشياء وأعماقها”(ص5) نشر زفايغ في أقلّ من عشر سنوات عشر قصص وما يماثلها عن الأعلام مثل صديقه فرويد ونيتشه وستندال وغيرهم . مما يدلّ على سعة ثقافته. واهتم بالكتابات التّاريخية مثل “فوشيه” الذي نال به الاعتراف بأنّه من المعلمين الكبار.

مدخلا إلى رواية “أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة” :

لعلّ النّاظر في هذه الرّواية على قصرها ينتهي إلى أهميّتها، سواء نظر فيها في نسختها الفرنسية في طبعة Roman Stock في ترجمة olivier boumac و Alzir Hella سنة 2003 أوفي ترجمة أنيقة للصّديق الأسعد بن حسين راجعها الصّديق أحمد شاكر بن ضيّة في طبعة أولى أنيقة لدار مسكلياني للنّشر والتّوزيع تونس سنة 2017 .

بدت لي هذه الرّواية بالغة الأهمّية والعُمق. إذ هي حاولت الانغراس في الذّات البشرية وشواغلها النّفسية بين الرّغبة الأمول واصطدامها بانكسارات المنع والتّضييق. تدور هذه الرّواية ككلّ القصص في إطار زمنيّ مخصوص ومكانيّ محدود المعالم. أمّا الزّمان العامّ فهو قبل الحرب بعشر سنوات ولا أعتقد أنّ زفايغ يعني غير الحرب العالمية الثّانية.

أمّا الأزمنة الخاصّة فهي أزمنة مرتّبة للأحداث والوقائع بين رواية العود والرّواية الخطيّة في الغالب فنجد: اللّيلة الماضية-السّاعة الثّانية عشرة وعشرين دقيقة بالضّبط- لم تمض ساعتان – في المساء- بعد الغداء – قضى ساعة أخرى –بعد ذلك- عند السّادسة مساء – بعد يومين –عند المساء- في اللّيل- عند السّاعة الحادية عشرة-ذات

يوم – بعد الغد- في المساء نفسه- قبل نهاية اليوم… وما شابهها كثير ولعلّ الحرص البالغ على تزمين الأحداث يذهب بنا إلى اعتبار الرّواية وليدة مذكّرات في الأصل. فالكاتب حرص كلّ الحرص على ذكر مناسبات الأحداث وإن لم تكن –نعني الأحداث-ذاتَ بال ولا تستوجب تحديد الزّمان.

ولئن أسهب في تحديد الأزمنة فلقد تخفّف كلّ التخفّف في ذكر الأماكن. فالمكان المركزيّ هو فندق ” الرّيفييرا”. وأمّا ما عداه من أماكن فإمّا أن يكون ذا عُلقة به أوهو من الأماكن المَحكية فيه كالسّاحل الصّخريّ والحديقة وغرفة تُطلّ على البحر والسُّلّم ومحطة القطار والفندق المجاور وحجرتي والكازينو وغيرها… أمّا “بعد خمسين خطوة ” فهي عبارة مشتركة بين الزّمان والمكان في آن … وكلّما كان الحدث خطيرا ومُهمّا استوجب ذكر مكانه المرجعيّ وزمانه الدّقيق.

أمّا الشّخصيّات فمحورها الـــ (أنا) الرّاوي. هذه الشّخصية الزّئبقية في المكان. فهي تحضر في كلّ الأماكن وتراها بجلاء وإن عبر الشّخصيات..كما تنغرس في كلّ الشّخصيّات تقريبا. فتدرك منها ما ظهر من ملامح وما بطن من هواجس وانفعالات، وإن حاولت هي نفسها كتمانها وقد غلب عليها التّعتيم فلا تُذكر إلاّ بسيماتها وانتمائها إلى موطن مّا أو وظائفها مع استثناءات بدت لنا قليلة. فأغلب النّاس “ليس لهم إلاّ خيال مُتْعبٌ”. والزّوجان الألمانيّان يهتمّان بالتنزّه واتّهام الرّغبة. أمّا الدّانماركيّ السّمين، فمولع بممارسة فنّ الصّيد. في حين ينشغل الزّوجان الإيطاليّان بفنّ المغامرة. أمّا المرأة الانڨـليزية، فهي كثيرا ما تأوي إلى كتبها. في حين ينشغل صاحب المصنع الليونيّ ذاك الثّري البدين بلعبة الدومينو مع أحد رجال الأعمال. وله بنتان آنيت ذات الإثني عشرة عاما وبلانش ابنة الستّة عشر. وأمّهما هنريت وهي سيّدة منطوية نحيفة رقيقة وديعة في الثّالثة والثّلاثين من عمرها وهي المرأة القادح في هذه الرّواية إضافة إلى شخصيات ثانوية كعمّال الفندق وسكرتيرة النّزل والشُّرَط ومدير الكازينو وغيرهم…

بدت لنا الرّواية رواية فكرة لا رواية واقع، كما حرص زفايغ على ذلك من خلال الإيهام بالواقعية فالسّرد فيها خطّي مطمئنّ وإن أوهم بالاضطراب، فهو لا يعدو أن يكون اضطرابا يسكن أعماق النّفس وبواطنها.

فإلامَ سيقودنا شتيفان تسفايغ في هذه الرّواية؟…

تذهب السيّدة (س) إلى أنّ الحبّ ما هو إلاّ إدمان أو ضرب من الجنون عاشته هذه السيّدة وهي في السّابعة والستّين من عمرها أي ما يساوي 586.920 ساعة لم تعرف منها إلاّ أربعا وعشرين ساعة من الجنون فالحبّ كما اللّعب كما الإدمان كما المخدّر، لحظات التّحليق به محدودة جدّا وهو كما السّعادة يسبقها ألمٌ طويل لتحصيلها، ويتبعها أسف عميق على فقدانها.كما يذهب إلى ذلك شوبنهاور…

(…يتبع)

شارك
المقال السابقخاطرة مشتتة – هل نكتب بأقلام واعية ؟
المقال التالىزوجة أم خادمة
عمّار التيمومي باحث في الأدب العربيّ القديم من مواليد 1969 ببني جلاص بالقيروان تخرّج عن كلّية الآداب بمنّوبة1994 وحاز على شهادة الماجستير عن كلّية الآداب بالقيروان بملاحظة حسن جدّا.له "عيون العشّاق" منشور بدار الأمل الجديدة السّورية .و"البرنزيّ" وهي رواية تحت النّشر.وله محاولات إبداعية ونقدية ودراسا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد