المكان المغلق في شعر ابن زيدون


 

ترك المكان أثراً واضحاً في شعر ابن زيدون , وامتزج به وتفاعل مع ذاته وذكرياته ومشاعره وأفكاره ، فأثَّر في الشاعر من جهة وتأثر به من جهة ثانية ، لكن تأثره أتى من قطب واحد هو قطب الشاعر ، أما تأثيره فذهب في اتجاهين ؛ الأول : الشاعر , والثاني : المتلقي . فالشاعر لا يقف من المكان موقفاً ثابتاً ، لأن تفاعله مع المكان ذاته يتغير حسب الظروف والأشخاص ، وتبعاً لذلك يتغير الانطباع عن المكان لدى المتلقي ، فإذا كان مكاناً أثيراً لدى الشاعر تعلَّق به القارئ ، وإذا وقف الشاعر منه موقفاً عدائياً نفر منه .

والمكان بوصفه فسحة طبيعية أو اصطناعية يندرج وراء شكلين : الشكل المفتوح والشكل المغلق للمكان , ولكل شكلٍ خصوصيةٌ وصفةٌ يتسم بهما ، فالأول يمثل المستوى العلوي ؛ حيث الضوء والحركة والحياة والتواصل ، والثاني يمثل المستوى السفلي ؛ حيث العتمة والفقد والإحاطة والعجز والتلاشي والضياع , لكن التفاعل الجدلي بين المستويين موجود غالباً ، إما عن طريق انتقال الشاعر من المغلق إلى المفتوح أو العكس ، وإما عن طريق تفريغ شعوره النفسي تجاه المكانين ، ويبقى حلمه مكان التواصل والحظوة .

والإنسان العربي يرفض المغلق عامةً ولا يألفه ، لأنه يفقد فيه توازن الحركة ، ويشعر بالعزلة والانقطاع والغربة وعدم التواصل ، ذلك أن موروثه الجغرافي للمكان يحمل دلالات الامتداد والانفتاح والانبساط والضخامة ، فإذا دخل ( المغلق ) انصرف إلى شؤونه الذاتية وانشغل بها .

ويتجسد المكان المغلق في شعر ابن زيدون في السجن خاصةً , وحضوره حيويٌ وفاعلٌ في النص الشعري ، لكنه حضورٌ سوداويٌ سلبيٌ ، إذ يسبب أزمةً في لاوعيه , ويحدث شرخاً في علاقته الروحية بالمكان المفتوح عامةً ، والمكان المغلق حالةٌ من الحجز والحصار والتعذيب الجسدي والنفسي ، وهو يولد غربةً وتوتراً وألماً ، ويفضي بالشاعر إلى رفض وجوده فيه . يقول :

أَيُّهَــذا الوَزِيْـرُ ! هـا أَنـا أَشْــكُوْ وَالعَصــا بَـدْءُ قَرْعِهـا لِلْحَلِيْــمِ (1)

مــا عَسِيٌّ أَنْ يَـأْنَفَ السَّـابِقُ المَرْ

بَـطَ فِـيْ العِتْــقِ مِنْــهُ وَالتَّطْهِيْـمِ

وَبَقــاءُ الحُسـامِ فِيْ الجَفْــنِ يَثْنِـيْ

مِنْــهُ بَعْــدَ المَضــاءِ وَالتَّصْمِيْــمِ

أَفَصَبْـــــــــــــــــــرٌ مِئَيْــــــــــــــــــــــــنَ خَمْســاً مِـنَ الأيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــَّـــام ؟

نـــــــــــــــــــــــــــاهِيْكَ مِـنْ عَـــــــــــــــــذابٍ أَلِيْــــــــــــــمِ !

وَمُعَنَّــى مِــنَ الضَّنــى بِهَنــاتٍ

نَكَــأَتْ بِالكُلُـوْمِ قَــرْحَ الكُلُـوْمِ

لِلْشَّـفِيْعِ الثَّنـاءُ وَالحَمْـدُ فِـيْ صَـوْ

بِ الحَيـا لِلْرِّيــاحِ ، لا لِلْغُيُــوْمِ

لا يفتأ ابن زيدون – في مجمل الأشعار التي نظمها في السجن – يبحث عن أشكال المكان المفتوحة , رافضاً التعايش مع الظروف الطارئة ، حتى إنه يتجنب أي تفاعل مع الأمكنة المغلقة أو الاحتكاك بها ، وكأنه خارجٌ عن المكان غير منتمٍ إليه ، فهو لا يرسم صورةً حسيةً للسجن من أي جهةٍ أو زاويةٍ ، وإنما يصف الحزن والظلم اللذين ألما به , شاكياً مرَّة صابراً مرة أخرى ، محمِّلاً قوله نفحة أملٍ بالخروج من ظلماته . ولعل ما يزيد من وطأة السجن وضيقه وصعوبته أن الشاعر يعيش حالة التفوق ، ويتفاعل مع الواقع على أساسها , وعلى الرغم من دخوله السجن حقيقةً , لكنه غير مستعد نفسياً لتقبل فكرة الهزيمة أو الخسارة ، فهو متفوق دائماً على أقرانه وخصومه , وما أصابه سحابة صيف لابد أن تنقشع. وكل جهوده الحثيثة للخروج من المكان المغلق ( السجن ) هي محاولات من أجل الإمساك بالماضي السعيد المنقضي ، وبث الحياة والحركة فيه , فحب الحياة يتغلب دائماً على (المغلق) بوصفه مواتاً ، و (المغلق) ليس مكاناً عصياً على الحياة بقدر ما هو جسر للعودة إليها ، لذا فإن الشاعر لا ييأس ولا ينـزوي وإنما يحاول الإفلات والتنصل من ضغط المغلق عليه , متذرعاً بأكثر من وسيلة ، على سبيل التلميح لا التصريح غالباً ، كأن يتحدث عن القيم الفاضلة للممدوح المخلِّص ، وهذا ما فعله في الأبيات السابقة ، الأمر الذي يفسر اتساع غرض المدح في شعره خلال وجوده في السجن.

(1) ابن زيدون , ديوانه ورسائله , تح : علي عبد العظيم , مكتبة نهضة مصر , 1957م ,281. والتطهيم : النفار ؛ ابن منظور ( محمد بن مكرم ) , إعداد وتصنيف يوسف خيّاط و نديم مرعشلي , دار لسان العرب, بيروت , دت

لكن العجز والإخفاق في التحرر من سطوة المكان المغلق يقود ابن زيدون إلى اكتمال في الوعي والفلسفة ، فالمكان الضيِّق يمنح قدرة على التأمل ، لأنه يفسح المجال للانغلاق على النفس وسبر أغوارها ، وها هو يجد مماثلاً موضوعياً لحالته :

وَلا يُغْبِطُ الأَعْـداءَ كَوْنِيَ فِيْ السِّجْنِ (2)

فَـإِنِّيْ رَأَيْـتُ الشَّمْـسَ تُحْضَنُ بالدَّجْنِ

وَما كُنْتُ إِلاَّ الصَّـارِمَ العَضْبَ فِيْ جَفْـنِ

أَوِ اللَّيْثَ فِيْ غابٍ , أَوِ الصَّقْرَ فِيْ وَكْـنٍ

أَوِ العِلْقَ يُخْفَى فِيْ الصِّوانِ وَيُخْبَأُ

يشكل التضاد المكاني بين المفتوح والمغلق واجهة الأبيات ، بينما تمثل الرموز والدلالات خلفية المشهد . ومنذ البداية يتحدد جوهر المكان ، فغبطة الأعداء لوجود الشاعر فيه مؤشرٌ على أنه مكان حجز وعزل ووحشة واختناق ، لذا لا يألف واقع السجن ولا ينسـجم معه . أما التضاد الـمكاني في البيت الثاني بين الـمفتوح المضيء (الشمس) والمغلق المظلم (الدجن) فيشي بالصراع النفسي في وجدانه , بين ما يتمناه من حظوة ومكانة وسمو من جهة , وما يرفضه من هوان ودونية من جهة ثانية . وفي البيت الثالث تترسخ نظرته السلبية تجاه المكان المغلق (الجفن) , فهو رمز من رموز الانغلاق والتعطيل والخمول , رُكِن فيه (السيف) بوصفه رمزاً من رموز الانفتاح والفاعلية والتأثير , ومؤدى هذا إحساسه بالعطالة وفقد القيمة . ويستمر ابن زيدون حتى نهاية المقطع الشعري يستعرض مجموعة تناقضات تتقاطع مع حالتة، فالغاب رمز الوحشة والظلم ، والوكن رمز الإبعاد والإقصاء , ينـزوي فيهما الليـث والصقر بوصفهما رَمْزي القوة والسيطرة ، وبهذا التصوير يضفي الشاعر على المكان المغلق بعداً جديداً هو العجز , وعندما يـختم أبياته الشعرية بذكر العلق (النافع المجدي) مـخبوءاً في الصوان ( الـمُـعَطِّل ) يعلن مأسـاته الحقيقية ويدخلها في جدل لا سـبيل للمواءمة بين عناصره. وبينما يشـير ابن زيدون في كل مرة إلى حالة رفض معيَّنة ؛ رفضِ الدجن محاصِراً الشمس ،

(2) ابن زيدون , ديوانه ورسائله , 137 . والعلق : الخمر ؛ ابن منظور , اللسان : علق . الصِّوان : ما يصان به الشيء ؛ المصدر نفسه : صون .

ورفضِ الجفن مركوناً فيه السيف , ورفضِ الصوان يخفى فيه العلق … ، يعبر عن حالة الرفض الخاصة به .

إن هذا المشهد المكاني يفيض بمجموعة عناصر يوظفها ابن زيدون توظيفاً ذكياً ، ويوزعها على شكل عناصر ساكنة ( الشمس ، الصارم … ) وعناصر مسكونة ( الدجن ، الجفن … ) وهكذا تتأرجح الأبيات بين الساكن الإيجابي والمسكون السلبي ، لكن ما يحقق التوازن شعورٌ سائدٌ بالسمو ، فالمسكون السلبي يخفق في التأثير في القدرة الكامنة في الساكن الإيجابي ، لأن فاعلية الأخير تنتظر التنشيط , ولأنه يمتلك طاقة متجددة تخوله رسم صورة المكان المأمول بعيداً عن الأفق الضيق . ويشير هذا المشهد إلى الحالة الزمانية للمكان ، إذ تمثل الأماكن الضيقة المغلقة حالة قهرية مؤقتة , وتمثل الأماكن الواسعة المفتوحة حالة ممتدة ثابتة أوشبه دائمة .

وقد يضفي ابن زيدون على المكان المغلق هالة من القدسية ، وقد يلبس المكان المفتوح ثوباً من أثواب العبثية , يقول :

هِـيَ الشَّـمْـسُ مَغْرِبُهـا فِـيْ الكِلَـلْ وَمَطْلَعُهـا مِـنْ جُيُـوْبِ الحُلَــلْ (3)

وَتَبْــرُزُ خَلْــفَ حِجـابِ العَفـافِ

ت الناس

وَتَســْفِرُ تحـتَ نِقـابِ الخَجَــلْ

فالشاعر يضفي على ( المغلق ) هنا قدسيةً ، من خلال ألفاظ تؤدي معاني العفاف والطهر , فالجيوب والحلل والحجاب والنقاب قرائن تضرب على أوتار الفضيلة والسمو ، وبها ينقلنا من المحسوس إلى المفهوم ، بما يثيره من إحساس بالإعجاب والدهشة . فالحبيبة شمس تشرق من الحلل وتغرب داخل الكلل , وهي تبرز في حجاب عفة يقيها نظرات الناس , وتكشف عن وجهها فيصبغه الخجل بلون الحياء .

وقد يحاول ابن زيدون الانفتاح على العالم معنوياً من منفذ الذكرى ، فيخرج من تلاشي الأماكن المغلقة ويُغَيِّب حالة الضياع من خلال استحضار صور الديار ؛ أماكن الاطمئنان والسكينة والضوء والدفء , وهكذا ينتقل نفسياً من الأماكن المغلقة إلى الأماكن المفتوحة . يقول :

(3) ابن زيدون . الديوان , 418 . والكلل : جمع كِلَّة , الستر الرقيق ؛ ابن منظور : اللسان : كلل .

وَأَحْسِـنْ بِأَيَّـامٍ – خَلَوْنَ – صَوالِـحِ (4)

( بِمَصْنَعَةِ الدُّوْلابِ ) , أَوْ قَصْر ِ( ناصِحِ )

تَهُزُّ الصَّبـا – أَثْنـاءَ تِـلْكَ الأَباطِـحِ –

صَفِيْحَـةَ سَـلْسالِ الـمَوارِدِ سـائِـحِ

تَرى الشَّمْسَ تَجْلُوْ نَصْلَها حِيْنَ يَصْدَأُ

إنه يرتبط بالمكان ارتباطاً وثيقاً لتأثيره البالغ في ذاكرته ووجدانه ، وهو يتصوره حيزاً مفتوحاً للهواء والشمس ، فيصفه وليس هذا هدفه ، وإنما المراد من وصفه تصوير مكنوناته العاطفية .

(4) ابن زيدون , ديوانه ورسائله , 135 .

لا تعليقات

اترك رد