نبي بلا اتباع – ج٤

 

نبي بلا اتباع
يحاور الامواج ويخاطب النجوم

هذا هو الجزء الرابعمن كتاب جديد بعنوان نبي بلا اتباع استعيد فيه ذكرى رجل من اهل الفقه والعرفان جدي الفقيه احمد بن عبد الله القنطراري، الذي كان واحدا من حملة الرسالة واشاعة نور العلم وخدمة كتاب الله في القرن التاسع عشر، في تلك الفيافي والقفار التي يتفشى فيها الجهل، وكان يفخر ان بين تلاميذه الذين علمهم القرآن الافا يحملون اسم النبي محمد عليه صلاة الله وسلامه، استعيده في هذا الكتاب واستعيد عن طريقه نوعا من ادب التأملات والخواطر العرفانية التي سبق ان قراناها في انتاج اسلافنا العظام امثال جبران خليل جبران ومي زيادة وميخائيل نعيمه وكبار ادباء الفرس امثال مولانا جلال الدين الرومي عليهم جميعا رضوان الله

الرجل الرسولي القادم من الغيم
الذي حباه الله بمحبته، وانعم عليه بالكمال الروحي، واصطفاه مع من اصطفاهم للحضرة القدسية، متنكّبا سبيل المتوحدين بين مدارج السالكين، ملبيا نداء النور الاعظم عندما يقول ” يا ابن ادم اطلبني تجدني، فاذا وجدتني وجدت كل شيء”

وواصل الرجل القادم من الغيوم في سمته الرسولي حديثه الذي بدأه مع اتباعه ومحاوريه قائلا:
واذا اردت ان اضرب مثلا بين الشموخ والسقوط وبين الضعة والهوان والمجد والعزة ، وبين الخسة والنذالة والسقوط الانساني وبين الرقي والارتفاع في مدارج البهاء الانساني ، لن اجد افضل من الفاروق خليفة رسول الله امير المؤمنين عمر الخطاب، والمجوسي ابولؤلؤة القاتل الاجير الذي استل سكين الحقد والتطرف والاجرام وقتله، انه صاحب اليد الاثمة التي امتدت لقتل الفاروق الذي افاء عليه التاريخ البشري بان جعله مثالا للعدل والانصاف واطفأ ذلك المصباح الذي انار لامة كاملة طريق الحق بعد انتهاء الوحي ووفاة النبي ورحيل اول خلفائه ابوبكر، فكان هو الذي حمل الراية واكمل الرسالة وباشر بناء وارساء دولة الحضارة العربية الاسلامية،. فأبو لؤلؤة المجوسي، الاحمق الجاهل، المتطرف تعصبا وحقدا، الذي كانت حرفته قص الحجارة وصنع رحي منها، هو الرمز لهذا الكائن، الذي لا رسالة له في الحياة، إلا أن يستعير ملامح البشر، ثم يمضى متنكراً فى الشكل الآدمى، ليفعل ما تفعله الفيروسات والجراثيم والحشرات السامة، أى الفتك بالبشر.
ولعل هذا ما فعله قبل لؤلؤة المجوسي، يهودا الاسخريوطي الذي اسلم السيد المسيح لقاتليه، ولعل هذا ما فعله بعد ذلك بعصور، متطرف حاقد هندوسي اسمه جودس مع المهاتما غندي نبي الحرية في الهند، وهناك ابولؤلة فى كل مكان وزمان لأنه يسكن كل القارات ويدعى الانتماء كاذباً لأى دين يشاء، ويفرخ ويتناسل ليمثل هو وسلالته الوجه البائس للحياة.
إن ابو لؤلؤة وسلالته هم الذين نراهم الان يسفكون الدم البريء، ويشعلون الحرائق التي يذهب ضحيتها ملايين البشر الأبرياء، أنهم يستخدمون أحياناً وسائل أشد فتكاً من النار.
وإلا فماذا نسمى ذلك الذى يبيع الوطن للأعداء مقابل حفنة نقود، أو يستورد أو يتاجر فى السموم البيضاء التى تفتك بثروة الوطن البشرية، أو الذى يغش فى البناء ويشيد عمارات وأبراجاً تنهار فوق رءوس ساكنيها، وماذا نسمى أولئك الذين يهدرون ثروات أوطانهم ويسرقون عرق وجهد أهلهم ويسخرون وظائفهم العامة لخراب الأوطان بدلاً من بنائها.
إنهم بشر اختاروا أن يكونوا أعداء للإنسانية فحقت عليهم اللعنة، ووجب أن يطهر البشر منهم صفوفهم، وان يتم اقتلاعم كما يتم اقتلاع الحشائش الخبيثة السامة من أرض الحديقة لكى تمتلئ بالغرس النافع والأشجار المثمرة.

النجمة التي هبطت من آخر الافق وجلست على حافةالموجة، ارادت ان تنتقل بالحوار الى قضية جديدة فسألته
عما يراه فيمن يبالغ في خوفه من الاخرين ، فرغم وجوده فوق الارض، فهو يخاف موجة في البحر او نجمة في السماء ، فتحدث القاد م من الغيوم عما يقترحه أسلوباً للتعامل مع ظاهرة العولمة، التى كثرت فى الوطن العربى صيحات الخوف والاستهجان والإدانة والتنديد بها باعتبارها غولاً جاء بهدم اللذات ويفرق الجماعات وييتم البنين والبنات. قائلا انه لا أريد تبرئة هذه الظاهرة ولا إدانتها، وإنما يدعو الى فهمها ودراستها، وإذا كانت العولمة حالة يدخلها العالم بفضل ثورة الاتصالات والمواصلات والمعلومات، وسقوط الأنظمة الشمولية وسيطرة اقتصاد السوق وشيوع دعاوى التعددية وحقوق الإنسان وحماية البيئة، فإنها ليست قالباً جامداً أو صيغة أملتها القوى الكبرى ووضعتها فى شكلها النهائى الذى لا يقبل التعديل، إنها صيرورة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وعلمية، فى حالة سيولة وتدفق وتشكل مستمر، تعتمد على الاندماج لا الانفصال، وعلى التكامل والاعتماد المتبادل، لا التقوقع والانعزال وقد نتج عنها تنام وتطور سريع مذهل للتجارة العالمية. والاستثمارات الخارجية. وتنشيط عمليات التسويق الإقليمى والعالمى، واعتمدت فى جانبها الثقافى على ما نسميه تدفق الأفكار والمعلومات والإنتاج الثقافى على المستوى العالمى، متزامناً مع الانفجار المعلوماتى، واستخدام التكنولوجيا الرقمية وغيرها من أدوات وتقنيات لها إيجابيات وسلبيات، فالأمر يعتمد فى نهاية المطاف على أسلوب استخدامنا لها واستفادتنا منها، وما يدعو إليه القادم من الغيوم هو أن المضي خطوة إلى الأمام على طريق نبذ الخوف، ومباشرة العمل على تقويم هذه الظاهرة من وجهة نظر المصلحة الوطنية العليا وتحديد أسلوب للتعامل معها، والاتفاق استراتيجية لمواجهة أخطار وتحديات العولمة والاستفادة مما تطرحه من فرص التقدم والتحديث.

ولكنه ليس الخوف قالت الموجة المهمومة بشأن الجنوبيين، لانها تجاورهم في المكان الذي تبزغ منه على حافة الافق جنوب السماء، وتخشى على ظلم الشركاء الاقوى وما يمكن ان ينالهم من اجحاف، خاصة العرب وما يروادهم من هواجس، بسبب المظالم التاريخية التي تعرضوا لها في العهود الكولونيالية على ايدي هذه القوى، فخاطبها النبي القادم من الغيوم قائلا:
هناك إحساس عام لدى لمواطنين العرب يتجلى واضحاً فى أحاديثهم ومناقشاتهم الخاصة والعامة، ويجد تعبيراً عنه فى الصحف والكتب السياسية ووسائل الإعلام، بأن أقطارهم مستهدفة لمخططات كبيرة تسعى لعرقلة مسيرتها الحضارية، واستنزاف مواردها وإجهاض فرص التقدم والنماء لديها، وتفجير الأزمات والفتن الطائفية داخل مجتمعاتها والهائها عن التفكير فى مستقبلها وإبقائها فى حالة عجز وتخلف وقلق يمنعها من اللحاق بالأمم المتقدمة أو تحقيق توازن مع خصوم يحتلون بعض ارضها، وسواء جاء هذا الإحساس بناء على حسابات خاطئة أو صائبة، فهو إحساس موجود لا يستطيع أحد إنكاره، كما لا يستطيع أحد إنكار وجود صراع مصالح وإرادات بين دول العالم، قد يجعل الوطن العربى هدفاً لمطامع القوى الكبرى، لما يملكه هذا الوطن من موارد الطاقة التى تغذى شجرة العلم والصناعة فى الدول المتقدمة، ولما يتوافر عليه من موقع استراتيجى فى قلب العالم، ولما يشكله من خطر على التوازنات الدولية الحالية، لو أنه تسلم فى يده زمام الفعل والمبادرة ونجح فى تحقيق درجة من التعاون والتضامن بين أقطاره، ولهذا فإن العمل على إبقائه فى حالة ضعف تساعد على احتوائه والسيطرة عيه، سياسة ثابتة لبعض الدوائر والقوى الفاعلة فى عالم اليوم، وليس غريباً أن نجد ما يسمونهقوس الأزمات من أفغانستان إلى القرن الإفريقى، يحاصر الوطن العربى ويبقيه تحت التهديد والابتزاز، وأن نجد أن أعتى الحروب التى شهدها عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتى أحرقت البشر والشجر وأهلكت الموارد والإمكانيات هى التى اشتعلت فوق أرضه، وأن أرقاماً فلكية بلغت مئات المليارات من الدولارات تم نهبها من خزائن العرب سبب الحروب، صبت في جيوب تجار الموت والسلاح، مثل فاتورتى حرب الخليج الأولى والثانية، ويمكن أن نسأل سؤالاً مشروعاً عن المكان الذى ذهبت إليه هذه الثروات الهائلة الطائلة، لنعرف المستفيد من الكوارث والمآسى التى تحيق بنا، ثم نتساءل عما كانت ستفعله هذه الثروة بالوطن العربى لو تم توظيفها واستثمارها فى تنميته وبنائه وتحديثه؟
مواقف مثل هذه المواقف، وأسئلة مثل هذه الأسئلة، هى التى تعطى الشرعية والمصداقية لمثل الإحساس الفاجع بالظلم، وكما يقولون، فإن الظلم وحده لا يصنع التمرد والثورة، وإنما الإحساس بالظلم هو الذى يزرع فى قلوب الناس بذور الغضب والتمرد ويوقظ فى نفوسهم إرادة التغيير، ومعنى ذلك أن هذا الإحساس هو بداية الوعى بالمشكلة، الذى سيؤدى بالضرورة إلى الفعل والحركة وتصحيح المسار التاريخى لاهل هذه المنطقة.
وقبل أن نمضى مع نظرية المؤامرة التى يراها البعض وهما مرضياً، ويراها آخرون حقيقة واقعة نلتقى بشواهدها كل يوم نقول إن الهدف من مثل هذا الكلام. ليس وضع اللوم على أعتاب عامل خارجى أفسد على اهل هذه المنطقة حياتهم، أو قوى شريرة شيطانية تأتى من الظلام وتلاحقهم كالقضاء الذى لا مهرب منه ولا نجاة، فالمسئولية بكاملها، مسئولية اهل المنطقة ولا أحد غيرهم، والعلاقات الدولية ليست خيراً خالصاً، كما أنها ليست لوناً أسود ولوناً أبيض، وإنما هى أبلغ تعقيداً وأكثر ألواناً من ذلك، والهروب من العصر، أو بناء جدار بينهم وبين بقية دول العالم، لن يكون حلاً، فالحل لا يأتى إلا بفهم طبيعة العصر، وإدراك الظروف والملابسات التى تحكم العلاقة بين الأمم، والبحث عن عناصر القوة التى يملكونها واستنهاض الهمم والإمكانيات لدخول حلبة الصراع بقدم ثابتة وإرادة قوية فاعلة، متضامنين متلاحمين، كى يستطيعون إبطال مفعول المؤامرة، إذا كانت حقا موجودة، ودفع الأذى والشر عن بلادهم، وتحقيق الخير والرخاء والأمان لأهلم حاضراً ومستقبلاً وتبقى على الطلائع المستنيرة مهمة التحفيز والتنوير والترشيد وإيقاظ روح التحدى والمقاومة.
وبادرت النجمة تسأل وماذا عمن يبثون الكراهية في القلوب ويرونها عاملا محركا لتحقيق الفوز في الصراع واجبار الاخر على كف شروره عنك، ويطلقون على هذه الكراهية الحقد المقدس. فاجاب النبي القادم من الغيوم قائلا بان الحقد لا يحرق الا صاحبه والكراهية بضاعة فاسدة يتضرر بها، من يدعو اليها قبل الموجهة اليه، والقدسية كلمة لا يمكن ان تقترن بالحقد والكراهية، واذا اقترنت فهي تقترن بمشاعر الخير والحب ، ولهذا فهو لا يمكن ان يتبنى مثل هذه الدعوة ولا يرضى ان يضع اي انسان نفسه في دور الداعية للحقد والكراهية بين الشعوب والأوطان، لأن رسالة قادة الرأى العام فى مختلف الحقول والمجالات، هي تعميق الوعى والفهم والإدراك لدى بقية أبناء الشعب، بالوشائج العميقة التى تربطهم بكل شعوب العالم، وفتح آفاق التفاهم وجسور الحوار فى مواجهة دعاوى العنف والحقد والكراهية، وإذا كانت لشعب ما مشكلة مع دولة من الدول بسبب دور استعماري قديم اوحديث، فهى مشكلة مع إدارات وسياسات يجب أن يسعى اهل الحل والربط بكل مايملكون من قوة لتصحيحها وتعديلها ومجابهتها بكل الوسائل السياسية والاقتصادية والمعرفية، ونقل المعركة إلى الرأى العام في تلك الدولة، لتفتيح وعيه ومداركه على هذه القضايا التى احترف الإعلام المعادى تشويهها وتزويرها حتى انعكس هذا التشويه ظلماً وتحيزاً ضد بعض الشعوب. لا يمكن لأحد أن ينكر أن للدول الكبرى مصالح كونية تشمل كل كوكب الأرض، باعتبارها قوة عظمى، مثل امريكا التي اضحت حديثا الدولة العظمى الوحيدة فى العالم الآن، إذ ليست هناك قرية فى العالم لاتباع فى سوقها بضائع أمريكية، وليست هناك حارة فى أى مكان فى العالم لا تضم كشكاً يبيع مشروبات وسجائر وأنواعاً من الحلوى الأمريكية ولا مركز تجمع سكانى فى مشارق الأرض ومغاربها لا يضم دار عرض سينمائى تعرض فيلماً أمريكياً، هذا إذا تغاضينا عن احتكار أمريكا لبعض الصناعات الثقيلة والمتقدمة فى عوالم السلاح والطائرات والسيارات والإليكترونيات والكمبيوتر وشبكات المعلومات، بل لا نبالغ إذا قلنا إن لأمريكا مصالح تتجاوز كوكب الأرض إلى ما يحيط بنا من كواكب وأقمار دون أن ننكر على أمريكا بعض الفتوحات العلمية، فى هذه المجالات التى انتفعت بها البشرية بأسرها. مما يجعله أمراً حتمياً أن تكون لهذه الدولة العظمى، ذات المصالح الكونية، سياسات تشمل كل أركان الدنيا وأقطار العالم، من أجل المحافظة على هذه المصالح، ويجعلنا بالتالى ندرك أن وجود علاقات بين اية دولة في الجنوب او في بلاد العرب وبين أمريكا مسألة لا فكاك ولا هروب منها، فهى ليست دولة صغيرة تستطيع دولة ما أن تنهى مشاكلها معها بمجرد أن نتجاهل وجودها ونمتنع عن إقامة علاقات دبلوماسية معها. إنها قوة لها حضورها الطاغى فى كل قارات العالم وبحاره ومحيطاته وأجوائه، ولابد لدول العالم جميعاً من أن تجد صيغة ما للتعامل مع هذه القوة، والاعتراف بما لها من مصالح كونية، ومكانة خاصة فى السياسة الدولية، وهى مكانة تفرض على أمريكا – من ناحية أخرى – ان تتصرف وتتعامل مع بقية أمم وأقطار العالم – صغيرها قبل كبيرها- بأسلوب يتكافأ مع هذه المكانة، أى من موقع الضمير والمسئولية والنزاهة والأمانة، لأن أى أسلوب آخر سوف يخل بالتوازنات الدولية ويضر بالأمن والسلام العالميين.
ومهما احس بعض الناس بالظلم من سياسات دولة من دول العالم مثل امريكا ، فليس الحل كما يقول صاحب هذه الدعوة وهو إذكاء مشاعر الكراهية ضدها، باعتباره أسلوباً من أساليب المقاومة، بينما لا تتحقق المقاومة إلا باستنفار كل موارد الخير والحب فى نفوسنا، لبناء قوتنا الذاتية وتعزيز قدراتنا الوطنية والإقليمية فى المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والعسكرية، التى تؤهلنا لأن نتعامل مع الدول الأخرى من موقع القوة والتكافؤ والندية دون حاجة لأن نكره أحداً أو شعباً، ما عدا الظلم والطغيان.
ولا سبيل الى محاربة الظلم والطغيان لدى الآخرين، دون أن نكره ونحارب الظلم فى أنفسنا وبين صفوفنا، وأن نسعى حثيثاً لإصلاح عيوبنا ومعالجة العلل والأمراض الكثيرة التى تفترس اجسادنا وتضعف عناصر المناعة فيها، وتجعل جسد الوطن كله هشاً ضعيفاً، عاجزاً عن حماية حقوقه والدفاع عن نفسه، وقاصراً بالتالى عن إدارة حوار حضارى وإقامة مشاركة حقيقية بشروط عادلة مع أطراف العالم الأخرى، سواء كان هذا الطرف امريكا او غيرها من دول العالم، ولابد ان يتفق الناس شرقا وغربا، شمالا وجنوبا على ان واجب الجميع هو السعى لمحاربة الظلم والكراهية وبناء عالم أكثر عدلاً وإنصافا
وانتقل الحوار بين القادم من الغيوم ومندوبة الامواج ومندوبة النجوم ، من حديث الخوف والازمة والكراهية الى حديث عن اللعب فخاطب الاثنين قائلا :
هناك قول من الاقوال السائرة بين الناس يقول :
” أن تكون مشاركاً فى اللعب أفضل من أن تكون متفرجا”
وهو قول يتبناه بعض علماء التربية الذين ادهشتهم الاكتشافات الحديثه في مجال الفرح والتسلية التي صنعت لها الفتوحات العلمية اجهزة تتكلم وتتحرك وتغني وترقص لتسليةالبشر، بدءا من اجهزة العرض السينمائيي واجهزة التلفاز واجهزة التسجيل المرئي الى الهوائيات الكبيرة التي تنقل البث القادم عبر الاقمار الصناعية ، والتي جعلت الناس كبارا وصغارا يجلسون الساعات الطويلة دون حراك امام اجهزتهم المرئية ، مما افزع هؤلاء العلماء وجعلهم يكتشفون جانبا سلبييا لهذه الفتوحات العلمية في مجال الاعلام وما تصحبه من تسلية ، ويعبرون عن خوفهم مما تحلمه هذه التحولات من تأثيرات سلبية وهو جلس في حالة التلقي السلبي لهذا الالعبات بما يمكن ان ينعكس على سلوكه وعاداته فتغدو الفرجة ضالسلبية ديدنه واسلوبه في الحياة، ومع كل هذه التحفظات فان عقلي وقلبي لا ينفر من هذه الوسائل ، ولا يجد في نفسي اي خوف منها ، وانما اجلس كغيري من مئات الملايين استقبل ما تبثه الشاشة الصغيرة من برامج التسلية والترفيه مستمتعا بها ، مستسلما لاغرائها، ولا باس ان يكون ما اشاهدة مبارة من مباريات كاس العالم في كرة القدم مثلا حيث يتحول كوكب الارض الى ملعب كرة ويتحول البشر الى جمهور يشاهد المبارة
وعلى مساحة تتجاوز مدرجات الملعب الذى يضم المباراة ليكون العالم كله مدرجاً كبيراً يضج بالانفعال، لحظة كونية يتحقق فيها توحد توافق المشاعر والانفعالات لكل هؤلاء المتفرجين، على اختلاف أشكالهم وطباعهم وألوانهم وأجناسهم وانتسابهم إلى بلاد مختلفة وأديان مختلفة، وهويات عرقية وسياسية وانتسابهم إلى بلاد مختلفة وأديان مختلفة، وهويات عرقية وسياسية مختلفة، فكيف استطاعت لعبة مثل هذه نتفرج على إبطالها أطيافاً فوق الشاشة، أن توحد انفعلاتنا على امتداد العالم، أن سر جمال هذه اللحظة التى شملتنا ببهجتها بمثل ما يكمن فى أنها أنستنا كل تلك الفروق التى بيننا والتى أنتجت الحروب والمعارك، وألغت كل تلك المسافات التى تفصل الإنسان عن الإنسان، يمكن أيضاً فى أن هذه اللعبة جاءت لتؤكد طبيعة أصلية فى نفوسنا وجبلة أساسية جبل عليها الإنسان هى حبه للعب، أنها جاءت لتؤكد اللعب باعتباره قيمة أنبل وأجمل القيم التى تترع بالفرحة حياتنا، وتجدد انتماءنا المشترك للأسرة الإنسانية الكبيرة.
إننا ونحن نتفرج على هؤلاء اللاعبين كثيراً ما ننسى دور المتفرج فنتماهى مع اللاعبين ونتصور أنفسنا وقد صرنا نلعب معهم، وقد ترآى الواحد منا يبلغ الحماس حداً يجعله يحرك يديه وقدميه وكأنه فعلاً صار يمارس اللعب وسط الملعب، مما يؤكد مرة أخرى، أنه حتى ونحن نتفرج لا نفعل ذلك لمجرد الفرحة، وإنما نفعله كحيلة تعويضية نعبر بها عن حاجاتنا الأصيلة لأن نكن شركاء فى هذا اللعب.
وفي هذا السياق ياتي الحديث عن عالم الرياضة، بما فيه من متعة وجمال، وما يجلبه للنفس من ترويج وترفيه، وما يعود به على البدن من صحة وعافية وقوة، فإنه ما تأتى مباريات كأس العالم لكرة القدم، حتى أجد نفسى قد طفوت فوق عالم القصص الخيالية وخرجت من أقبيتها المنحوتة فى أرض الأساطير والخرافات، إلى سطح الواقع العامر بالضجيج والأضواء وهتافات الجماهير، أتابع مع مئات الملايين من البشر، هذا المهرجان الإنسانى الصاخب، بلهفة وحماس وفرح، وأغسطس مع الغاطسين فى عالم الإثارة والتشويق والمفاجآت التى تقدمها هذه المباريات الكروية التى تنشغل أقمار صناعية تدور فى قبة الكون، بنقلها إلى بيوتنا مباشرة من أرض الملاعب.
حيث تتراجع، اثناء المسابقات الدولية في مجال كرة القدم، الأحداث السياسية، وأخبار المعارك والمنازعات والحروب، وتخفت الأضواء قليلاً من فوق أوجه ورؤوس السادة الحكام الذين يديرون شؤون الأرض، لتسطع قوية باهرة فوق أوجه ورؤوس وأقدام أبطال الكرة من شباب فى مقتبل العمر، يجرون فوق أرض الملاعب الخضراء، يطاردون بأقدامهم تلك الكرة، ويسعون إلى تحقيق إنجاز واحد هو رميها فى شباك الخصم، وما أن تأتى تلك اللحظة، ويصنع أحد الفرقاء هدفاً، حتى تنطلق الهتافات تغطى كل المناطق العامرة بالسكان من سطح الكرة الأرضية، فهو حدث سيتأثر له الأتباع والخصوم، أن غضباً أو فرحاً، وترتفع بسببه أقدار وتهبط أقدار أخرى، وتتباهى شعوب على بعضها البعض بما حققته فرقها من نصر وما أحرزته من أهداف.
تأتى مباريات كأس العالم لكرة القدم، لتعطى العالم إجازة من أخبار الكوارث وتصريحات صناع هذه الكوارث من حكام وسياسيين ورؤساء وفرق متناحرة، وتقدم بديلاً جميلاً ممتعاً، حيث العراك هنا بلا دم ولا تخريب ولا دمار، وإنما منافسات جميلة من أجل الفوز فى اللعب، ومع أنه لعب، والشعوب تعريف أنه مجرد لعب، فهى تحزن للهزيمة، وتفرح أشد الفرح للنصر، فتأخذ أعلامها وتخرج فى شوارع مدنها وقراها تضرب الأبواق وتغنى وترقص طوال ذلك اليوم.
وهذه أعظم وأهم قيمة تؤكدها لنا مباريات كأس العالم، ألا وهى قيمة اللعب فى حياتنا. اللعب باعتباره احتياجنا أساسياً من احتياجات الحياة الإنسانية، لا فرق بينه وبين الاحتياجات الأخرى كالطعام والدواء والرداء والمسكن، التى لا يمكن للإنسان أن يحيا بدونها، فالاحتياج إلى اللعب هو أيضاً ضرورة، ولكنها ضرورة كثيرا ما نعاملها باستهتار واستخفاف، ولا نمنحها ذات الأهمية التى نمنحها للعمل، من لا يعمل لا يأكل، ومن لا ياكل يموت، أما اللعب، فمتى سمعنا عن إنسان مات لأنه لم يلعب.
هذا هو المنطق الذى اعتمدناه لتغليب العمل على اللعب، فمن قال أيضاً أن حياة الإنسان لن تكون ناقصة، فقيرة فى محتواها الإنسانى إذا اقتصرت على العمل وخلت من اللعب؟ واللعب قمية كثيراً ما تبقى غائبة حتى تأتى مناسبة، مثل مونديال باريس لهذا العام، فتعيد للعب اعتباره، ويشعر آلاف الملايين من البشر وهم يتحلقون حول أجهزة التلفاز ويتابعون بانبهار وسعادة تلك التمريرات الكروية الجميلة، التى يقوم بها أبطال الكرة الذين ينتمون لمختلف شعوب العالم، بمدى أهمية اللعب فى حياتهم، وإلى أى حد صار هذا اللعب قادراً على توحيد مشاعرهم وأحاسيسهم، حيث يمكن للمسة جميلة من لاعب ماهر، أن تلهب مشاعر هؤلاء البشر جميعاً، فينتفضون انتفاض رجل واحد فى مقاعدهم، وتنطلق وفى لحظة واحدة صيحة إعجاب من حناجرهم تشمل أركان الأرض الأربعة.
ولكن حديث اللعب لا يستمر لان العالم مشغول بقضايا اكثر الحاحا هي التي طالبته الامواج بان يتحدث عنها مثل العولمة والهيمنة، فقال:
رغم ان الحديث عن العولمة ياتي دائما مرتبطا بالهيمنة ، فإن هذا الارتباط لم يكن بالضرورة حتمية تاريخية لا مناص منها كما لا يعني أخذ الأمر باعتباره أحد المسلمات التي جب أن تمضي دون نقاش كما حدث في احدى الندوات التي ربطت بينهما، و تحدث أعضاء الندوة على الجوانب السلبية للعولمة وأكدوا المعني الذي جاء في عنوان الندوة العولمة ولكن بعضهم عبر بعد أن انتهي من ذكر المحاذير عن الأمل في الانتقال بمفهوم العولمة إلى مفهوم أكثر إنسانية وأكثر استجابة لمطالب واحتياجات الشعوب فالأسرة البشرية التي تعيش فوق كوكب واحد وتواجه مصيرا واحدا وتهددها أخطار واحدة جدير بها أن تصل إلى فهم مشترك لمشاكلها وإنتاج نظام عادل بحكم العلاقة بين جميع أعضائها ويكفل الخير والأمن والكرامة لكل الناس .
العولمة ليست فقط تحفظات ومحاذير وآمالا وهي لا تقف على الأبواب والحدود تنتظر الأذن وتطلب تأشيرة لدخول هذا الوطن أو ذاك أنها واقع موجود مائل أمام أعيننا لقد أضحت العولمة شئنا أم أبينا حقيقية من حقائق الحياة في هذا العصر ومهمتنا الأولي هي البحث عن صيغة للتعامل مع هذه الحقيقة .
الذين أدانوا العولمة وأظهروا في بحوثهم الجوانب التي تكشف طبيعتها التسلطية الابتزازية والتي تكرس الهيمنة والتبعية وسيطرة القوي على الضعيف والغني على الفقير ودول التقدم الصناعي على دول العالم الثالث نظروا إلى العولمة من جانبها الاقتصادي السياسي باعتبار أن ظهورها اقترن باستفحال ونمو الاحتكارات العالمية والشركات المتعددة الجنسية ومن خلفها الدول ذات المصالح الكونية التي سعت إلى أن يكون العالم كله سوقا لها تحكمه قوانين السوق بكل عنفها وشراستها وتم تكريس وتأكيد هذا السوق وقوانينه الظالمة بتحالفات واتحادات اقتصادية تقيمها الدول الكبرى واتفاقيات دولية تفرضها هذه الدول مثل اتفاقية الجات تضعف من سيادة وسلطة الحكومات المحلية لصالح القوي الاقتصادية الأخطبوطية .
فالعولمة كما يرونها مرادف لتعبير والنظام العالمي الجديد كما تريده أمريكا خاصة بعد التطورات السياسية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة والتي أضرت بموازين القوة التي حكمت العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الأخيرة عندما اختفت تلك الثنائية التي مثل فيها التحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي الطرف الثاني في العولمة مما يجعل السياسة الدولية أحادية القطب وجعل أمريكا تتصرف باعتبارها القوة الكبرى الوحيدة فوق الأرض القادرة على رفض أردتها على بقية أعضاء المجتمع الدولي من بلدان ومؤسسات بما في ذلك هيئة الامم المتحدة ومجالسها ومنظمتها والمؤسسات الاقتصادية والمصرفية التابعة لها .
وعندما نقول لهم بأن العولمة ليست مفهومها ثابتا ستاتيكيا وإنما مفهوم متحرك قادر على اكتساب دلالات جديدة مع ما يحدث في الدنيا من تطورات مثال ذلك هذه الثورة التقنية في مجالات الاتصال والمعلوماتية والمواصلات التي فرضت حقائق جديدة وأضافت إلى العولمة بعدا جديدا غير بعديها القديمين الاقتصادي والسياسي عندما تقول لهم ذلك فانهم لا يجدون فيه سببا لتغيير رأيهم لأن العولمة في ظل هذا التسلط الأمريكي وباستخدام هذه الأدوات الإعلامية ستكون نوعا من تنميط البشر وتنميط المجتمعات وقلبتها حسب النموذج الأمريكي الذي سيتم طرحه كبديل وحيد لكل ما يزخر به العالم من تنوع في الثقافات والهويات الحضارية .
إذن فالعولمة ليست فقط سياسية واقتصادية أنها ثقافة أيضا أي تعليم وإعلام وآداب وفنون وعلوم وترفيه والحديث عن المخاوف والسلبيات لا ينفي وجود إيجابيات هي التي تجب التركيز عليها والعمل على تطويرها والانطلاق منها نحو تصحيح أسلوب التعامل بين الشعوب جميعا وبين الشمال والجنوب تحديدا وهذا الجانب الإيجابي الذي طرحه الإنجاز العلمي والذي حقق فرص التواصل واللقاء بين شعوب العالم بأسلوب غير مسبوق وجعل الناس يفهمون تراث وتقاليد وعادات وأساليب معيشة بعضهم بعضا أكثر من أي وقت مضي لا يمكن لاي إنسان أن ترفضه إلا إذا تحول إلى أداة في أيدي قوي الهيمنة والاحتكار ودورنا بطبيعة الحال أن تسعى بكل قوة لمنع هذا الانحراف والذي شاهد العمليات الجراحية التي تتم عن طريق الأقمار الصناعية ويجريها الجراح من مكان عمله في مدينة ما لاي مريض في أي مكان في العالم دون الانتقال إليه يدرك إلى أي مدي صار الإنسان مدينا لمثل هذه الإنجازات العلمية التي أكدت بالفعل والممارسة لا بالقول والترميز أن العالم صار قرية كونية صغيرة .
لقد كان العرب يكررون القول في زمن مضى، بلسان احد كتابهم اللامعين المناضلين، رحمه الله، عالم ليس لنا، ولكن هل يستمر الامر على هذا المنوال طول المدى، رغم ان التبدل والتغيير شعار الحياة وهل الاكتفاء بتكر ار هذا القول ينفع اليوم سبيلا الى مواجهة الواقع بمعطياته المتنوعة وبتوابثه ومتحركاته، والوقوف موقف المتفرج مما يحدث حولهم، ام ان هناك موقفا اكثر ايجابية، يجب ان يتحولوا اليه، وهو ضرورة اصرارهم اصرارا قويا واكيدا على ان هذا العالم عالمهم كما هو عالم الاخرين، وانهم يملكون حصة فيه لا تقل عن حصتهم، وان حقهم وواجبهم نحو انفسهم ونحو اجيالهم القادمة يقتضى عدم التفريط في هذه الحصة والحرص على اخذها كاملة ، لان التفريط في حصتهم في العالم يعني التفريط في حصتهم في الحياة، وهو مالا يستقيم مع الحق ولا مع المنطق وليس عدلا ولا صوابا بل جناية في حق انفسهم وحق اجيالهم القادمة.

لا بد لكي نستطيع العمل من اجل المستقبل الافضل، وخلق زخم يؤهلنا لتامينه ، وتحقيق النهوض والتقدم الذي ننشده في عالم الغد ، من القاء نظرة بين الفينة والاخرى في مرايا الامس ، من اجل استنباط الدروس المستفادة من الماضي ، وتحديد مواقع الخطا والصواب فيما قمنا به من اعمال ، لان الماضي يبقى دائما ، هو الرصيد الذي نملكه ، وهو ايضا التاريخ الذي نعرفه باكثر مما نعرف الحاضر الذي يتجدد ويتوالد مع كل خطوة نخطوها والمستقبل الذي لا نستطيع ان نعرف ما يحدث فيه الا من خلال ما نرسمه من خطط وما نستتثمره من جهد وما نأمله من امال نرجو ونسعى ونعمل على تحقيقها ، وندعو الله الا تاتي ظروف خارج ارادتنا تعيقنا عن تحقيق تلك الامال. الماضي اذن هو ما نعرفه اكثر من غيره ، وهو مادة التاريخ على مستوى الاشخاص والاوطان ، وهو مستودع الدروس ومخزن الخبرات البشرية ، وبه ومن خلاله وعبره يتحقق التراكم الذي يصنع بالتالي التدرج الحضاري للبشر جميعا ، في مشارق الارض ومغاربها ، ومهما تباعدت الحضارات وتنوعت وفصلت بينها المسافات والحدود والقيود، بل والعداوات والحروب في ارض الماضي ، فانها بعد ان صارت ماضيا وصارت تاريخا ، تستطيع ان تتداخل وتتواصل ، ويحدث لها ما يحدث للمواد التي تتوى وتموت ، لكنها تتحول الى سماد يغذي جذور الاشجار التي يعيش عليها ويتغذي بها البشر في حاضرهم ومستقبلهم ، فمن لا ماضي له لا مستقبل له كما يقولون ، ومن هنا ياتي اهتمام الشعوب بتاريخها وتاصيل هويتها والبحث عن جذورها لانها تعرف ان الماضي هو بوابة الدخول الى ارض المستقبل .
وواصل النبي القادم من الغيوم حديثه وقد وجد الانصات والاهتمام من حشد من البشر، استقطبهم ما يقوله من كلام، وما يتبعه من انجم وامواج، فقال يخاطب هذه المرة هؤلاء البشر، ويدعو لايقاظ نوازع الخير والجدارة الانسانية في نفوسهم:
خلق الله الانسان وميزه عن بقية مخلوقاته، بميزة خطيرة لم يميز بها غيره من كائنات الارض، هي العقل ، وجعل اهم ميزة لهذا العقل الا يتجمد في قالب واحد والا لما قال جل وعلا ، ” ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم” ، وهو هنا وفي هذا الشأن الذي يخص خير الانسان وصالحه، يعطي الحق للانسان في ان يقرر لنفسه قرارا يسبق به مشيئة الاقدار، ولاشك ان هذه الاية تنفع تبريرا وتسويغا لبيت الشعر الذي صار شعارا لثورات الربيع العربي ، من تاليف ابي القاسم الشابي، الذي يقول ” اذا الشعب يوما اراد الحياة، فلابد ان يستجيب القدر” . ومعنى ان يقفل الانسان عقله عن استيعاب المتغيرات والمستجدات والافكار التي يطرحها الواقع، بمعطياته المتباينة والمتواترة التي لا تعرف ثباتا ولا جمودا، وانما هي كالنهر الذي يتدفق من منبعه الى مصبه، معنى ذلك هو حكم على فكره بالموت جمودا ، قبل موته الطبيعي الذي ينتهي به وجوده في عالم الاحياء، وكثيرا ما دخلت جدالا مع بعض اهل الموات الفكري، فلا اجد سبيلا الى التفاهم او التعاطي مع عقولهم لانها غالبا ما اصبحت عقولا جمادة كالحجر، اشرح له كيف تتغير الافكار عبر العصور، ويصبح ماكان مقبولا ومشروعا غير مقبول ولا مشروع، وما كان صالحا في زمن الاسلاف ، يمكن ان يصبح فسادا مطلقا في هذا الزمان ، واضرب لهم مثلا جارحا صادما مثل نكاح المحارم ، وهو عمل كان موجودا في عصور سالفة مثل عصر الفراعنة عندما نقرا عن زواج بين الاخ واخته، بل انه عمل مارسه انبياء نجلهم ونقدرهم مثل سيدنا ابراهيم الخليل ابو الانبياء، وكان عملا مشروعا ومقبولا بدأت به الخليقة بحكم الضرورة ، فلم يكن ممكنا لابناء سيدنا ادم وامنا حواء الا ان يتزوج الاخ اخته لانه لا بديل عن ذلك من اجل تنشأ البشرية ، ونعرف ان سيدنا ادم بجوار انه اب البشر، فهو اول الانبياء على الارض ، ونشوب اول خلاف يؤدي الى ان يقتل الاخ شقيقه ، جاء بسبب الخلاف على النكاح من احدى الاخوات، ليؤسس لتاريخ الجريمة، وتاريخ التنافس الشرير بين البشر، والصراع بين نزعتي الشر والخير، والكراهية والمحبة، وبعد هذه الفدلكة التاريخية التي استوجبها ضرب المثال بتلك الاحقاب التاريخيه ، اقول لاهل التزمت الديني ممن يتحدثون بتقديس عن محاكاة السلف ، ان نكاح الاقارب، عمل اقره انبياء ومارسه انبياء، فهل نعتبر ذلك تبريرا لمحاكاته اليوم ، الا نعتبر من يقوم بمثل هذا العمل اليوم مجرما، حقيرا كافرا بكل الملل والعقائد ، وليس بالدين فقط ، ويستنكف من ارتكابه حتى اهل الالحاد والوثنية ، لانه يقع في دائرة الجريمة والسقوط الاخلاقي ، وهذا مجرد مثل من امثلة كثيرة على سلوكيات واخلاقيات سقطت بفعل تقادم الزمن ، ومن يقرأ التلمود والتوراة وكتب العهد القديم ، سيجد امورا اقرها انبياء يعترف لهم القرآن بالمنزلة الرفيعة، ويحمل لهم البشر جميعا الاجلال والاحترام والتوقير،ومع ذلك فان لهم ممارسات تدخل، بمقاييس هذا الزمان، في دائرة الاجرام والعته ، ولذلك فان ياتي من يريد ان يرتدي ملابس كان يرتديها نبي الاسلام من الف واربعمائة عام ونيف، او طعاما كان يأكله ويريد ان يعتمد هذا اللباس لباسا لاهل هذا العصر وهذا الطعام طعامهم ، فسيكون بالتاكيد ظلم للناس والعصر ، لانك لن تستطيع ايضا ان تستخدم وسلية المواصلات التي كان يركبها وهي الناقة وادوات الطهي التي كانت في بيته او اساليب الاغتسال والتنظيف وحفظ الاطعمة وغير ذلك مما كان الانسان يمارسه في حياته اليومية في ذلك العصر، ولاعتبرناه عتها وجنونا اذا اصر انسان على ان يقول بان تلك سنن يجب اتباعها وترك كل شيء غيرها، والحقيقة ان بعض اهل التزمت يفعلون ما يمكن اعتباره انحرافا بالعقل الى متاهات العبث والامعقول، ويقودون احيانا امة باكملها الى ان تعيش هذا العبث والجنون، كما فعل جماعة طالبان، عندما حكموا افغانستان، ومنعوا خروج المرأ من البيت، او مشاركتها في العمل، او ذهابها الى المدرسة ، وحطموا التماثيل، ومزقوا الصور، وقاموا كما يفعل بعض المتطرفين في بلاد عربية، بهدم المآثر التاريخية، وتهديمها وطمس الذاكرة التاريخية والدينية للامة.
ان مثل هذه الاعمال لا تقتصر على السلوكيات واساليب المعيشة ، وانما هي رؤية الى الحياة تسحب الانسان الى كهوف الماضي والحياة في عتمتها وظلامها ، وتسدل حجابا بينه وبين العصر، وتجعل حياته ارتهانا للماضي، ومجافاة وابتعادا عن المستقبل ان لم تكن معاداة لهذا المستقبل وكراهية له، واجهاضا لكل فرص التقدم والمضي الى الامام ، واذا كان ثمة انسان يريد ان يعتمد هذا الفكر، وهذه الثقافة، اسلوبا لحياته، وطرازا من المعيشة والتفكير يحكم حياته، داخل بيته ، فليفعل ذلك وهو حر في نفسه وبيته، ولكنه اذا اراد ان يفرضه على الاخرين وان يسوق اليه وطنا كاملا بكل فئاته وشرائحه، فانه بالتاكيد سيستنفر كل هؤلاء الناس لمحاربته، والقضاء عليه، وعلى فكرته، لانه اذا اراد الموات لنفسه فليمت ، واذا اراد الانتحار معنويا ونفسيا فلينتحر ، ولكنه لن يستطيع ان يميت كل ابناء الوطن، او يدفعهم الى انتحار يفرضه عليهم فرضا.
تبدل الوقت ، وحصلت تحولات في اقانيم الليل والنهاء، والضوء والظلام، وغفا الحاضرون واستيقظوا من غفوتهم واثارت هذه التبدلات اسئلة عن الزمان وحركته، مع حركة الافلاك في دواليبها، وكان لابد ان يتطلع الجميع الى النبي القادم من الغيوم لسماع رأيه في الموضوع، فقال عن موضوعة الزمن:
عالج المفكرون والعلماء والفلاسفة معضلة الزمن واعتبروا ان ما نعتمده من تقسيمات لهذا الزمن سواء تفسيمنا اياه الى ماض وحاضر ومستقبل او الى اعوام واشهرواسابيع وايام وساعات ودقائق ليس الا تقسيما ميكانيكيا حسب راي اينشتاين لتسهيل حساباتنا الخاصة وقد يعبر عن تصورنا للزمن وفهمنا له ووعينا بدورته التي نرتبط بها ونربط بها حياتنا وافعالنا وما يجري لنا وما يجري حولنا، ولكن هذا التصور او الاحساس لا علاقة له بحقيقة الزمن فهو يمضى في مساره من الازل الى الابد ، وكلاهما لا نضع له حدا ولا نعرف له بدءا ولا انتهاء، وينظرون اليه في شكله السرمدي الكوني الذي يتصل بقضايا لها علاقة بمعضلات الوجود والعدم وما فيهما من متاهة وما يحتاجانه من عناء فكري ذهب فيه الفلاسفة في كل اتجاه، وجعلوه موصولا بحركة الافلاك ودورتها وتعاقب الليل والنهار فهو كما يقول احد العلماء، وعاء بداخله يتكون العالم وهو موجود دون بداية ودون نهاية وانما صيرورة مستمرة غير متناهية ، وهناك فهم للزمن توصل اليه الانسان منذ فجر التاريخ كما سجله القديس اوغسطين في اعترافاته نقلا عن اهل زمانه من ان الزمن ياتي من المستقبل الذي لم يوجد بعد، الى الحاضر الذي لا ديمومة له، فيمكن لدقيقة ان يكون نصفها اصبح ماضيا ونصفها مازال مستقبلا، وبين النصفين حاضر لا يمكن الامساك به، وصولا الى الماضي الذي زال وانتهي، ونحن هنا نتحدت ليس عن الزمن الفلسفي، او لدى علماء الفيزياء او علماء الفلك او الطبيعة، وانما عن ادراكنا نحن للزمن، وتعاملنا مع هذه اللحظات الزئبقية التي لا نستطيع الامساك بها، وتفر من بين اصابعنا كمن يحاول ان يمسك بالهواء، فنقول بحساب هذا الادراك وتصوراته اننا الان ندخل بمشيئة الله عاما جديدا، فالحمد له لانه مد في اعمارنا الى ان بلغنا هذا العام الذي كنا نراه بعيدا جد،ا عندما بدأ وعينا بالعالم والحياة، وربما نتكلم في هذه العجالة عن اهم ملامح هذه المرحلة من الزمن الذي نعيشه،فنقول ان ابشع الجرائم ــ وكل الجرائم مهما كانت ضئيلة، قبيحة وبشعةــواكثرها رعبا وقبحا، هي اهدار حياة الانسان على يد انسان اخر، الا في حالة القصاص يوقعه القضاء بمجرم، ما عدا ذلك فان اهدار حياة الانسان هو اقبح فعل واقبح جرم يرتكبه انسان ضد اخيه الانسان، لا يعادله اي جرم اخر، ولهذا فان اقبح بلاء يحل باي تجمع بشري هو الحرب ، ونعم هناك كوارث غير الحرب تهدر فيها الحياة البشرية وتضيع فيها الارواح مثل الكوارث الطبيعية من زلازل وعواصف وسيول وحوادث صدام وانهيارات وغير ذلك، ولكن الحرب هي قتل الانسان للانسان بالات يصنعها ويستخدمها الانسان لهذا الغرض، ويقولون دائما ان ازمنة الحرب هي التي يدفن فيها الاباء، الابناء، بعكس الازمنة العادية الطبيعية، التي تخضع لسنن ونواميس الحياة، حيث ينتهي الجيل الاكبر، ليستلم المسئولية جيل اصغر، ويدفن الصغير كبار اهله ممن انتهت رسالتهم وادوا واجبهم وحان موعد رحيلهم، ولم يكن ممكنا لهذا الاهدار للحياة الانسانية ، ان يتوقف، فهو ملمح من ملامح الحياة الارضية ربما منذ ان اخرج خالق الكون اب البشرية من الفردوس، وطوح به فوق هذا الكوكب ، حيث بدأ القتل بقابيل الذي اودى بحياة شقيقه هابيل، ليدشن منذ بدء الخليقة، تقليدا لابشع ما يمكن ان يقترفه الانسان ضد لانسان، وهو انهاء حياته، الذي يجب ان يبقى حقا الهيا، فخالق الروح هو وحده من له حق انتزاعها من جسد صاحبها. الظاهرة التي تنامت في الاعوام الاخيرة، وواصلت هذا التنامي حتى دخلت مناطق ومجالات لم تكن في السابق مجالا لحركتها ، مثل استخدام الله في عمل من اعمال الشيطان، وهو ما يقوم به اهل الغلو والتطرف، ممن ينسبون انفسهم باطلا الى الدين ويتكلمون باسم الله ويرتكبون تحت هذا الاسم اعمالا لم يكن البشر ينسبونها فيما مضى الا لامير الشر والظلام والجريمة ، ابليس اللعين، فهي جماعات تمكنت منها علل النفس والروح وعمدت الى اظهار مهاراتها في القتل وسفك الدماء، ضد اهلها وذويها وشركائها في الانسانية، وتوزع هؤلاء التكفيريون واسلوبهم الابليسي الذي يعتمدونه في القتل، اسلوب التوحش الذي لا يقيم اعتبارا لاي حرمة، ويستهتر بكل قيمة انسانية، فوق مساحات كثيرة جديدة ، دليل ما حققوه من نجاح، وما يحرزونه من نصر على قيم الحضارة والتقدم ومفاهيم العصر، مقارنة بافكاهم المجلوبة من كهوف التاريخ وظلامه، محملة بانواع من العناكب السامة ووطاويط الليل والظلام، والغريب الغريب ان لهذه الافكار العنكبوتية الوطواطية انصارا واتباعا في عصرنا الحديث، وفي مطلع الالفية الثالثة في التاريخ البشري، التي وصلت فيها الفتوحات العلمية والعقلية، الى مراتب غير مسبوقة، وتواترت بسرعة غير مسبوقة.

النجمة التي تقلقها احوال العالم العربي عادت تلح في ان يتجه الحديث الى افة العالم العربي وهو الطغيان والطغاة ، قال القادم من الغيوم:
نعم لكل ما نقوله عن الدولة المدنية، ونعم لكل ما نقوله عن المؤسسات الدستورية، ونعم لكل ما يطالب به اهل الاستنارة من سيادة القانون، ومنع وجود جيوب وثغرات يتسلل منها الحيف ، او يظهر في المجتمع اناس يضعون انفسهم فوق المحاسبة وفوق القانون، باعتبار ان ذلك ارثا آن لمجتمعات العالم الثالث ان تتخلص منه وتنتهج طريق البناء والنماء والانتظام في سلك الشعوب الصاعدة في ركب الحضارة ومدارج العزة والنهوض.
وهذه المؤسسات الدستورية التي تتميز بها الدولة المدنية، وتضمن لها المحافظة على حقوق المواطن وامنه واسعاده، وعدالة اجهزة الدولة في تعاملها مع ابناء الشعب بشفافية ومساواة، تحقق لهذا المواطن اهم عنصر من عناصر التفوق والنجاح والابداع، وهو تحريره من عامل الخوف، لان سر النماء والتقدم، كما شاهدته وعاينته عبر احتكاكي بمجتمعات التقدم ودول النهوض والحضارة الحديثة، يكمن في شيء واحد، ربما يتحقق عن طريق النظم الديمقراطية، والدولة المدنية، والمؤسسات الدستورية او غير الدستورية، هو ان عيش الانسان بلا خوف، ولا قلق على امنه، ومعيشته ومستقبله، لانه عندئد سينصرف بكل ملكاته الى الانتاج وينطلق في طريق الابداع واجتراح الحلول لحياته بلا حدود ولا قيود ولا سقف لطموحه الا السماء.
وهذه هي الحقيقة التي لابد من الاعتراف بها، والتاكيد عليها والنظر الى كوارث الحياة التي عانت منها شعوب هذه المنطقة، وحفل بها تاريخها في ظل هذه الحقيقة، حقيقة انه لا نهوض مع الخوف، ولا نماء او تنمية مع الخوف، بل ولا انتصار في معارك الوطن ضد اعدائه، مع الخوف، ولهذا فلا يجب ان نبحث بعيدا عن السر في تكرر النكبات والنكسات، ولا ان نبحث كثيرا في سبب تقدم الامم الاخرى وتخلف الامم في هذه المنطقة ، والا يعجب وياسف اهلها لانهم اصحاب تاريخ عريق تليد وحضارات عظيمة بائدة، ومع ذلك تنجح امم اخرى في اللحاق بركب الحضارة، وهم يرسفون في اغلال التخلف والجمود، ومهما تعددت الاسباب وتنوعت العوامل التي صنعت هذا الواقع المرير، فان اس البلاء واول هذه الاسباب هو الخوف، هو ان المواطن العربي عاش اسير الخوف، لا يملك عقله ولا ملكات التفكير ولا روح الابداع والابتكار والاجتهاد والبحث، فتعطلت الحياة واعتقلتها انظمة القمع وعصور الظلام والاستعمار في قوالب جامدة، واعتقلت معها عقل المواطن وارادته وروحه. ولهذا تكررت في انتاجات ادبائنا كلمات مثل عودة الروح وعودة الوعي وعودة العقل، لان هذا هو ما كان مفقودا في ظل الخوف، وحان لهذا الخوف ان ينتهي، وحان لهذا العقل وهذه الروح وهذا الوعي الجديد ان ينطلق ليقتحم افاق المستقبل ويصعد في مدارج التقدم والحضارة.
ولا شك ان هيمنة قوى اجنبية ولاحقاب طويلة على مقدرات المنطقة هي المسئولة عما حدث من جمود كما لم يكن غريباً أن يظهر فى كل بلد من هذه البلدان طاغية يكتم الأنفاس ويكمم الأفواه ويحرق الأرض ويذل البشر ويدخل فى مغامرات عسكرية جنونية، يدفع ثمنها الشعب، ويسقط خلالها ملايين الضحايا، علاوة على ما تكبده المواطن من موارد دولته التي يجب ان تنفق على اسعاده وتقدمه وبناء اسس التقدم لدولته، مليارات اهدرت، تنطق برعب وبشاعة ما حدث، وتختفى وراءها ويلات وفواجع، لا تنتهى بانتهاء الحرب، ولكنها تبقى لأزمنة طويلة فى شكل دمار وخراب وفقر وأرامل وأيتام وتكالى ومعاقين، ولا داعى لان نغمض أعيننا ونفكر فى عمليات البناء والنماء، والعمران التى كان يمكن أن تشهدها المنطقة لو أن هذه المبالغ سخرت للخير والسلام بدل الحرب والدمار، فهذا أكبر من أن تصل إليه أحلام أى مواطن عربى يطلب الستر، ويكدح من أجل تأمين لقمة العيش لأطفاله، بعد أن ترك الثروة والسلطة والبذخ والترفيه لحكامه. ولكن هذه الأحلام البسيطة، حرم منها المواطن الذى ابتلاه الله بحاكم قذف به فى أتون الجحيم وأشعل فوق أرضه الحرائق وجعله وقوداً لأبشع الحروب، وهى حروب لا معنى لها ولا أهداف وطنية وقومية تسعى لتحقيقها ولا قضية كبرى تبرر قيامها، فهى حروب غيبة، عبثية، لا دوافع لها إلا الجنون والإجرام وأوهام العظمة، ولا رابح من ورائها الاتجار السلاح فى الغرب والشرق. أقول إنه ليس غريباً أن يصل مثل هذا الطاغية إلى الحكم، فقد وصل قبله طغاة لحكم بلدان وشعوب أكثر وعياً وتعليماً وتقدماً فى مضمار العلوم والمعارف والصناعات مثل هتلر فى ألمانيا وموسيلينى فى إيطاليا وستالين فى جمهوريات الاتحاد السوفيتى، وعدد لا يحصى من الطغاة الصغار الذين وصلوا لحكم أقطار أوروبية مثل اليونان وأسبانيا والبرتغال ورومانيا وسجلوا جميعهم صفحات مخزية سوداء فى تاريخ البشرية لا تقل شراسة ودموية عن سجلات ديكتاتور العراق او ليبيا او سوريا،ولكن الغريب حقاً، والذى يدعو للدهشة والعجب، ويجلب الإحباط والكآبة والقنوط، هو أن نجد بين الجماهير العربية، ممن يعيشون بعيداً عن سيطرة مثل هذا الحاكم وإرهابه، ولا خوف عليهم من أجهزته البوليسية، من يشايعه ويؤيد تصرفاته، ويؤمن به قائداً عظيماً أرسلته العناية الإلهية لمقاومة الأعداء التاريخيين للأمة العربية وتحقيق النصر عليهم، بل لعلهم يؤمنون حقاً بأن كل ما حدث من دمار للعراق او ليبيا او سوريا او اليمن أن هو إلا صورة من صور هذا النصر المبين، كما تقول أبواق الدعاية الرسمية فى هذه البلدان ايام وجودها في براثن هؤلاء الطغاة.
لم تكن الصدمة فقط فيما فعله هؤلاء الطغاة ولكن الصدمة الأكبر فى قيادات فكرية تعجز عن إدراك حجم الجريمة ولا تستطيع أن ترى النكبة القادمة، وتمالئ الطاغية والطغيان، وإلى أن يتحرر العقل العربى من أوهامه وسيطرة تراث القمع والاستبداد عليه، فلا امل في نهوض ولا تقدم ولا انخراط في مدارج الحضارة.

وليس حديث الصدمة والصدام والطاغية والطغيان ، هو نهاية المطاف ، فالحياة كما قال النبي القادم من الغيم لا تقف عند لحظة بعينها او مناسبة دون سواها:
تأبى الحياة أن تقف عند لحظة بعينها مهما كانت أهمية هذه اللحظة وخطورتها، ويأبى الزمن، هذا النهر العظيم المتدفق على الدوام، أن يتوقف عن جريانه مهما كان حجم الشوائب التى تخالط مياهه.
وهو أمر ينطبق على حياة الأفراد وحياة الأمم على السواء. فالواحد منا يولد وينشأ فى كنف أب وأم لا يتصور الحياة بدونهما.ثم ينمو ويكبر. ويغيب الوالدان. استجابة للسنن والنواميس التى تحكم وجود البشر فوق الأرض ، ويأسى الأبناء ويحزنون لفقد الأباء والأمهات ولكن الحياة بالنسبة لهم لا تتوقف عند هذا الحد، فهم يواصلون بعد ذلك حياتهم وينجبون أطفالا يكبرون ويستلمون مسئوليات الحياة من جيل الأباء والأمهات، ليورثونها بدورهم لجيل يولد من صلبهم، وهكذا هو الحال مع الدول التى قد تمر بأحداث جليلة، وقد تدخل حروبا ضارية، وقد تتعرض لهزائم مريرة، ومع ذلك تقوم من كبوتها وتواصل مسيرها، وهو أمر يصدق مع دول العالم التى لم تسلم جميعها من التعرض لمثل هذه المحن والدخول فى مثل هذه التجارب القاسية والخروج منها.
أقول هذا الكلام تعليقا على الحالة العامة فى الوطن العربى، وتذكيرا لبعض الدول التى تريد للدنيا أن تتوقف عند حادث فاجع فى تاريخ العرب الحديث مثل الحرب التى نشبت إثر جريمة غزو العراق للكويت، لقد تصدع الوطن العربى، وعانى تمزقاً محزناً وخلافات خطيرة، ولكنها صفحة تنتمى للماضى، ولا مستقبل ولا نهوض ولا تقدم لأمم تعيش فى الماضى ولا تنظر إلا إليه .
هذه مجرد أمثلة بسيطة للتذكير بأن البقاء فى أسر اللحظة العابرة والحدث الذى تجاوزته الأحداث لا يتفق مع نواميس الحياة ولا يخدم هدفاً ولا قضية.

ولان في اتباعه من امواج ونجوم هواة للفن بمختلف انواعه فكان لابد ان حديث الفكر والسياسة واشجان الحاضر والماضي حديث عن الفن، واقربها الى مندوبة النجوم، اللوحات التي ترسمها الطبيعة فوق صفحة الافق وينجح اهل المواهب الفنية من ابناء البشرية في محاكاتها والتفنن في خلق اجواء ومناخات وتنويعات على ما تعزفه الطبيعة بالوانه، ويستحضر احد الحاضرين، كيف ينسى راسمو السياسات من اهل الحكم اهمية الفن في حياة الناس، فيهملون التخطيط له، وحكى قصة صدامه مع مسئول جاء يعرض خطته التي اعدها لنشر الثقافة وتوعية الناس واهمل الاشارة الى الفنون الجميلة، فتصدي له احد الفنانين مستنكرا عليه هذا الاهمال الفظيع لاهم جوانب الفن والجمال في الحياة، قائلا بلهجة غاضبة ، انها خطيئة ان تنسى الحكومة مثل هذا الجانب في رسم سياساتها لتوعية الناس والمجتمع، فالفنون التشكيلة ، مؤكدا يخاطب الوزير، تدخل في كل منحى من مناحي الحياة ، فهذه القاعة التي تجلس فيها هي فنون تشكيلية وهذه الطاولة التي تجلس اليها والكرسي الذي تجلس فوقه هما فنون تشكيلية وهذه البذلة العسكرية التي ترتديها برتبها ونجومها هي فنون تشكيلية، وهذه الساعة التي في معصمك فنون تشكيلية ، وهذه السيارة التي اقلتك الى هذا المكان فنون تشكيلية، والبيت التي تسكن فيه ، وغرفة النوم التي تنام بها والسرير الذي تنام فوقه، والصحن االذي تأكل فيه طعامك هوفنون تشكيلية ، ومضى يعدد له مظاهر الحياة التي يحياها والتي رافقته كما رافقت أي انسان منذ طفولته هي انواع من الفنون التشكيلية من المهد الذي تهدهده فيه امه، الى التابوت الذي سينقل فيه عندما يموت الى متواه الاخير،واللحد الذي ستوضع فيه عظامه بعد عمر طويل كلها فنون تشكيلية ، وليس مجرد اللوحة التي يراها معلقة على الجدار او الصورة التي يراها مرسومة في صحيفة او مجلة ، الى حد صار معه الرجل يرجو الفنان الكبير ان يتقبل عذره لانه ما جاء الى هذا المكان الا للحديث عن الخطوط العريضة لسياسة وزارته في هذه المجالات تاركا التفاصيل لاهل الاختصاص ، قائلا لذلك الفنان ، بعد ان فتش بين اوراقه ، ان وزارته لم تهمل الفنون التشكيلية بدليل ان هناك دائرة اسمها دائرة الفنون التشكيلية وان هناك ايضا ناديا للرسامين يستطيع ان يذهب السيد الطاهر لرئيس هذه الدائرة ورئيس هذا النادي ليشرحا له السياسة الجديدة الخاصة بهذا المجال فكانت المفارقة التي جاءت على لسان الفنان الطاهر المغربي ، في رده على هذا المسئول انه “انا يا سيادة الوزير هو رئيس دائرة الفنون التشكيلية وانا هورئيس نادي الرسامين” ، لم يكن الفنان معنيا في هذه المواجهة بينه وبين الوزير ، بفلسفة الفن بقدر ما كان معنيا باظهار اهمية الفن في الحياة وضرورة اهتمام الحكومة به ضمن اهتمامها بتطوير الوان الفن الاخرى .
وهنا استلم القادم من الغيوم خيط الحديث قائلا: بان هذه الالوان من الفن مجتمعة، رسما ورقصا وموسيقى وغناء وانواع الادب شعرا ونثرا تشترك فيما تؤديه في الحياة وما تقدمه للانسان من اهداف وخدمة،
اذ ان مهمتها دائما هي تجميل الحياة ، وجعلها اكثر احتمالا او كما يقول اهل الفلسفة ” تبرير الوجود كواقع جمالي ” بل هم يطالبون هذه الفنون والاداب بان تفاجئنا دائما ويخلق بدائل لوجودنا ، وتحمله مسئولية اقناعنا بالعيش في المستقبل . وهؤلاء الفلاسفة هم الذين يقولون ، بان جمال الفنون يرافق الانسان في حياته صديقا وفيا ليجعل لحظات وجوده اكثر لطفا وفرحا. وعودة الى كلام الفنان الذي واجه الوزير ، فان الفن بالصورة التي ذكرها ليس مجرد محطات في حياة الانسان يقف عندها للراحة والترويح ، كما يقف المسافر في البرية في يوم قائظ تحت ظل شجرة ،يجاور نبعا او بئرا ، وانما صار الفن هو النهر الذي يعوم فيه الانسان او يمتطى قاربه ويتهادي فوق امواجه، ويصدق هذا اليوم اكثر من أي يوم مضي ، بانفجار ثورة الاتصالات والسماوات المفتوحة والقنوات التي تصل لالاف المحطات يتلقاها المشاهد في بيته وشبكة الانترنت بامكانياتها الهائلة ، لتجعل الفن الذي تنقله هذه الوسائط باللون والصوت والصورة ، جماليات التشكيل والتصويروالتلوين ، مع فنون الموسيقى والغناء والرقص والاستعراض وفنون القول والحوار والتمثيل والاخراج ، كل ذلك يجعل الفنون، تشكيلية او غير تشكيلية ، جزءا من الحياة اليومية للانسان باكثر مما قال الفنان منذ اكثر من ثلاثين عاما مضت ، فهل هذا الكم الهائل ، الذي يجعل الفن في حياتنا جزءا من العادة والروتين يشكل تقوية للفن ، ام انه يضعفه ويصنع منه صورة باهتة بعيدة عن تلك المنابع القوية العميقة التي صنعت امجاد الرسم والموسقى والمسرح ، عندما كان الناس يذهبون الى هذه الفنون ، ويجعلونه احتفالا في احياتهم وهم يرتادون المعارض والمتاحف وقاعات العرض المسرحي والموسيقى ، لمشاهدة الاصل لا الصورة المأخوذة عن صورة ، هل الفن يتقدم ، ومعه تتقدم البشرية ، ام ان ما يحدث مع هذا الكم الهائل والسيل الهادر هو العكس ، لا ادري ، ولكن كل هذا لا ينفي الحقيقة الثابتة والدائمة لتلك الكلمات الجميلة التي جاءت على لسان فنان ينتصر للفن والفنانين في مواجهة وزير صار يبحلق في قبة المبني وينقل بصره بينها وبين البذلة التي يرتديها مندهشا من ان هذه القبة وهذه الاعمدة وهذه البذلة التي يرتديها ، هي فنون تشكيلية ، ولابد ان كلام هذا الفنان فاجأه ، فصار حاله كحال المثري النبيل الذي رقص اندهاشا وهو يسمع من احد المعلمين ان ما يقوله من كلام عادي هو ما تسميه كتب الادب النثر .

لا تعليقات

اترك رد