ليظلّ في السّماء دائما غيم يرتحل


 

أنت الحرف الأعزل إلاّ من طلسميّته تتجاسر على هناء جدّتك التي حملت دائما شرف تصدير الحكمة في مراتب العجائز وسخر منها الهناء في حياتها ليكون دائما لفظا مستفزّا في اسمها “هنيّة” ، وفي مماتها لتظلّ أنت تشدّها إلى سحابكفي غفلة من صمتها …هي الآن تهنأ ببياض قبرها وتورثك ألفة عجب السّحاب…

وتذكر أنّها وحدها كانت تغريك بأن تتجاسر على زهو الحضارة وتشامخ العمارة…أنت وريث العتبات الوطيئة أغراك التصاقك بالأرض بأن تعتدّ بشهادة ميلادك فيها فأنت المتبجّح القائل :”لأنّ أمّي تبر التّراب ولأنّ أبي طهر السّجيّة ولدت خارج فلك العادة حلما جمع أحلام عشيرتي التي كانت سقط تاريخ في جغرافيا الهامشيّة وجاد عليها الزّمن في مقاضاة ما لحق بها من إهمال بابتلاء اللّغة ، فلا تجد فيها إلاّ فصاحة أنطقت جماد المكان وفراغه… قبورها تبعث فيك الرّغبة في تأبين اللّغة التي انغلقت عليها صرامة الأرض” .

الآن وأنت تقف على امتداد الفقد في هذه المقبرة الحدوديّة بين حقيقة الموت وافتراض الحياة تدرك ما لم تدركه من قبل …هذه المقبرة وذاك الوادي يتبدّيان لك في حميميّة الماء و مجراه … ذلك الوادي الذي حدّثك اطمئنان طفولتك عنه طويلا ينبع من مجهول الجغرافيا و يلتقي بأودية أخرى في إحدى العشائر المائيّة ، فالأودية عشائر كعشائر البشر التي تلتقي في هذه المقبرة دون تواعد .

الآن وأنت تقف أمام قبر جدّتك الوطيء كعتبة بيتها الرّيفيّ وجدرانه تدرك وهم اختلاف المكان ، فعندما جالستها على ما افترشته من دفء التّراب أمام بيتها المبنيّ بدفء حجر تلك الأرض ، المحتمي بفراغ المكان وبدائيّة الأسئلة ، أسئلة الرّحم الأوّل أو لغة القبر ، تدرك عجب التّماثل بين قبري حياتها وموتها …فهي مازالت تحتمي بفراغ المكان واستعصاء السّؤال .

جدّتك كانت غيمة علّمتك كيف ترتحل الغيوم …قالت لك ذات شتاء تتسارع فيه النّهايات وتتخم الأصائل بنحيب يلتبس بالصّمت : ” الغيوم تصريف الأزمنة …ونحن غيم تسارع به ريح لا تهبّ إلاّ من رحم ولا تسكن إلاّ في قبر…انظر ..أنا تلك الغيمة التي تباعدت فشحبت وتجعّدت ووهنت حركتها وأنت هذه الغيمة التي تعلونا ، انظر إلى كثافتها …إلى رماديّها الممتلىء المتراكم المؤذن بغيث وشيك أو بعقم صقيع .”

لم تدر إلى ذلك الحين أنّ أبلغ الحكم لا ينطق بها إلاّ أمّيّ لم يرتد يوما مدرسة و لا تخشّب فكره لفرط ملازمته خشب طاولات المدارس والمعاهد والجامعات ، فجدّتك لم ترتد غير امتداد المكان وفراغه وتشامخ السّماء وامتلائها في ريفك القصيّ كنقطة تقع على هاوية الجغرافيا .

ذلك الرّيف فضلة التّاريخ وذاكرة هذيانه يستند في رفق إلى آثار رومانيّة كما يستند الحفيد إلى جدّه …هو استناد ذاكرتين إلى بعضهما واحدة تحبو فيها العناصر وأخرى تنشد استعادة جوهر العنصر الأوّل …

ذلك الرّيف الذي تحضنه غابة صنوبريّة الرّيح إكليليّة العبق زعتريّته يطرب فيه الهواء فينظم مطوّلات الانتشاء بالحضور والغياب .

حين تجوب الغابة راغبا متوجّسا تقف على كهوف تصرفك بسواد مداخلها لأنّها لم تكن إلاّ محرقة حرب تعلم جدّتك أنّ سوادها كان حمرة دم سال وكان تونسيّا أو جزائريّا أو مناصفة أو “مرابعة” وتغريك اللّغة بالتّطاولعلى اعتباطيّتها فتنتزع منها الدّلالة وتجد أنّ تسمية الغابة ب” بو ربعيّة” لا يمكن أن تكون كنية فخر بالرّبيع الذي هو خضرتها الدّائمة بل هي نصيب الشّقيقين المتجاورين في عمليّة قسمة الضّحايا فلكلّ واحد منهما عدد يحصى ولا يحصى لكن لكليهما الشّرف كلّه فهو لا يحصى ولا يقبل القسمة …هكذا علّمك ريفك أنّ نصيبك من الشّرف مع إخوانك هو الشّرف كلّه.

ذاك هو ريفك المتّكىء على حواشي الوادي صلة رحم الأرض بين دماء أبنائها ، الوادي المزاجيّ الذي يباغت رعيان الرّيف ومواشيهم بحمله عليهم حتّى في الصّحو ذلك أنّ السّحاب وراء الحدود لا يؤذن بزحفه الأرضيّ والوادي المسافر في الأرض دون تأشيرة لا تعنيه غير هويّة الماء …و النّاس العراة إلاّ من يقين البقاء قد ائتلفوا مع تصلّب الأرض وما كانت لهم رغبة في غير سحاب يتلبّد في سمائهم وإن جرفهم في مجرى الوادي.

عجيب حبّنا للسّحاب ، أنحبّه لأنّه عطف الغيب، أنشتهيه شبقا لا نبتغي منه غير الولادة ليظلّ في السّماء دائما غيم يرتحل؟

1 تعليقك

  1. كلمات يوهمك ظاهرها بالتحليق في السماء وثناياها انشداد إلى مكان ينفتح على زمن أخّاذ سرمديّ المدى يمكنك إن تعرفت إليه أن تسبح للحظات لا يوجد فيها سوى المرح والسرور بين عشائر الوديان في واد ذي زرع بذاكرتنا ينبت أحلاما

اترك رد