الأغنية الشعبية في تونس – ج1


 

(1) – تعريفها
الأغنية الشعبية هي ذلك النوع الجميل من الأدب الشفوي تعكس حالة الفرد وبإعتبار أنّ الغناء مرتبطا أشّد إرتباطا بالعاطفة إذ نجد الأنسان يغّني في السرّاء والضرّاء .

أ – لغة: “ﻤﺄﺨﻭﺫﺓ ﻤﻥ ﺍلفعل ﻏنّى، ﻭﺍالغناء ﻤﻤﺩﻭﺩ ﻓﻲ ﺍلصوﺕ، ﻭغنّى ﻴغّني ﺃﻏﻨﻴﺔ ﻭﻏﻨﺎﺀ ﻭﻏنّى: ﻁﺭﺏ ﻭﺘﺭﹼﻨﻡ ﺒﺎلكلام ﺍلموﺯﻭﻥ ﻭﻏﻴﺭﻩ، ﻭﻴﻘﺎل: غنّىﺍلحماﻡ صوت”
ب – إصطلاحا:
“الغناء لون من ألوان التعبير الإنساني عن أحاسيس النفس ومقياس على مدى رقّة الشعور” . والأغنية تعبّر تعبيرا صادقا عن حياة الإنسان في ذاته و بيئته الإجتماعية والطبيعية فهي”لون من ألوان التعبير الإنساني” وشكلا من أشكالا التعبير الشعبي الشفوي تتناقلها الذاكرة والأفواه منذ وجد الإنسان على الأرض”يعتبر الغناء صاحب إبن الإنسان من الترنيمة في المهد إلى النواح والرثاء في اللّحد،نشأ معه ليكمل ما تعجزعن أدائه اللغات من رقيق العواطف ودقيق الأحاسيس،ويبلغها إلى دخائل المشاعر لأن الأصوات الرخيمة الموقعة بتجانس مألوفة عند قوم إعتادوا عليها،تدخل للأذان دون إستأذان وتنشرح لها نفوس الأقوام الذين إعتادوا على مثلها”
وتحتّل الأغنية الشعبية مكانة مرموقة وهامة بين ألوان الموسيقى المتنوّعة والمختلفة لأن هذا النوع الأقرب إلى قلوب الناس حيث تّطربهم وتسّليهم وتروّح عن نفوسهم،ولعّل بساطتها وجمال ألحانها ونبّض الروح فيها جعلها خالدة إلى يومنا هذا”فالذي لا شّك فيه أنّ

الموسيقى الشعبية تعبير فنّي صادق عن الجماعة الشعبية التي تتبناها لأنها تنّبع من رغبتها الجمعية في التعبير عن نفسها دونما إنتظار لشهرة أو كسب مادي”
وهي المرآة التي تعكس صدّق المشاعر والأحاسيس والأمال والطموحات لشعب ما حيث تحكي عن همومه وأفراحه وجّل مشاغله المختلفة “مفرجة الكربات ومسليّة الخواطر ومجلية الأحزان ومنشّطة العزائم،وغذاء الأرواح،ومرآة الصورة الجميلة ومرعاة الإئتلاف والتحابب” .لذلك لا نجد شعبا توقف عن الغناء سواء كان مفرحا أو حزينا لأنه في النهاية تعبيرا صادقا على الحالة النفسية التي يعيشها الفرد في ذلك الوقت “فالموسيقى الشعبية هي واحدة من التعابير العفّوية لموسيقات وأغاني الشعوب التي تظهر على طول الألفية في تاريخ ثقافتها”
ولقد تعدّدت التعريفات وتنوّعت حيث يرى معجم الفلكلور أنّ “الأغنية الشعبية هي الشعر الشعبي والموسيقى المصاحبة له اللّذان ترددّهما الجماعات التي ينتشر أدبها بالرواية الشفوية لا بواسطة التدّوين والطباعة” ويرى “هجرتي” أنها قصيدة غنائية ملّحنة مجهولة النشأة ظهرت بين أناس أميين في الأزمان الماضية،ولبثت تجري في الإستعمال لفترة ملحوظة من الزمن،وهي فترة قرون متوالية في العادة” . فالأغنية الشعبية هي لسان شعب ما تحكي عن أماله ،طموحاته،أفكاره،همومه،أفراحه وأتراحه وغلبا تحاكي الطبقة الكادحة تؤدى بصوت بشري يستعمل حنجرته وحباله الصوتية مع لحن قائم على الإرتجال وإيقاع بسيط للتعبير عما يختلج في صدره”ما الأغاني إلا أخلاق ولغة وعوائد وتشخيــــص وغنج وإنتحاب،وتمثل أحسن الصور وأقبحها…تدع فيه لأصواتها حركات وتمّوجات،بخفّة،وحدّة،وثقل،ورخاوة،ولين…فإذا ذكر الفراق أنبأتك لهجته على دمعه

المهراق وإذا ذكر المحبّ أنبأتك ذلتّه بصارم يقرع وتين القلب،وإن عرّج بك على ذكر الأطلال هيّج منك تهدّج صوته البلبال” .
ويذهب “عبد الكريم العطياوي” إلى قول”إن الغناء الشعبي هو عبارة عن قصائد شعرية ونثريّة موزونة يغنّيها الرجال والنساء في مناسبات الأفراح،وتسمى عندنا (القسيم) كأن يكون المغنّي وسط إثنين أو ثلاثة أو أربعة فما فوق من أقرانه”
ﻭﺍﻷﻏﻨﻴﺔ ﺍلشعبية ﻜﻤﺎ ﻋﺭﻓﻬﺎ “ﻓﻭﺯﻱ العنتيل”ﻫﻲ: “ﻗﺼﻴﺩﺓ ﻏﻨﺎﺌﻴﺔ ﻤﻠﺤﻨّﺔ، مجهولة النشأﺓ، ﻨﺸﺄﺕ ﺒﻴن العامة من الناس في أزمنة ﻤﺎﻀﻴﺔ ﻭﺒﻘﻴﺕ ﻤﺘﺩﺍﻭلة ﺃﺯﻤﺎﻨﺎ ﻁﻭﻴﻠﺔ.ﻭﻓﻲ ﻫﺫﺍ ﺍلنوع من الأغاني لا يهتّم الناس بمؤلف ولا ملحّن”

(2) – خصائص الأغنية الشعبية :
إذا تمعنّا جيدا في الأغنية الشعبية فسوف نجدها تشترك مع غيرها من الفنون الشعبية الشفوية كالشعر والأسطورة والحكاية والأمثال والسيّر…في الخصائص بفضل الذاكرة القولية الجماعية التي تحفظها بعد أن تجري عليها بعض التعديلات كالزيادة والحذف وذلك بما يناسب.ولعّل أهّم ما تتصّف به هو “الحيويّة والمرونة” بإعتبارها “تتغيّر وتتعّدد بإستمرار” ،حيث تختلف كلمات الأغنية من مغّن إلى آخر وكلّ يزيد وينقص حسب رغبته”فقد ينسى المغّني النصّ فيستكمله من عنده أو يجود فيخرجه التجويد عن النصّ فيزيد عليه،أو يحاول أن يبدّل النصّ فيزيد عليه،أو يحاول أن يبدّل النصّ ليوائم المناسبة التي يغنّي في ظلها” ،وهذا يكون الإرتجال تلقائيا وعفويا.
فالأغنية الشعبية تعّبر عن فرح الجماعة في حالة فرحهم كما تعبّر عن حزنهم في حالة بكائهم وآهاتهم،وتكون متنفسا لهم في أعمالهم اليومية وهي بذلك تعكس حالة الفرد في كل لحظاته،لذلك تكون “مرنة”،كما تتميز الأغنية الشعبية “بصبغتها الجماعية” بإعتبارها تراث شعبي شفوي نابع من الجماعة يعبرّ عن أحاسيسهم ورغباتهم فليس للأغنية الشعبية قائل أو مؤلف محدّد لتبّدلها وتغيّرها بإستمرار “وعند ذلك يهمل أو ينسى أسم المؤلف ولا يظفر بالإهتمام سوى النصّ الذي إرتضته الجماعة وتصبح الأغنية جزءا من الأدب الشعبي والمأثورات الشعبية الصادرة عن الوجدان الجمعي للشعب المعني بعد إغفال إسم مؤلفها الأول وتبدأ تنتقل من جيل إلى جيل بالمشافهة والتلقين من خلال أطر وقوالب مرنة تتسم بالسعة والشمول الكافيين لتصّب فيها مضامين تلك المأثورات والأغنيات الشعبية”

إن الأغنية الشعبية في مجملها مجهولة الهوّية لا يعرف مؤلفها،وفي بعض الأحيان لا يعرف تاريخها وهي وليدة الإرتجال كما أنها وليدة ظروفها وكلامها”
كما يذهب خواجة إلى قول “فالأغنية لا يمكن أن تصبح شعبية إلاّ إذا تبنتها مجموعة ما وحفظتها ذاكرتهم فالأثر الثقافي لا يصبح أثى جماعيا(فلكلوريا)إلاّ عندما تتبناه مجموعة ما وتعدد فيه وتغيره وفق حاجياتها الإجتماعية ومتطلباتها النفسية” .دون أن ننسى ما تتسم به الأغنية الشعبية من تداول وإنتشار بين أفراد الشعب وذلك لما تتميّز به من بساطة وسهولة في اللحّن والكلمات والإيقاع”بسيطة في تلاحينها ولم تحتفظ كل الأغنيات الفلكلورية بكلامها الأصلي،إذ طرأت على هذا الكلام تعديلات كليّة أو جزئية بحيث كان مردّدوهذه الأغاني يرّكبون كلاما جديدا على اللحن القديم،وحتى اللحّن القديم لم يسلم من تعديلات لأنه لم يدوّن”
(3) – أنواع الأغاني الشعبية:
يمكننا تقسيم الأغنيّة الشعبية إلى قسمين إثنين ألا وهما:
 أغاني شعبية حضرية:
 أغاني شعبية ريفية
حيث أنّ إثنتيهما من الأصل الشعبي ويؤديهما الفرد شفوّيا

(أ) الأغنية الشعبية الحضرية:
وهي التي برزت في المدن الكبرى وإنبثقت فيها وأصبحت متداولة والأغنية الشعبية الحضرية تنقسم بدورها إلى قسمين إثنين فمنهما ما يؤدى بالألات الوترية (كالعود،الرباب،الكمنجة،القمبرى) ومنهما ما يؤدى بالألات الشعبية(كالمزود،الزكرة،الطار،المندولية،الدف…)،حيث تكون بسيطة اللحن”تتركب من مذهب أوردة وأدوار أو أبيات وقلما نجد لحن الأبيات مغايرا للحن المذهب،وتبنى الألحان على إيقاعات شعبية خفيفة بإستثناء الفوندات التي يمكن أن تكون على إيقاعات كلاسيكية مثل البطايحي” .وكلمات هذه الأغاني يغلب عليها الطابع البدوي في لهجتها وحتى في معانيها،حيث يفسر “الصادق الرزقي” ذلك ويقول بأنه راجع إلى”قوة الإختلاط وتأثير الأغلبية والحال أن أهل البادية لا ميل لهم للهجة الحضرية وأغانيها”
ب-الأغاني الشعبية الريفية:
إنّ الأغنية الشعبية الريفية منتشرة بكثرة في جّل الأوساط الريفية في تونس رغم أنّ الأهتمام بهذا اللون الشعبي يكاد يكون مغيّبا بعض الشيئ من قبل الباحثين،ويندرج هذا النوع من الأغاني ضمن عراقة القوالب البدوّية “التي تتميّز بتركيزها على النّص وعلى كلمات الأغاني أكثر من الجانب الموسيقى”
وتتفرّع الأغنية الشعبية الريفية إلى قسمين ألا وهما:
أغاني ريفية التي تكون مصحوبة بالآلات الشعبية وهذه الآلات نوعان نوع مصّوت كالزكرة والقصبة والفحل والمزود وكلها آلات نفخ.

الزكرة: وهي “السورنا ” الأعجمية وإستعمالها عندنا مصاحب في الغالب للضرب على الطبول،وهي كثيرة مطروقة عند أهل البادية”
القصبة: “”وهي قصبة تشبه الفحل إلا أنها أطول منه وأغلظ ذات صوت أجش،ابحّ،وإستعمالها شائع بكثرة عند البوادي ويستعملونها مع الدفّ غالبا”
المزود:يخرج صدى الصفير منه بإفراغ جلد المزود (الظبية الصغيرة) من الهواء الذي إمتلأت به بنفخ الزامر حيث أنثقبه التي توضع عليهاالأصابع لإعطاء النغمات هي في الرأس”
الفحل: “يتّخذ من القصب يصنعه المولعون به،ولا يخرج صدى الصفير منه إلا بوضعه على الشفاه وضعا خاصا يميل قليلا”
أمّا بالنسبة للآلات الإيقاعية الشعبية فتتمثل في البندير والدربوكة و الطبل و الكراكب
البندير: ويسمى أيضا “الدّف” غالبا ما تصنع من الجلد وهي آلة تستعمل لمرافقة الأغاني الشعبيّة من نوع الربوخ وأغاني الطرق الصوفيّة”وهو الدفّ المستدير ذو الوترين الملامسين لجلدته،الممتدّين عليها في قطر إطاره من داخل، وإستعماله شائع بكثرة زعلى الأخّص عند بعض الطرق”

الدربوكة: “وهي عبارة عن نصف كرة يبلغ قطر دائرتها من جهة تجليدها ثلاثين صم أو أكثر أو أقّل وفيها بعض الإنفراج ينتهي بثقب تبلغ سعته ستّة صم تقريبا يمتّد معه عمق يبلغ أربعين صنتمتر تقريبا” ،مصنوعة من الطين ذات أنواع مختلفة ومتعدّدة،تستعمل الدربوكة بكثرة في ليالي الأفراح والسهرات الإحتفالية بجهة سليانة بإعتبارها المتنفّس والمعّبر عن ما يختلج في صدور مردّديها من فرح وحبور.
الطبل: “هو آلة شائعة الإستعمال في جّل البوادي والأرياف التونسية وهو عبارة عن طنبور من خشب مغلق من الجهتين بجلد خروف أو جلد العنز ويقرع عليه بواسطة عصا متينة وأخرى أقّل متانة تعطي الأولى الأوقات القويّة وتسّمى “الدبّوسْ” والثانية الأوقات الضعيفة وتسمى “مَطْرِقْ” ، وعادة ما يصاحب الطبّال فرقة موسيقية تتركب من زكاّر وطبّال أخر أو إثنين مع رقصات متنّوعة ومختلفة للتعبير عن فرحة الأهالي.
الكراكب:
كما نجد جزءا كبيرا من الأغاني الشعبية الريفية تكون غير مصحوبة بالآلات الموسيقية حيث تقتصر على الغناء بإستعمال الحنجرة والحبلين الصوتيّن فقط “فهي أغان طوّحة أي تغنىّ بصوّت ممدود وذي طبقة مرتفعة” . وهذا النوع من الغناء يمتاز بقوّة النبّرة التي تحاكي إيقاعا وهو ما يكسبها لحنا جميلا وممّيزا لحلاوة وقوّة الصوت ويطلّق على هذا النوع الغنائي “الغناء بالطويل”أو “الغناء بالصوت” كما يسميه أهل البادية،وعندما يطلب من المرأة أو الرجل الغناء في مناسبة ما يقال يا فلانة أو يا فلان هزّ أو هزّي بالصوت.والأغنية الشعبية الريفية يسميّها أهل البادية “بالغنّاية” “والغنّاية بضّم الغين وهي قصيدة أو أبيات شعرية وضعت خصيصا للتغنّي بها إما حسب ألحان سماعية متعارف

عليها أو حسب نمط غنائي يبتكره المؤدي لنفسه والغناّية يمكن أن يؤديها الفرد الواحد أو أكثر من النساء و الرجال غير أن المساعدة وجوبيّة فيها” .كما نجد لون آخر من الأغاني الشعبية الريفية وهو ما يسمى “بالطرق” “ومعناه الأصلي الصوت أو نوع من الأصوات أو النغمة أو اللّحن من ذلك أنه يقال “فلان هزّ بالطرق”أي غنّى أو تغنّى،وكأنّ معنى الطرق تمحّض في ما بعد شيئا فشيئا ليصبح دالا على النغمة أو المقام في المصطلح الموسيقي” كما يذهب “محمد الطاهر اللطيفي” إلى قول”الطرق” جمعه أطراق وهو التغنيّ ببيت أو بيتين من الشعر بإرتفاع تدريجي للصوت إلى إنتهاء مساحته مع إنثناءات وتمّوجات في النبرات ترتفع وتنخفض لزيادة التطريب بحسب ما يوجد في الساحة من ألحان متداولة ونحن نجد هذا النوع من الغناء في الذكر الصوفي وفي الأشعار المصاغة على وزن العروبي أو الصالحي وغيره” .

كذلك يمكن تقسيم الأغنية الشعبية إلى قسمين أخريّين بإعتبار كثرة الإحتفلات وتنوّعها ، والأغنية عامة صاحبت الإنسان منذ ولادته حتى موته “في كل مناسبة من مناسبات الحياة داخل البيت وخارجه وفي المناسبات العائلية وفي لقاءات السمر وإستقبال مولود جديد وخلال ختان الأطفال وفي حفلات الخطوبة والقران والزفاف وفي لقاء عائد وتوديع مسافر وفي الأحتفالات الدينيّة والأعياد وفي الراحة والعمل وفي المناسبات القديمة و الإجتماعية وفي كلّ شكل من أشكال ممارسة الحياة”

لا تعليقات

اترك رد