مسيحيوّ المشرق أنتم روحُ الأرضِ وذاكرتُها


 

لم يكن الحب ّ يوما في حاجة إلى استدلال ولكنّهم أََحوجُونا إليه عندما مدّت القلّة المارقة جسورا للكراهيّة واحترفتالقتل والسّبي والترحيل في حق ّ إخوة لنا على هذه الأرض هم غرسُها الأوّل .نحن المقحمين قسرا في نون الجمع مع من نسبوا أنفسهم إلى الإسلام أولئك الذين رفعوا راية سوداء للكراهيّة ، لم تمثّلنا ولن تمثّلنا يوما . نحن الذين لم نعد نشعر بالخير ولا بالسّلام وعلى الأرض نفسها وفي هذا الشّرق إخوة يقاسموننا الهواء ويلتحفون نفس السّماء ويبيتون على ضيم. وليس هذا رمي ورود على جرح نازف ولا هو دعوة إلى الّتسامح الدّينيّ . التّسامحُ الّدينيُّ محضُإدّعاء ٍ وكلامٌ منمّقٌ لا روح فيه. فأن تتسامح دينيا ّ ، معناه وكأنّك تقول لصاحب البيت مرحبا بك أنت في بيتك . إنّه ذاك العنوان الكبير الملغِز لمعنى مُضمر نبطن فيه أنّنا نحن المركز وغيرُنا الهامش . وكأنّنا لفرط تَطاوُلنا ،نطل ّ من تلك العلياء لنقول لذلك الغير أنّه صنو لنا وند ّ نقول ذلك تفضّلا منا ّ لا قناعة .. التّسامح الدّيني ّ هو تلك الالتواءة في الكلام التي تمنح الحقيقة خفية لطرف ما وتنزعها عن آخر وكأنّه أخطأ أن لا يكون شبيها ، ولأجله يأتي السّماح والغفران …إنّه المعنى الذي لا يقوم إلا متى خلقنا المسافة مع الغير واعتبرناه غريبا آويناه أو عدوّا شملناه بعفونا … لذلك لست مع التّسامح الديني بمعانيه التي ظهرت وبطنت فليس الدّين والتديّن محدّدين للأخوّة وليس المسيحيّون أغرابا في بلدانهم ولا هم عابرون.
الواقع والحقيقة أنّ مسيحيّي الشّرق هم رُوح هذه الأرض ورَوحُها . هم ذاكرتها التي تحمل إلينا صدى من عاشوا لآلاف السّنين التي خلت ، صدى مازالت الأرض تعبق بريحه ومازالت سحنات المسيحيّين تشي به . إنّهم السّلسلة التي لم تنقطع عبر التّاريخ وكأّنّهم عُجنوا مع طين الأرض لحظة خلقه .هؤلاء المُعتّقون قدم الأرض التي نبتوا فيها ففاضوا بجمالها وأفاضوا به علينا . لا يسعني وأنا المسلمة ألاّ أفتتن بجمال كنائسهم وفائض الجمال فيها .لا يسعني ألا ّ أُعجب بتدفّق الحياة فيهم ولا بانطلاقتها . لا يسعني ألاّ أحبّ فيروز وألاّ أصحو على صوتها . ولا يمكن لذاكرتي مهما كانت قصيرة أن تنسى أنّ فيروز غنّت للإسلام وللمسلمين ولم تفوّت لهم عيدا. لا يمكنني أن أُُسقط الرّحابنة من معادلات الموسيقى إذ أنبش في موازين الرّقي ّ.. ولا تخيّل الموسيقى دون نوتات مارسال خليفة فيها .لا يمكنني ألّا أطرب لصوت صباح وألا ّ يثقلني صوتها الأبحّ بالشّجن .لا يسعني ألا ّ أقرأ لجورج طرابيشي وأطرب لأدب النهضة وقد استحال على يديه أدبا وإبداعا وقد زاده من فيض نفسه وفيض لغته .و لا يمكن لمكتبتي أن تكون خلوا من جبران وميخائيل نعيمة ومي زيادة وأنطوان سعادة. … لم أفكّر يوما في دينِ من أسمعُ لهُ أو أقرأ سطوره .ولكن لو فكّرت ، كيف يسعني أن أفك ّ هذا الارتباط بين مسيحيّي الشّرق وبين هذا الفائض من الجمال الذي أثّثوا بههذه الأرض أدبا وغناء ومسرحا وكتابة ؟ كيف أسقطهم من تكويني وهم بعضُه ؟
لن أتحدّث عن التّسامح الّديني ّلأنّ المسيحيّين بعض منّا ، ولا مسافة بيننا تجيز السّماح .لا يعني هذا أن المسيحي ّ عليه أن يكون جميلا ليحيا بسلام ، فتلك أرضه وهذه دياره لا ينازعه فيها أحد كائنا من كان وكيفما كان هو . هو فقط حديث اعتراف وامتنان لمن شكلّوا نسيجنا الثقافي وكان لهم فيه الكثير من السّبق إن لم يكن كلّه .ولا يعني أنّني أتحدّث باسم الإسلام ولا المسلمين، أتحدث باسم الإنسان فقط وفي الإنسانيّة يستوي الإنسان بدينه وحتى بإلحاده .ولكنّها نون الجمع تجمعنا قسرا مرة أخرى مع بعض القتلة وتضطرّنا إلى موقف دفاعي ّ لجرم لا ذنب لنا فيه . ذنبنا أنّنا محسوبون على دين رُفعت بعض راياته باطلا .
وإنّي لأعجب مِمّن يقدر على اتّخاذ تلك المسافة التي لم أستشعرها يوما .المسافة التي يقتضيها القول أنا مسلم وذاك مسيحي، ّ مسافة لا يقدر عليها إلّا من سكنت قلبه الأحقاد وملأ عينيه ضيق الأفق . أولئك الذين ينبشون في النّصوص القديمة التي تآكلت واصفرّت يبحثون في متونها كما هوامشها عن لفظ ساقط هنا أو ساقط هناك يُشرّع للكراهية ويُشرع أبوابها.أولئك المارّون عرَضا بكل نصوص المحبّة الواقفون عمدا على كل كلّ دواعي الكراهيّة .
وإنّي لأعجب كيف يمكن لهذا الشّرق الأرعن أن يحبوه التاريخ بذلك التنوع وتلك الفسيفساء البشريّة التي تصنع لوحة ، فيحوّل اللّوحة إلى دم . لطالما غبنت الشّرق وأنا ابنة بلد لم تتقاتل دياناته ولا طوائفه لأنّه خلو من ذلك التنوع ، لطالما غبنت الشّرق أن أتيحت له فرصة العيش مع ذلك الخليط ليختبر آدميته وليعرف الإنسان فيه .. وإلى حد ّ ما أخفق الشّرق . رحيل المسيحيّين عن المنطقة مُفزع ، ولا يدري النّاس أيّ تفقير روحي ّ ينتظر المكان عندما يهاجر مسيحيّوه هجرة قسريّة لا عودة فيها .لا يعرفون خطر أن تنقص من تلك الفسيفساء الرّائعة بعض حبّاتها . فسيفساء نُسجت على مر ّ التّاريخ . وزهت بألوانها ولم تكتمل إلاّ بذلك الجمع .
أن تنفرط تلك الحبّات اليوم ، ليس معناها أن يخسر المسيحيّون فقط . ولكن سيكون المسلمون الخاسر الأكبر إذ يحكمون على أنفسهم بالعزلة في عالم يستحث ّ فيه الناس الخطو ليتجاوروا تباعا .
للمسيحييّن كل ّ المحبة والسّلام ولا تؤاخذونا بما فعل السّفهاء منّا فهم ليسوا منا ّ.

لا تعليقات

اترك رد