الرِسَالة


 

_ هناك فى إحدى ضواحى باريس جلس السيد “إبراهيم” ذلك الرجل السبعينى فى دُكان بِقَالتِه الصغيرة ممسكاً بقرآنه.. وكالمعتاد مر عليه الفتى البائس “موييس”(موسى بالفرنسية) ليبتاع احتياجات المنزل بعد أن وجد “ذو الإحدى عشر ربيعاً” نفسه مُكَلَفاً بتنظيف البيت وإعداد الطعام لنفسهِ ولوالدهِ الكئيب المتجهم دائماً.،
_ وكان “موييس” فى كل مرة لا ينصرف من دُكان السيد إبراهيم قبل أن يسرق عُلبة “سردين” صغيرة ويضعها خِفْيَةً فى جيبهِ.. وعند شعوره بشئٍ من تأنيب الضمير كان يردد بصوتٍ خافت: “لا يهم..ما هو إلا عربى مسلم” تلك الجملة التى تعلمها من والده مؤكداً له أحقية “اليهودى” فى أخذ أموال وممتلكات أى عربى مسلم.،
_ لم يدرِ “موييس” أن السيد إبراهيم كان يراه فى كل مرة وهو يسرقه ولكنه يتعمد التغافل إلا فى اليوم الوحيد الذى نَسِىَ أن يسرقه فيه.. فقد بدا موييس شارداً فى آلام روحه وأحزانها ولم ينتبه إلا على صوت السيد إبراهيم يناديه فاستدار مستغرباً الأمر.. فإذا به يَمُد يده إليه بعُلبة سردين وهو يبتسم مرسلاً إليه نظرة حانية دافئة.،
_ توطدت من وقتها علاقة السيد إبراهيم و “مومو” كما كان يحب أن يناديه مُدَلِلَاً.. ولأول مرة فى حياته القصيرة يشعر موييس بالإهتمام بعد أن عرف الدفء ووجد الأمان.،
_ مرت عدة أشهر.. وغاب والد موييس عن البيت دون أن يعرف سبب غيابه أو مكانه.. إلى أن جائته الشرطة ذات نهار لتخبره بأنهم عثروا على والده منتحراً فى محطة قطارات مارسيليا.،
_ دون إبداء أسباب رحلت عن البيت ثم قررت أن ترحل عن الحياة بأكملها غير مكترث بمن تركت.. بهذه الكلمات خاطب موييس صورة والده المُسجاه على جدار ذلك البيت الذى تَلُفْهُ الظلمة والبرودة.،
لم أشعر يوماً باهتمامك أو بِحُبِك.. كل ما حصلت عليه هو نظرات التحقير وكلمات اللوم والتوبيخ.. ونبذٍ وإهمال.. وبعد ذلك كله هجرتنى بدمٍ بارد مثلما هجرتك وهجرتنى أمى وأنا لا ازال رضيعاً ودون أن أعرف السبب أيضاً.،
_ خرج موييس من ذلك القبر الذى انتحل صفة البيت طيلة تلك السنوات.. قادته قدماه دون أن يدرى إلى حيث يجد السكينة والحنان.. وألقى بنفسه فى أحضان السيد إبراهيم ثم نظر إليه طالباً منه أن يتبناه.،
_ هى نظرةٌ غريبة تجمع بين الرجاء والضياع.. نفذت على الفور إلى قلب السيد إبراهيم حتى استقرت فى أعماق وجدانه.، وأصر الرجل على تلبية تلك الأمنية لذاك الغَض صاحب الروح المقهورة.. بذل السيد إبراهيم مجهود مضنى حتى تغلب على البيروقراطية المتعلقة بإنهاء الإجراءات القانونية للتبنى.،
ثم اصطحب موييس بعدها فى رحلةٍ بسيارته إلى الأناضول حيث مسقط رأسه.. لِيُنسِييه سنوات الحزن ويمحو من روحه ذكريات الماضى التعيس.. فكانت تلك الأيام هى الأروع والأجمل فى حياة موييس.. بل كانت هى الحياة نفسها.، ولأن الأروع والأجمل لا يعيش طويلاً.. وبما أن السعادة لحظات فى عرف الحياة.. فقد رحل السيد إبراهيم عنها فى طريق العودة من تركيا إلى باريس.. وعاد موييس وحيداً.. ووجد أن السيد إبراهيم قد أوصى له بِدُكانهِ وسيارته.،
جلس موييس ابن الستة عشر عاماً على كرسى السيد إبراهيم فى دُكانه العتيق.. وبنظرةٍ عميقة تفحص كل أركانه حتى استقرت عيناه على “قرآنهِ” وعلى الفور قاطعت يداه تلك النظرة والتقطت “ذلك الكتاب” الذى فيه ريح “إبراهيم” والذى لطالما رآه موييس دائماً يفيض بالعِبرة والحِكمة.. فكم من نصائح ودواءات قُدِمَت إليه من رحم “هذا الكتاب”.. قدمها له السيد إبراهيم دون أن يدعوه إلى اعتناق الإسلام ودون أن يدعوه حتى إلى قرآته.. نعم لم يحدث هذا أبداً.. حتى بعدما صار موييس وحيداً.. بل حتى بعدما تبناه وأنزله منزلة الأبناء.. فقط هى كانت علاقة خاصة بل شديدة الخصوصية.. إرتقت فوق المُسميات.. وتنزهت فى نقاءها عن وصف الكلمات.

_ عاد “موييس” إلى موطنه.. وعدت أنا من تلك الرحلة الروحية إلى وطنى.،
ولم يبارح السيد إبراهيم وجدانى.. بينما ذهنى بقى شارداً وفيمن يقبع فى “الدوحة” ظل شاخصاً.. وعن وصفٍ يليق به مازال عقلى باحثاً وعاجزاً.،
_ إمام الفتنة والضلال ألم تروى ظمأك تلك الدماء والأشلاء.. وشذرات الأجسام المتطايرة.،
إقتتل بنو الأمة وأبناء الديانة الواحدة.، فبأى لعنةٍ قذفت “يابن الدجال” فى قلوبهم؟،
_ ألم تقف يوماً مع نفسك متسائلاً؟
ماذا جنت أمتنا من جرائر فتاوى الإفك والفتن؟
توقف ولا تبحث أنت عن إجابة بلهاء ساخرة..
فالإجابة قد فرضت نفسها واقعاً مريراً مستجيراً صابراً.. ومن الخزى والخذلان قد وقف عاجزاً يائساً..
وعلى حاله حزيناً متأسفاً، خَرابٍ ودمارٍ وقَتْلٍ وقَهْرٍ.. وهَتْكٍ ويُتمٍ وتَرَمُلٍ.،
_ألجمتم عقول من فُتِنوا بأحزمةٍ ناسفة.. رجالاً ونساءاً حتى الأطفال منكم لم تسلم..إغتلتوا برائتهم وألبستموهم الأكفان أحياءاً وكتبتوا عليهم “مشروع شهيد” فى “التحرير”.. ورابعة والنهضة شاهده.. وفى سوريا قيدتموهم بالأحزمة الناسفة.. إغتلتوا البراءة قبل الروح الطاهرة.. ولَأرضا دمشق وحلب وسماءهما عليكم حافظة وساخطة.،
_الآن فقط أيقنت أن هناك من يصرون عمداً أو جهلاً على صناعة دينٍ جديد.. دينٌ لا نعرفه ولا تعرفه السماء.، فَهُمْ لَمْ يدركوا بعد.. أن أنهار الإنسانية وإن اختلفت ألوانها إلا أنها فى النهاية تصب فى بحرٍ واحد.

_ لازلت فى وطنى.. فى أرض طيبة وتحديداً في قرية “طهنا الجبل” بمحافظة المنيا في صعيد مصر،
ظاهرة إنسانية يعجزا اللسان والقلم عن وصفها.. ويصعب على العقل استيعابها..
فقط.. لن يدركها أويلمس بهاءها إلا قلباً سليماً نقياً.،
_ إنه العم “عياد” الرجل المسيحى الذى تجاوز الثمانين من عمره والذى عكف منذ سنوات طويلة على تعليم أبناء قريته دروسهم، وتحفيظهم القرآن الكريم،
بعد أن حول بيته إلى مدرسةٍ تخرج فيها المئات من المسلمين والأقباط، غير أنه رغم تقدم سنه، ما زال مُصِراً على إكمال مسيرة ورثها عن أبيه منذ خمسة وستون عاماً.. وبدأها وهو فى العشرين من عمره.،
_ وقف العم “عياد” يتلو آيات القرآن الكريم ويفسر معانيها ببساطة لتلاميذه رغم اختلاف ديانته، يعطيهم حصصاً تعليمية تبدأ بعد انتهاء اليوم الدراسي يتعلمون خلالها أصول دينهم ومبادئ اللغة العربية والرياضيات.،
حفظ العم عياد القرآن مع زملائه المسلمين في المدرسة منذ صغره، واستطاع هذا المعلم الظاهرة، الذي مازال يحتفظ بجزء كبير من ذاكرته، أن يعلم نحو ألف وسبعمائة تلميذ مسلم وثمانمائة تلميذ مسيحي،
وتتلمذ على يديه كثير من أبناء القرية الذين تقلد بعضهم مناصب رفيعة فى الدولة. ،
_ فرسالة هذا الرجل لتعليم أبناء قريته كيفية التسامح بين الأديان وإرساء قيم المحبة بين البشر قد تجاوزت حدود بيته الصغير وحدود قريته ومدينته بل أنها تجاوزت حدود وطنه بأكمله لتُحَلِق بعيداً فى سماءِ الإنسانيةِ كلها وتطوف بأرجاء المعمورة وأطوف أنا معها متمنياً وملبياً.. وفى أهل الأرض أصيح مناديا:ً هل من سامعٍ خاشعٍ اليوم؟.
فقد جئتكموا بالمحبة والسلام من أرض الكنانة ومن أجل الخير سأبقى للنهايةِ ساعياً.

لا تعليقات

اترك رد