وداد الاورفه لي – لبست خاتم الاصالة ولم تخلعه


 

وداد الاورفه لي
لبست خاتم الاصالة ولم تخلعه
… كانت تعزف باللون أكثر مما ترسم به …

لو نظرنا الى لوحات ( وداد الأورفه لي ) التشكيلية العراقية فأنها تكرر أشيائها المجسمة في أعمالها الفنية من ( مدنوأضرحة وأهلة وقبب وزخارف وأنهار ) ، ان هذا التكرار هناقصداني وعفوي بذات الوقت يولد ايقاعا ، وكأنها تلعب ( بسلالم البيانو ) فهي تداعب الألوان وموجوداتها على سطح اللوحة بسرعة وتكرار لينتج نغما ومدنا حالمة ، نحن ندرك أنالتكرار بالنوتة أو اللفظ كفيل أن يصنع ايقاعا ولحنا ، فهي تلف مدنها بسلاسل وأساور من بيوت بغدادية وحدائق وأضرحة وجوامع ونخيل منمنمة أي بأشكال صغيرة تحيط بها بحيرة أو نهرا وكأن الماء هنا هو امتدادا لشرودها وغيابها عن العالم اللحظي المعاش الى عالم افتراضي تخلقه هي وكما تتمنى أن تعيشه بخيالها وأحلامها .

أعتقد أن التكرار في لوحاتها وموضوعاتها من ناحية الرموزوالدلالات التي توظفها في لوحاتها أنما تمثل طبيعة العراقومدنها وموروثها المحلي والموروث الاسلامي أي بمثابة تعميقالدلالة الانتمائية والهوياتية للوطن والثقافة الاسلامية ، معبرة عن مخاوفها من ضياع هويتها وانتمائها وكأنها تدرك أن خطراًمحدقا يكتنف الهوية والانتماء والثقافة .. وقد تكون هذهالمخاوف نعزوها لأسباب سياسية وخاصة لما جرى على العراق من تطورات وأحداث سياسية منذ نهاية الخمسينيات وهي تسير بشكل دراماتيكي سريع وتبدلات في جوهر الأنظمةالسياسية فيه فتحوله من نظام ملكي الى نظام عسكري الىنظام قومي … الخ .
وقد يفسر أن التحول بالذائقة الفنية للفنان العراقي والمتلقيبدأت تأخذ منحا آخرا نتيجة الانفتاح على ثقافة الآخر ودخولمدارس ومذاهب فنية كثيرة بعد عودة التشكيلين العراقيينالذين أنهوا دراستهم في مختلف الدول الأوربية ، مما جعلالفنان التشكيلي العراقي يتأثر بالمدارس الجديدة ومحاولتهتقليد هذه المدارس من ( تجريدية وتكعيبية ورمزية وتعبيرية وسريالية ) فغيرت من تكنيكاتهم وأدائهم من جهة وعلى البيئةالثقافية المحلية من ناحية الذائقة الجمالية من جهة أخرى.

( ووداد الاورفه لي ) لم تكن بعيدة عن هذا المشهد وهذه الأجواءالتقليدية لتجربة الآخر ، وخاصة في بداية مشوارها الفني فقدرسمت وقلدت أغلب المدارس الفنية ، لكن بعد تمكنها منأدواتها واكمال دراستها وانفتاحها بشكل كبير على الفنونالأوربية والاسلامية في الأندلس واقامتها للعديد من معارضهاالفنية في ( بون ولندن ونيويورك وعمان ) واختلاطها بمختلفالفنانين ومشاهدتها للمتاحف والأديرة والنصب الأوربية والآثارالاسلامية في الأندلس وتونس والسودان ومصر وبيروت ودولأوربا الشرقية ودراستها لبعض الفنون الحرفية في باريس ، كذلك اطلاعها على الكم الهائل من المعارض والتحف الفنيةالمعروضة في أشهر متاحف أوربا بالإضافة للموروث الرافدينيوالاسلامي ، تمخض عن هذه التجربة الغنية والدراسةوالاختلاط والوعي أن تتخذ لها خطا فنيا وفلسفيا و وفكريا ، وذائقة تعبر عن ثقافتها الأم وتوازي طموحاتها بعد أن أعلنتالقطيعة مع المدارس الغربية لتخلق لها مدرسة جديدة ألا وهي ( المدرسة الأورفه لية ) – ان جاز التعبير – والمنبثقة من روح الفنالرافديني والاسلامي ، لتلبي حاجاتها النفسية والفكريةوالذوقية والانتمائية .
لوحات ( وداد الاورفه لي ) لاتشبه الا ( وداد ) نفسها الإنسانةوالفنانة والمثقفة بانتمائها العراقي المتجذر في وجدانها ،لذا جاءت لوحات ( الأورفه لي ) لتشكل قطعا موسيقية وألحاناأندلسية وبغدادية ، فيها روح الشعر والسرد المتمرد بخيالهاالخصب وجنون لحظاتها ، فحين تمسك فرشاتها فهي تغيبوتنقطع بشكل تام عن الواقع المؤلم – هذا الواقع الذي لا يمثلأحلامها – فتمردت عليه باللون والفنتازيا والاخيلة ، لا حدودلأحلامها ونهاية لأنهارها ، وفضاءها مطلقا ، ونخيلها الفارعمشاكسا للغمام ، وقبابها المخملية تستفز غسق الشمس بسحر ألوانها ، وأهلتها قد علت مدنها وحجبت ضياء القمر عنها ، لقدسوّرت الفنانة مدنها بالبنفسج وحشود عصافيرها وحمامها ،وطوقت شواطئ دجلة بقلائد وأساور عروس النهر التي تظهرغروبا بعد استراحة النهر لتحضن حبيبها تحت أشجارالصفصاف ، تؤكله الرطب وحبات السدر ، تحاول غواية ( أبينؤاس ) الغائب في دجى النهر يقرأ شعرا على أنغام زريابوينثر قوافيه على خصر جواريه ، فتنفض غيرة عروس دجلةوتصدح حنجرتها ( جلجل علي الرمان نومي فزعلي …. هلالليلة حلوة … حلوة وجميلة ……. اااااه …. جميلة ) مما أثارتفضول وعطش ( أبي نؤاس ) لجمال صوتها وكلما دنت من حفلة سمره أنارت الشواطئ بترف بياضها وزهر خدودها ، فشبت نيران جنونه .

لقد ألبست ( وداد ) عرائسها وجنياتها قلائد جمان وفصلت فساتينها من قداح المشمش وزهر الليمون ، وكحلت عيونهامن سواد أرض الرافدين ، ولونت شفاهها بحمرة الرمان ، فكانما كان فناً راقياً فيه ترفا وذائقة وسحرا قل نظيرهما ، تاركة خلفها ألف لوحة مذ أول لوحة رسمتها في بداية عام 1950 ( امرأة برداء ابيض ) الى عام 2011 ( لوحة البنفسج ) .

لا تعليقات

اترك رد