السلطة والتسلط


 

يقول الفرنسي الان فان:” ان ممارسة السلطة بلا رقيب يمكن ان تجعل الحكيم مجنونا كما انها قد تفعل العكس تماما اي انها تحول المجنون حكيما “.لكن أ لم يعلمونا بانه لابد من وجود يد فوق الايادي لمساندتها ولمؤازرتها وحتى لقمعها احيانا .. أليست هذه هي الديمقراطية ؟ اذن قد كذب جورج بوردو الفرنسي حين قال بان الديمقراطية هي التعبير القانوني لاستعمال الحرية وهي التعبير الخارج عن الارادة …. لكن الارادة محدودة .. خاصة حينما نمتلك سلطة اتخاذ القرار. أكيد هي محدودة والا ما ورثت الاعراف وسنت القوانين . والغاية هي كبح جماح الغرور والتمادي في فسح المجال اللامتناهي للأنا…. فالديمقراطية لا يمكن فصلها عن الحرية ، لكن مع الاسف بعض الساسة والحكام والمسؤولين لا ينظرون اليها الا من زواياهمالإيديولوجية أو الانتمائية أو هلوستهم النابعة من الأنا الحقيرة المريضة وهو أكيد ما أدى الى ظهور العديد من الصور للحكم والحكومات وبالتالي للسلط.

و لقد تفشت الظاهرة لتصبح مرض العصر خاصة في دولنا العربية الشيء الذي يدفعنا لطرح السؤال التالي: هل الديمقراطية صالحة كنهج سلوكي لبلداننا العربية؟أم انها مجرد ثوب لا يليق بمجتمعاتنا لأنه ليس من صنعنا؟ فاين اذن تكمن العلة؟

العلة ليست في النهج وانما في العقول ، في التشبث القوي بالموروثات الخرافية … الديمقراطية سنة العقول السليمة من تربت على القيم والتسامح والاخوة وقبول الاخر بسلوكياته والرضوخ للاملاءات القويمة والسوية …. الديمقراطية خضوع لحرية الاخرين لانهم المجتمع و لأنهم القاعدة …لكن مع الاسف لا شيء من هذا في بلداننا الا من رحم ربك ، فكثير منهم من يمتطيها دريعة ليطلق العنان لسلوكيات تنخر المجتمع وتفقده ثقته ليس بنفسه فحسب بل بالجهاز ككل ومن بين هذه السلوكيات استعمال السلطة والتسلط .

ان السلطة ضرورية لتنظيم الحياة اليومية العامة في المجتمع،.. من غير ممارستهاتتحول الأمور إلى فوضى عارمة يأكل القوي فيها الضعيف …. السلطة هي الوضعية التي تمتلك فيها حرية اتخاذ القرار هذه الحرية لا ينبغي ان ينعم بها في الاصل كل من هب ودب لانها قرارات مصيرية قد تؤخذ في حق اشخاص او عائلات او حتى المجتمع ككل بجرة قلم ان صلحت اصابت وان جارت اضاعت كل شيء وربما اقبرتحضارات كما نشاهد الان ببعض الدول الشقيقة . فللسلطة رجالاتها مهاراتهممكتسبة اكيد وليست متوارثة مصقولة بالعلم والتجربة ، صاحب السلطة يجب ان ينعم بالفطنة والذكاء والعلم وبالقانون ، لديه كفاءة علمية وفكرية وثقافية عالية في ميدانه ويجب ان يستحقها… السلطة اذا لم تستعمل في اتجاهها الصحيح ستفتح الباب على مصراعيه للجاهل المتعجرف لينهال كالسيل الجارف على كل من يقف امامه وفي هذه الحالة تصبح السلطة تسلطا.

فالتسلط اذن هو الاستفاذة المطلقة من موقع السلطة للتجبر في اتخاذ القرارات واجبار المرؤوسين على تنفيذها من دون نقاش او فسح مجال لتبادل الآراء حول مشروعيتها وجدواها ومدى صحتها وفعاليتها … التسلط هو الحالة المرضية التي يؤمن فيها المتسلط ب انا اريد والكل صفر على الشمال .. والسلطة بحسب بيير داكو، تمثل للمتسلط ، أمناً داخلياً له، وشعوراً بالزهو والرفعة والمهابة، رافض لأي حوار أو مناقشة لسيطرته وسطوته، واكيد المتسلط انسان جبان وعدواني لانه يبدأ بالهجوم خوفا من ان يهاجم .

ويرى إريك فروم، أن الشخص المتسلط ، هدفه هو السيطرة الانفرادية، والهيمنة المطلقة على الآخرين، تسيطر عليه مشاعر الإعجاب بالسلطة وبالكبرياء ، يريد أن يمتلك زمام الأمور و يخضع الآخرين لمشيئته وإرادته.

ولذلك يرى الان فان بأن ممارسة أي سلطة في غياب الرقابة والمساءلة والردع ، قد تجعل «الحكيم مجنوناً» لأنه يظن بأنه هو الوحيد من يستطيع التحكم في كل شيء بارادته لا بمشروعية وارادة الناس ، وعلى عكس ذلك يمكن أن يتحول المجنون إلى حكيم، عندما يصحو ضميره ويتحرر من كل قيود الانا المريضة المتعسفة وتراه يفرض الاصلاح ينصح ويؤازر وكان شيئا لم يكن .

ما احوج العرب الى صحوة ضمير تطهر الايادي الاثمة المغتصبة لحقوق الشعوب والافراد ، ولردع كل المتجبرين القتلة من ظنوا ان ليس كمثلهم احد في الوجود … فلا فاقت ضمائرهم ولا انارت عقولهم حمقى ومعتوهين …. جثامين ابناء شعوبهم تفترش الثرى واخرى تمتصها طحالب اعماق البحار … لم يكفيهم الدمار بل اثروا على الصبية بالسموم الكميائية كانهم الديدان او الحشرات امر فضيع …. المناصب اصبحت تتقاسمها الاحزاب والعائلات لا يهم شرط الكفاءة لديهم لانها تكتسب مع تكرار السلب والنهب يعرفون من اين تاكل الكتف … المنصب لمن يدفع اكثر وللمنعدم ترقب وانتظار ليقتات من الفتات في خيرة الاوقات ابان الانتخابات او المهرجانات … العلم في الرفوف قد انهارت حروفه من كثرة العزوف ، فلا الاديب اديبا ولا العالم عليما ، الكل اصبح يهوى الغناء فلا الطرب طربا ولا الماتم ماتما هكذا اريد لها ان تكون صفر عوض المليون والمثال خان شيخون ….

لا تعليقات

اترك رد