فرن عبوشيه!

 
(لوحة للفنان مزهر نزار)

بعدما انتهى من صلاة الصبح،ابتدرته؛سلة الخبز فارغة،في صمت تعلوه الكآبة خرج يجر رجليه ناحية الفرن، هناك ذوو وجوه كالحة،إنها تتسابق في تدافع غريب،التشاحن سمة الواقفين أمام شباك صغير يلقمهم الأرغفة،الفران متذمر،والنسوة قطعن شعورهن،الأطفال في وصلة سباب بذيء،وقف متحسرا؛أنى له أن يعود لصغاره بخبز كفاء يوم؟!
لو رجع دونه لتوجعوا،فقد صاروا ذوي بطون ضامرة،الجوع ملهبة،الخوف من الغد ماثل في أعين تترقب الهم إنه ماثل في أثوابهم، لكنهم كابرون رجموا سيدهم، تولى أشقاهم جريرة ما فعلوا، ثملوا كبرا، وارتدوا يحملون البؤس.
وعاء الأرز لم تبق به إلا حفنات،تكاد تهرب حباتها،المرتب ما عاد يكفي إلا لثلث الشهر،بقايا تمر كان قد اختزنه لمثل هذه الأيام العجاف، طوال الثمانية عشر يوما كان طعامه، يوم أن تطهر من رجس السنوات التى اختال فيها السوط، استرد مكانه تحت الشمس،الشاة الوحيدة التى أعدها ليحلب لبنها،أبت هي الأخرى أن يمتليء ضرعها لبنا،ليكف عن هذا،ثمة ورقة معلقة عند باب المسجد تأمر الجميع ألا يبثوا حالة من اليأس،الملصقات تحث الناس أن يشبعوا بالأمل،أن يتدثروا بذلك الغطاء المزين بشعارات ستطعمهم المن والسلوى،الترقب سيد الموقف؛هذا كان جده العمدة،وتلك تسولت كثيرا من أجران القمح؛حين فاض النهر،لم يتذكر متى حدث هذا الجوع ،الأرض من حوله صارت غراقة؛أن جادت عناية الله ماء!
كل رجال الباشا صاروا مثل وحوش تغتال في خفاء،ثم هي الآن تعالنت بالسوء،تترقب من يتفوه بكلمة،السجن مظلم كئيب تسكنه الوحدة،يسامر فيه البق والبراغيث جسد المنسي،تكتم آهة لو أتيح لها أن تنطق لقالت أنا آسفة !
كنت مخدوعة يوم أن تركتها تتراقص في تشف أحمق!
ما عاد يجدي البكاء ولا العويل،انقطعت الكهرباء،الأصوات تعالت في نزق،سيعود وقد امتلأت سلة الخبز بالأماني الكذاب،عند باب البيت تقف لتعد للصغار طعام الإفطار،أخرجت قطعة الجبن الأخيرة من بلاص أكل الدهر حافته،صار مثل فوهة بركان تقذف بحمم من ديدان،لأول مرة يشعر بالعجز؛ ما ذنب هؤلاء الصغار؟
في مرارة أخبرته: بعض حبات التمر، كنت قد اختزنتها لمثل هذا اليوم.

لا تعليقات

اترك رد