السباحة في بحيرة ايدث سيتويل

 

ما زالت الشاعرة الدكتورة هناء البياتي تأتيك بكل ما هو جديد ومدهش في عالم الأدب المقارن، ولسنا نخال أن يهدأ لها بال حتى تجعل هذا الضرب من ضروب الأدب يتخذ الحيز الذي يستحقه بين شتى الفنون ،استاذة جامعية متمرسة اخذت على عاتقها الاهتمام بترجمة روائع الشعر العالمي ونوادر القصائد لتضعها بين يدي المتلقي وهي بأبهى حلة ، دون ان تمس جوهر القصيدة او تتصرف بمضمونها خلاف مقصد الشاعر،اذ تحكمها الامانة العلمية التي تعدها خطا احمر لا يجوز مجرد الاقتراب منه تحت أي مسمى.
ان شيئا مما جعل الدكتورة البياتي تنجح في هذا الضرب الصعب من الادب،هو كونها تنظر الى ناظمي هذه القصائد وكأنهم شخوص بينها وبينهم مودة وصداقة عميقتين وليسوا مجرد سير صماء رصت على ورق ،فهي تسبر أغوار نفوسهم وتحاول محاكاة مكنونات قلوبهم وتدرس الظرف الزماني الذي احاط بهم والظرف المكاني الذي حواهم ،وبعد ان تنعقد الألفة بينها وصاحب القصيد تبدأ لتترجم له وهي تستحضر خلجات نفسه ومشاعره وآلامه وانفعالاته ثم تسبغ على القصيدة من ابداعها وخبرتها العميقة لتكون في النهاية قصائد عربية جميلة وان كان ناظمها لا يمت للعربية بصلة..
اليوم خاضت الدكتورة هناء البياتي مغامرة ربما يحذر الكثيرون من الخوض فيها، اذ انها ولجت عالم الشاعرة البريطانية ايدث سيتويل ،تلك الشاعرة المحكومة بالغموض والتعقيد والمتبتلة في محراب الرمزية المكثفة حتى حيرت بعض قصائدها كبار النقاد في حقيقة ما ترمي اليه وما تذهب افكارها نحوه،فهي تجافي الأسلوب القائم على الوضوح والدقة والمباشرة،وتتجاوزها الى الضبابية والعالم اللا محدود والحالات النفسية الغائمة والتغلغل الى خفايا النفس العميقة ،حتى اصبحت مسألة فك طلاسم قصائدها نوعا من التكهن والاجتهاد .
هذه الشاعرة التي تعد من عبقريات هذا القرن النادرة ، يمكن ان نسلط الضوء قليلا على حياتها القلقة المضطربة المثيرة للجدل كي نفهم طبيعة شعرها، فقد ولدت عام 1887 لعائلة تنتمي الى الطبقات العليا من المجتمع في انكلترا، لكن هذا الانتماء المخملي لم يهب شاعرتنا غير مزيد من البؤس والحرمان ،اذ لم تنل كطفلة ادنى قسط من الحنان او الحياة المثالية بانفصال والديها وهي بعمر صغير، وتعرضت لقسوة غير مألوفة من لدن امها اختلف كثيرون في معرفة اسبابها ، فمنهم من ذهب الى ان الام قد صدمت بالشكلالغريب لابنتها وانفها الطويل المعقوف ،لتجعلها مجرد كائن فائض عن الحاجة ، وقيل ان بوادر الانفصال مع الزوج قد ولدت مع ولادة شاعرتنا مما جعل الأم تصب كراهيتها على من حمل مجيئها نذر نهاية الزواج ، ورغم عدم قناعتنا التامة بهذه الاراء وذهابنا الى رأي اخر وهو وجود شرخ نفسي كبير لدى الام ادى الى ادمانها الخمر بشكل سافر ومن ثمالسلوك الاجرامي الشاذ القريب للجنون ،الا ان ما يهمنا التأكيد عليه هو ان لقسوة هذه الام الأثر الأكبر في بلورة نفسية هذه الشاعرة وفق طراز خاص جعلها تتفوق بشكل محير في نسج قصائد خالدة تتناقلها الأجيال منذ عقود،وهي متمردة على العادات والتقاليد مظهرا وآراء وطريقة عيش لتختار نموذج الكائن اللا منتمي الذي تناوله كولن ولسن في مؤلفاته وأبدع فيه.
لقد بدأت الحياة الأدبية لايدث سيتويل عندما كانت في الخامسة والعشرين من عمرها.حيث تسلل الشعر إلى وجدانها فغمرها تماما ،ثم اخذت تتعرف على عدد من أبرز الأسماء الأدبية وتأثرت بها على وجه من الوجوه مثل: سيكيرت والتون، ييتس، وفيرجينيا وولف، عبر حضورها الصالونات الأدبية التي كانت تُعقد آنذاك، وقد اعلنت نفسها منذ البداية كعدوةللقديم وقائدة للجديد،مؤكدة ذلك في كتابها (الواجهة) الذي اكدت فيه تمردها على المألوف ،واصفة ما نراه مألوفا لدينا بأنه في حقيقته صورة من صور الجمود والجبن والتحجر، وان الحياة لا يصنعها الا اولئك الذين تفردوا فيها وامتازوا عن سواهم عبر تمردهم على المألوف..
أبدت في بداياتها تأثراً شديداً بالمدرسة الرمزية الفرنسية ونشرت أولى قصائدها (الشموس الغريقة ) عام 1913 ،ونشرت عام 1929 قصيدتها الشهيرة أزياء السواحل البحرية التي حملت فيها على السلوك البشري المصطنع والوحشية التي تختفي وراء ذلك السلوك.سافرت قبيل الحرب العالمية الثانية الى فرنسا لكنها عادت الى موطنها خلال تلك الحرب وأقامت مع أخيها في منزل قديم معتم ، فكانت تكتب قصائدها على ضوء السراج . وفي هذه الفترة بالذات كتبت عدداً من أروع قصائدها وأكثرها شهرة ومنها اغنية الشارع عام 1942 واغنية البرد عام 1945 وظل قابيل عام 1947 وقصيدتها الشهيرة ويهطل المطر التي جسدت فيها تقدمها على شعراء عصرها .
اظهرت ستويل في شعرها مقدرة فنية كبيرة وقدرة اكبر على استخدام الرمز ،حتى عدها البعض المجددة الاولى للرمزية التي تبلورت نهاية القرن التاسع عشر، ورائدة الحداثة في الشعر المعاصر وملهمة الثائرين على القيم القديمة البالية ،فشعرها مسكون بالقوة والغموض،مشحون بالشك ،ليس الشك القائم على الحيرة والتيه،بل الشك الذي يجعل المتلقي يبحث عن ذاته التائهة في عالم مهول عملاق مليء بالتناقضات ..
ومهما قيل عن شعرها ومهما نعت هذا الشعر بالغموض وشخصها بالجنون وغرابة الأطوار،إلا انها بقيت طوال حياتها وبعد وفاتها عام 1964 ظاهرة ادبية فذة واحدى العبقريات التي جعلت من معاناتها المرة المؤلمة الطويلة جسرا نحو الخلود..
من هنا،كانت عملية قيام الدكتورة هناء البياتي بدراسة أدب هذه الشاعرة وترجمة عدد من قصائدها محاولة جريئة لدخول عالم هذه الشاعرة التي يتجنب الكثيرون مجرد الاقتراب من حدودها،فكيف يقتحم المرء عالما لا يعرف كنهه ولا يدرك سبله لتعقيد تراكيبه ووعورة مسالكه،عالم ضم عشقا ليس كالعشق ووجوها ليست كالوجوه ووجودا ليس كالوجود،وكيفترجو حديثها عما تألفه انت وهي تبغض المألوف، وكيف تطلب المعقول ممن تعتبر المعقول هو الجبن والعبث وان الحقيقة لا يعثر عليها سوى اولئك الذين نفضوا أيديهم من وهم ما ظنوه حقيقة وراحوا يبحثون عنها مجردين..وكيف لا توصف عملية اختيار قصائد هذه الشاعرة بالجريئة وهي قد نبعت من فكر هو اشبه بمجاهل كوكب خارج نطاق الشمس…لقد ولجت البياتي هذا العالم بحذر وحاولت فك رموزه فجاءت بتراجم ميسرة جميلة جعلت للقصيدة الواحدة شاعرتين..
اختارت البياتي عددا من اهم قصائد ايدث لترجمتها من اللغة الام الى اللغة العربية منها :ويهطل المطر،وأغنية بروميثوس، وترنيمة الى فينوس،وكل واحدة من هذه القصائد تحملكعنوة الى عالمها الغريب،ولربما سحرك هذا العالم وأدهشك واخذ بتلابيب فؤادك،لكنك وأنت المسحور تجد نفسك عاجزا عن فك طلاسم السحر ،ولربما رضيت بعجزك ما دمت تجد في هذه القصائد قاربا يبحر بك نحو اعماق نفسك وأسرارها العجيبة.
اما قصيدة ((ويهطل المطر)) التي وضعتها ابان الحرب العالمية الثانية،فقد تأثر بها كثيرمن الشعراء لا سيما شاعرنا السياب الذي وضع انشودة المطر على غرارها وأصبحتعنوانا له ، المطر ذلك الباعث للواعج الضياع ومشاعر الشوق ووحدة الاحساس بالغربة والحنين الى حب مات والتوق الى عشق لم يولد بعد،المطر ذلك الذي تصيب رشقاته ملابس الفقير الرثة وتطهر جراحه من الدماء وتوقظ احاسيس الغني البليدة وتوقف ضربات سوط الظالم ولو لبرهة وتبعث في نفس المظلوم املا بشمس عقب زوال الغمام…
نخال سيتويل في هذه القصيدة تمتطي جوادا يعدو بها دون هوادة وهي تغني اغنية ابدية على ايقاع الزمن،تغنيها وهي تتحلى بأقراطها الغريبة لتمر بالحقول والديار والإرجاء،بالضياء والضياع والبيداء ،بأفئدة المرابين،وقلوب العاشقين وأحلام المحبين وجراح الخائبين وأنات الجائعين،بقابيل سافك الدم الأول… والمسيح..السلام المصلوبوالمحبة الموءودة…بجائع وصل عتبة داره وخلفه اطفال جياع ،فيستذكر انه باع الباب ويعود…
ويهطل المطر
مستمرا في الهطول
مثل عالم البشر
اسود مثل ضياعنا
ضريرا كمسامير
مغروزة على الصليب
ويهطل المطر
باعثا صوتا كنبضة قلب
كدقات ناقوس في حقول بوتر
بجانب الضريح
اي وصف هذا للمطر..حبات تسقط عمياء لا تبصر،تائهة لا تلوي على شيء،لكنها تبعث ابلغ رسالة ،تدق كنبضات قلب وتحاكي الموت والغنى،تلهم المحب وهي خالية من الشعور،تخالط حقول الزرع،تخالط حقول النفط،تطرق اعتاب الضريح ،فلا تود لنائم ان يظل بسباته ،ولا ترتجي مزيدا من رقاد لموتى ملوا ثقل الضريح وملّهم نقش الضريح..أية صورة هذه لوحدة المشاعر ..
ويهطل المطر
في حقول الدم
حيث ولادة الآمال الصغيرة
ونشأة عقل البشر
حيث الديدان تسير
على جبين قابيل
ويهطل المطر
على قدم الإنسان الجائع
المعلق على الصليب
المطر ها هنا أمره عجب ، يغمر حقول الدم حيث هوت وانحطت عقول البشر،مذ غرس قابيل بذرة القتل لتينع حقولا للجريمة ،اثمرت عن حربين اكلتا الزرع والضرع،وذلك الكائن الغبي سعيد بتلك الحقول ،مات قابيل،والغراب حلق من فوق ثراه،والديدان التهمت جسده،وظل جسد الجريمة يصنع الصليب..لجائع مصلوب في فقره…يدغدغ اقدامه هطول المطر..
وتحت رشقات المطر،يتساوى الغني والفقير والمعافى والعليل والآلام والذهب،كلنا بحاجة الى المسيح كي يترك مصلبه ومساميره وجراحه ليضمد جراحنا فهو مبريء العلل.. كلنا في تيه وضياع ،الحياة انهمرت علينا مآسيها كالمطر… ما دمنا نمرض،ما دامت فينا خيبة من حب،ما دمنا نتجرع كؤوس الخيانة، ما دمنا في النهاية سوف نموت.. يالعدالةالمأساة..
ويهطل المطر…
وينزف الدم
من جراح الجائعين
جراح القلب الذي احتضر
جراح القلب الذي انتحر
جراح الضوء الذي اندثر
وفيه شرارة خافتة أخيرة
في القلب الذي انكسر
جراح ظلام حزين
جراح دب مرهق
جراح دب غرير
يبكي ألم ضربات مروضيه
على لحمه البائس
ساكبا دموع أرنب
واقعا في الفخ
ويهطل المطر
من الواضح ان الدكتورة البياتي في هذا الجزء من القصيدة بالذات، كانت قد بذلت جهدا جبارا في تطويع القافية حتى جعلت من القصيدة المترجمة انشودة جميلة تسري على الالسن العاشقة كأغرودة الصباح،فصاحب الادب المقارن المتمكن من صنعته هو من يبعث الجمال والروح في القصيدة المترجمة كما هو الحال في لغتها الأصيلة ، وليس يسبغ عليها كلمات لغته فحسب لتولد مفككة هشة تفتقد الحياة.
يهطل المطر ملهم الحزن فتنبعث المشاعر من عذابات الجائعين وقلوب انتحرت بتبلد احساسها فاختارت الفناء،وقلوب تحتضر لا تلبث ان تنبعث منها لوعة فتشدو بقصيدة حب،وقلوب كسيرة تتكابر على جراحها لتتغنى بالحب،تماما كشرارات تنبعث من ظلمة كانت نورا وهاجا … في صورة لإرادة الحياة ….صورة لحنين عجيب يتخطى العقود والعهود ، الى ما كناه يوما وان اعتللنا..او ارتحلنا..او بعثنا..او لبثنا ..
والمطر لا يختص بهذه الفئة من الناس،بل يتجاوزه نحو رمز مكثف له دلالات غريبة،الدب الذي استكان لعذاب مروضيه فبكى كأرنب،ربما كان محض طاغية مغتر بقوته وقسوته (كدب متوحش) سرعان ما تكالبت عليه المحن ليصبح تحت رحمة عدوه،ولربما كانت مشاعر طاعن في السن ورث من بعد قوة ضعفا وقد طحنته السنين بدورتها الابدية التي لا تعرف السكون وهاهو ذا يبكي شبابا مات.ربما كان رمزا لقوة خير او قوة شر. لا فرق..فكلها تحت نير المطر.
دم المسيح
جداول في السماء
نابعة من الجبين
الجبين الذي سمرناه
على الشجرة
نابعة من أعماق
قلب محتضر,
قلب ضمان
قلب يحتضن
نيران العالم كله
عميقا حتى الموت
داكنا، ملطخا بالألم
مثل أكليل غار
تاج القيصر
بعدها نسمع أصداء
قلب إنسان
كان يوما طفلا
يرقد بين الوحوش
وما زلت أحب،
وما زلت اسفك نوري
من اجلك
عمدت سيتويل الى خلق ثلاثية لا تكاد تنفصم عراها : الدين ،والخطيئة والحب ،الذي رضخت له الشاعرة أخيرا..فهي مهما تجلدت بالقوة متمردة على عصرها ونفسها وأنوثتهامتجاوزة الماضي بما يحمل من قسوة مفرطة ،الا انها لا تلبث ان تتجسد امامك بجلاء لوعة الانكسارات التي عاشتها، فتنطق ماساتها الاسرية عنوة بين السطور… قلب محتضروهو يحتضن نيران الألم،داكن اللون مثل تاج ملك زائل تكور عليه الحزن وهو مهشم ،ثم لا نلبث ان نسمع من قلبها صدى لصوت انثى يقتحم كل الموانع لعلن حاجته للحب،ثورته كي يحب،يسفك النور ويعتاش على الظلام وفي الظلام يتوهج القلب بحب غير معلن..حب سيعلن عن نفسه وان مات شخوصه….
ويقينا فان الشاعرة التي عرفت بغرابة اطوارها وهندامها وقصائد شعرها،لو قرأت هذه الترجمة للدكتورة البياتي،فلا يستبعد وهي الغريبة الاطوار ان تومئ برأسها إيماءة رضا،وتحرك قبعتها قليلا نحو الخلف،قبل ان تمتطي صهوة جوادها ..لتتم رحلة ابداعها المدهشة…!

1 تعليقك

  1. Avatar سيد عامر الزاملي

    جميل بكل ما يعني الجمال احسنت

اترك رد