السينما المتنقلة في العراق


 

عودة السينما المتنقلة
مهمة محاربة القبح واشاعة الجمال

اتذكر تماما تلك العربة التي تأتي الى مناطقنا الفقيرة في ستينات القرن الماضي ، لينزل منها بعض الاشخاص ناصبين شاشة كبيرة بيضاء ، ويشغلوا ماكنة تصدر ضوء يسقط على تلك الشاشة ، عارضين افلام عديدة ، بعضها ترفيهية وكوميدية وبعضها تعليمية وذات ارشادات صحية ، لم نكن قد دخلنا صالات السينما بعد ، وحتى التلفزيون لا تملكه الا العوائل الميسورة ، لذلك شكلت تلك العربة وافلامها الدهشة البصرية الاولى مهاجمة وعينا البسيط ناقلة لنا عوالم لم نألفها ، كانت بالنسبة لنا عربة سحرية لم نعرف اسرارها الا بعد ان كبرنا ودخلنا دور السينما ، ومع تطور الحياة ، انتفت الحاجة الى هذه العروض ، خصوصا وان دور السينما انتشرت في كل مدن واقضية ونواحي العراق ، وبات بإمكان الجميع الذهاب الى السينما ، لكن التراجع الكبير الحاصل بعد نيسان 2003 في عدد صالات السينما ، حيث اختفت تماما في جميع المحافظات وتحولت بناياتها الى محال تجارية ،ولم يبق منها سوى ثلاث تشتغل بنظام خمسة افلام في بطاقة موجودة في بغداد هي الخيام ، وغرناطة ، والنجاح .

ازاء هذا الوضع اتخذ بعض الشباب السينمائيين قرارا بعرض الافلام السينمائية من خلال العودة الى السينما المتنقلة ،فحملوا أفلامهم ليطوفوا بها مدن العراق كالشطرة ، سوق الشيوخ ، الجبايش ، العكيكة ، الزبير ، المربد ، علي الشرجي ، كورنيش العمارة ، الكوت ، كربلاء ، الحلة ، النجف ومدن عديدة اخرى ، تحت هذا المسمى ” السينما المتنقلة ” ، دلالة على ادانتهم للحال التي تمر بها السينما العراقية والاهمال الذي تعانيه ، كذلك ادراكهم لوظيفة السينما المهمة والفاعلة في مواجهة العنف والتخلف والقبح ، ودليل تخليهم عن سلطة صالات العرض ، فالجمهور او شريحة كبيرة منهم لم تعد تتذكر ماهية هذه الصالة وابعادها .

مركز الفيلم المستقل الذي يضم شباب سينمائيون أخرجوا العديد من الافلام المهمة دون دعم ، الا من رصيد حماسهم وروحهم المعنوية العالية ، هم الذين قاموا بهذه المبادرة ،يقودهم المخرج محمد الدراجي الشاب المتفاني في تقديم كل ما يمكن للسينما العراقية وصاحب اول فيلم عراقي طويل اخرجه في اتون الحرب ” أحلام “، ثم ليخرج بعد ذلك ثنائيته ” أبن بابل وتحت رمال بابل ” التي حازت على اعجاب الجمهور اينما عرضت وحازت على العديد من الجوائز ، اخرها جائزة افضل فيلم من العالم العربي لعام 2013 في مهرجان ابو ظبي السينمائي في دورته السابعة ، هؤلاء الشباب كرسوا جل وقتهم للعمل السينمائي ،مؤمنين بان السينما او النتاج السينمائي ليس مجرد انتاج افلام فقط ، بل هو مهمة ايصال ما تحمله هذه الافلام من افكار ورؤى الى الناس ، خصوصا أولئك المنزوين في مناطق قد يكون التاريخ نساها او تعمد البعض بان تكون بعيدة عن مجرى التغييرات الحضارية ، لتبقى مجرد اصوات انتخابية تخضع لسلطة المقدس الذي يفصله السياسيون بمختلف ميولهم واتجاهاتهم وحسب أهواؤهم ، هؤلاء لشباب ادركوا اهمية السينما في دحر هؤلاء لذلك دخلوا خندق المعركة ضد التخلف ، سائرين الى مواجهة سلاحهم الوحيد فيها عديد افلامهم التي نالت العديد من الجوائز العالمية ، والتي تحكي قصص ومعاناة الناس البسطاء ، كما في فيلم عيد ميلاد لمهند حيال او احمر شفاه للؤي فاضل أو خزانة الحرب ليحيى العلاق ، اطفال الله لأحمد ياسين ، وغيرها .

ان السينما المتنقلة هي انتفاضة بوجه القبح لإشاعة الجمال وزرعه وسط خراب امتد لنصف قرن .

المهمة ليست بالسهلة ابدا ، لكن ثمة عزم واصرار تلمحه بوجوه هؤلاء الشباب ، خصوصا وانهم بلا دعم من اية جهة ، دعمهم الوحيد متأتي من مؤزرة بعظهم البعض ، وحكايات جلساتهم الحميمة ، التي تتغنى بحب السينما واهميتها .

هل سينجح شباب السينما المستقلة بإشاعة حب وروح السينما في الاوساط التي سيحلون فيها عارضين جميل افلامهم ، الموضوع يحتاج الى مساندة معنوية من الجميع صحفيون ونقاد ، وكذلك من مثقفي المدن التي يعرضون فيها افلامهم ، وفعلا هناك الكثير ممن قدم لهم المساعدة في بعض المدن التي عرضوا فيها افلامهم ، ولاقت عروضهم حضور جمهور واسع من مختلف الشرائح ، دلالة على حب الناس للسينما .

والسؤال هل يمكن للسينما المتنقلة ان كون البديل عن صالات العرض السينمائي ، ام ان الجهات المسؤولة ستعي اهمية السينما ودورها الثقافي والحضاري ، لتدعم السينما انتاجا وبنى تحتية ؟

لا تعليقات

اترك رد