الضمانات الدستورية لقانون التظاهر


 

ان الدستور حرص على أن يفرض على السلطتين التشريعية والتنفيذية من القيود ما ارتآه كفيلاً بصون الحقوق والحريات العامة، وفى الصدارة منها الحق فى الاجتماع والتظاهر السلمي، كى لا تقتحم إحداهما المنطقة التى يحميها الحق أو الحرية، أو تتداخل معها، بما يحول دون ممارستها بطريقة فعالة وكان تطوير هذه الحقوق والحريات وإنماؤها من خلال الجهود المتواصلة الساعية لإرساء مفاهيمها الدولية بين الأمم المتحضرة، مطلبًا أساسيًّا توكيدًا لقيمتها الاجتماعية، وتقديرًا لدورها فى مجال إشباع المصالح الحيوية المرتبطة بها. من كل قيد، ذلك أن هذين الحقين، منذ صدور قانون التظاهر في نوفمبر 2013، ثار الجدل حوله بسبب تقييده لحق التظاهر الذي كرسته الجماهير كحق أساسي ووسيلة للتعبير عن الرأي منذ ثورة 25 يناير. وخاصة حق التظاهر السلمي، يمس استعمالهما، فى الأغلب الأعم بمقتضيات الأمن بدرجة أو بأخرى، وتتعارض ممارستهما مع حقوق وحريات أخرى، بل قد تنحل عدوانًا على بعضها، مثل حق الأفراد فى التنقل والسكينة العامة، وغيرها، وهو إخلال يُغَض الطرف عنه، وعدوان يجرى التسامح فى شأنه، تغليبًا لحقي الاجتماع والتظاهر السلمي بحسبانهما البيئة الأنسب لممارسة حرية التعبير والتى تمثل فى ذاتها قيمة عليا لا تنفصل الديمقراطية عنها،وتؤسس الدول الديمقراطية على ضوئها مجتمعاتها، صونا لتفاعل مواطنيها معها، بما يكفل تطوير بنيانها وتعميق حرياتها، كل ذلك شريطة سلمية الاجتماع والتظاهرات، وتوافقها وأحكام الدستور ومقتضيات النظام العام، وما دام العدوان على الحقوق والحريات الأخرى لم يبلغ قدرًا من الجسامة يتعذر تدارك آثاره، ومن ثم يكون محتمًا، التزامًا بالقيم الدستورية التي تعليها الدولة القانونية،أن يكون القضاء هو المرجع، في كل حالة على حده، تلجأ إليه جهة الإدارة حين تروم، لأي سبب من الأسباب، ووقف سريان الآثار المترتبة على اكتمال المركز القانوني لمنظم الاجتماع أو التظاهرة، الناشئ من تمام الإخطار الصحيح، ليقرر، حينها، القضاء المختص، دون غيره، ما إذا كانت ثمة مصالح وحقوق وحريات أولى بالرعاية، تجيز منع الاجتماع أو التظاهرة السلمية أو تأجيلهما أو نقلهما أو تعديل مواعيدهما أو تغيير مسار التظاهرة، وذلك على ضوء ما تقدمه جهة الإدارة من دلائل وبراهين ومعلومات موثقة تقتضى ذلك وتبرره. إذ كان ذلك، وكانت الفقرة الأولى من المادة العاشرة من القرار بقانون رقم 107 لسنة 2013 بتنظيم الحق فى الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية قد خالفت هذا النظر، فمنحت وزير الداخلية ومدير الأمن المختص حق إصدار قرار بمنع الاجتماع أو التظاهرة المخطر عنها أو إرجائها أو نقلها، فإنها تكون بذلك قد مسخت الإخطار إذنًا، مما يوقعها فى مخالفة المواد (1/1، 73/1، 92/2، 94) من الدستور، ومن ثم يتعين القضاء بعدم دستوريتها . وحيث إنه نظرًا للارتباط الذي لا يقبل الفصل أو التجزئة بين نصي الفقرتين الأولى والثانية من المادة العاشرة من القانون المار ذكره، وإذ انتهت المحكمة فيما تقدم إلى عدم دستورية نص الفقرة الأولى من هذه المادة، فمن ثم يترتب على ذلك سقوط الفقرة الثانية منها، وهو ما يتعين القضاء به. والمحكمة بذلك، وان كانت فسرت تفسيرا قانونيا صحيحا، فقد سهت عن نقطة هامة جدا، وهي وأن الحقوق والحريات المحمية في هذه المادة المفهومة للقضاة، ليست واضحة لمنفذي القانون من قوات الشرطة، وسقوط الفقرة الثانية من هذه المادة تأسيسا على أن الحق فى الاجتماع أو التظاهر السلمي حق مطلق عن كل قيد واستحقاق دستوري، واوجب القانون لممارسة هذا الحق الإخطار للجهة الإدارية والتي كانت تمنح وزير الداخلية ومدير الأمن المختص حق إصدار قرار بمنع الاجتماع أو التظاهرة أو إرجائها أو نقلها، وأكد الحكم أنه لا يسوغ للجهة الإدارية إعاقة الشباب بمنعه من ممارسة حقه أو تضييق نطاقه وإنما يكون القضاء هو المرجع.

وهم الذين يستخدمون هذا النص للقبض على المتظاهرين تحت دعوى “الإخلال بالأمن أو النظام العام”، أو “قطع المواصلات”، أو “تعطيل الإنتاج”، دون أية أدلة واضحة على قيام المتظاهرين بذلك سوى ما يسطرونه في محاضر الضبط. وهو ما يدلل على عدم وضوح النص القانوني، وصعوبة إثبات الأفعال المجرمة. وهو ما كشفته أحكام المحاكم في قضايا تظاهرات الأرض، حيث اعتبرت أكثر من محكمة قضت ببراءة المتهمين أن تحريات الشرطة، ومحاضر الضبط وشهادة الضباط ليست كافية لإثبات أي من الأفعال المجرمة في المادة 7 من القانون. كما أننا نخشى أن يتمسك المشرع بهذا المنطق ويتوسع في صياغة تشريعات جنائية تفتقد للدقة والصياغة المنضبطة، مما يفتح الباب للانتقائية في تطبيق القانون من القائمين على تنفيذه.

الاختصاص الحصري للقضاء لمنع التظاهرات

إذا كان على المشرع ضمان التوازن بين الحقوق والحريات المكفولة دستوريا بحيث لا تتغول واحدة على أخرى، على القضاء مراجعة تحقق ذلك، متى استدعت الحاجة. فوفقا للمحكمة، يمكن غض الطرف عن تعارض ممارسة حق التظاهر والاجتماع مع حقوق أخرى مثل الحق في التنقل أو السكينة العامة أو المسّ بمقتضيات الأمن، طالما اتّسم الاجتماع أو التظاهرة بالسلمية، وتوافق مع أحكام الدستور ومقتضيات النظام العام، وشريطه ألا يكون العدوان على الحقوق والحريات الأخرى بلغ قدراً من الجسامة يتعذر تدارك آثاره. ولكن من المُختصّ لتقرير إذا ما كان هذا التوازن محققاً على أرض الواقع؟

وفقا للمحكمة، فإن جهة الإدارة ليست مختصة بمراقبة تحقق التوازن بين الحقوق والحريات الدستورية المختلفة، إذ أن الدستور كفل ممارسة حق الاجتماع أو التظاهر بمجرد الإخطار. والإخطار، كما عرفته المحكمة، هو “إنباء أو إعلام جهة الإدارة بعزم المُخطر ممارسة الحق المُخطر به، دون أن يتوقف هذا على موافقة جهة الإدارة أو عدم ممانعتها، وكل ما لها في تلك الحالة أن تستوثق من توافر البيانات المتطلبة قانوناً في الإخطار، وأن تقديمه تم في الموعد وللجهة المحددين في القانون،

فإذا اكتملت للإخطار متطلباته واستوفى شرائطه قانوناً، نشأ للمُخطر الحق في ممارسة حقه على النحو الوارد في الإخطار، ولا يسوغ من بعد لجهة الإدارة إعاقة انسياب آثار الإخطار بمنعها المُخطر من ممارسة حقه أو تضييق نطاقه”. وبذلك، وضعت المحكمة الأمور في نصابها الصحيح، وهي بذلك تكف يد جهة الإدارة، وزير الداخلية أو مدير الأمن المختص في هذه الحالة، من منع التظاهرات المخُطر عنها. ولكن يبقى التساؤل حول من له الحق في منع أية تظاهرة، تعتقد جهة الإدارة، أنها تهدد الأمن أو أي حقوق دستورية أخرى؟ من له الحق في الفصل بين جهة الإدارة والمُخطر في هذه الحالة؟

ذهبت المحكمة أن القضاء هو وحده المختص لتقرير إذا ما كان ممارسة حق الاجتماع أو التظاهر يترتب عليهما أي مساس يتعذر تداركه بحقوق وحريات أخرى، مما يترتب عليه منع أو تأجيل أو نقل أو تعديل ميعاد الاجتماع أو التظاهرة أو تغيير مسارها. كما وضعت المحكمة عبء اللجوء إلى القضاء على جهة الإدارة، حيث يتعين عليها، في حال رغبت في منع تظاهرة أو اجتماع، أن تلجأ إلى القضاء وأن تقدم دلائل وبراهين ومعلومات موثقة توضح ضرورة ذلك.

واعتبرت المحكمة أن القانون حوّل الإخطار المنصوص عليه دستوريا إلى إذن، حيث نصت الفقرة الأولى من المادة العاشرة على حق وزير الداخلية أو مدير الأمن إصدار قرار مسبّب بمنع الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة أو إرجائها أو نقلها إلى مكان آخر أو تغيير مسارها، وهو الأمر الذي أدى إلى الحكم بعدم دستورية هذه المادة. على جانب آخر، يبقى الحكم بدستورية المواد العقابية 7 و19 من القانون مخيباً للآمال التي كانت تطمح إلى الحكم بعدم دستوريتهما، ومن ثم استخدام هذا الحكم في قضايا التظاهر المنظورة أمام المحاكم والإفراج عن المحبوسين.

ومن ثم، فإن كفالة حق الاجتماع بأشكاله المختلفة كما نتمناها ونرجوها، لن تتحقق إلا في ظل رغبة سياسية واجتماعية حقيقية تؤمن بأهمية هذا الحق، كصورة مثلى للممارسة حرية التعبير والتي اعتبرتها المحكمة “قيمة عليا لا تنفصل الديمقراطية عنها”؛ دون أن تعتبره سببا من أسباب الشغب أو تعطيل الإنتاج أو التعدي على هيبة الدولة، مما يترتب عليه تنظيمه بطريقة تهدف فعلاً إلى تحقيق التوازن بين ممارسته وبين الحقوق والحريات الدستورية الأخرى، دون أن تتغول أي منهما على الأخرى إلا استثناء وفي أضيق الظروف، كما سطرت المحكمة الدستورية في حكمها.

تعد الضمانات القضائية من الضمانات الداخلية التي تؤدي إلى حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، من خلال قيام القضاء بفض المنازعات الخاصة بين الأفراد وإرجاع الحقوق إلى أصحابها من خلال إعطائهم حق التقاضي أمامه، بالإضافة إلى دوره في حماية حقوق الإنسان من خلال الرقابة على دستورية القوانين وعلى أعمال السلطة التنفيذية.

فقد تم تعديل المادة العاشرة من القانون رقم 107 لسنة 2013 الخاص بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية.بما يتفق مع حكم المحكمة الدستورية العليا ويتضمن التعديل: “لوزير الداخلية أو مدير الأمن المختص فى حالة حصول جهات الأمن وقبل الميعاد المحدد لبدء الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة بناء على معلومات جدية أو دلائل عن وجود ما يهدد الأمن والسلم التقدم بطلب إلى قاضى الأمور الوقتية بالمحكمة الابتدائية المختصة لإلغاء أو إرجاء الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة أو نقلها إلى مكان آخر أو تغيير مسارها، ويصدر القاضي قرارًا مسببًا فور تقديم الطلب إليه على أن تبلغ به الجهة الإدارية مقدم الإخطار فور صدوره، ولذوى الشأن التظلم من القرار، وفقًا للقواعد المقررة بقانون المرافعات المدنية والتجارية”.

أن المحكمة الدستورية أصدرت حكمًا في 3/2/2016 بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة العاشرة من قرار رئيس الجمهورية بقانون 107 لسنة 2013 وسقوط الفقرة الثانية من هذه المادة تأسيسا على أن الحق في الاجتماع أو التظاهر السلمي حق مطلق عن كل قيد واستحقاق دستوري وأوجب القانون لممارسة هذا الحق لوزير الداخلية لا يسوغ للجهة الإدارية إعاقة الشباب بمنعها المخطر من ممارسة حقه أو تضييق نطاقه وإنما يكون القضاء هو المرجع ليقرر ما إذا كانت ثمة مصالح وحقوق أولى بالرعاية من عدمه التزاماً بالحقوق والقيم الدستورية. أن التعديل تضمن أن لوزير الداخلية أو مدير الأمن المختص في حالة حصول جهات الأمن وقبل الميعاد المحدد لبدء الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة بناء على معلومات جدية أو دلائل عن وجود ما يهدد الأمن والسلم، التقدم بطلب إلى قاضى الأمور الوقتية بالمحكمة الابتدائية المختصة لإلغاء أو إرجاء الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة أو نقلها إلى مكان آخر أو تغيير مسارها، ويصدر القاضي قرارا مسببا فور تقديم الطلب إليه، على أن تبلغ به الجهة الإدارية مقدم الإخطار فور صدوره ولذوى الشأن التظلم من القرار وفقا للقواعد المقررة بقانون المرافعات المدنية والتجارية

لا تعليقات

اترك رد