الليل والانسان بين العلم والأدب


 

الأمر لا يخلو من صعوبة ، فمنذ بدء الكون ، على الرغم من أن هذا البدء لم يبت به لحد الآن بنحو علمي ونهائي ، كان الليل والنهار وكانا صورتين متقابلتين ، متضادتين ، متداخلتين … لا غنى لأحدهما عن الآخر .

إنه نظام (الأزواج) في الطبيعة لكي تستمر الحياة ، ماء ويابسة ، حر وبرد خير وشر ، رجل وإمرأة ، سماء وأرض ، ثلج ونار ، ليل ونهار .

ومنذ أقدم الأزمنة قامت الطبيعة بتوزيع الأدوار توزيعاً دقيقاً تجرَ أية تغييرات على تلك الأدوار بالرغم من ملايين السنين التي مرت .

ارتبط النهار بالنشاط والحركة والعمل واليقظة وارتبط الليل بالهدوء والسكينة والراحة والنوم ، حتى ان الوظائف العضوية لجسم الانسان تكيفت لهذا التوزيع وأصبحت جزءاً من فسلجته العامة .

في استفتاء مبني على تحليلات طبية قامت بإجرائه مجموعة مؤلفة من أربعة أطباء عن موضوعة (النوم) ظهر ان الاشخاص الذين تقتضي طبيعة أعمالهم أن يسهروا ليلاً ويناموا نهاراً يكونون عرضة للأمراض بنسبة تصل الى 45% زيادة على اقرانهم الذين ينامون ليلاً ويعملون نهاراً على الرغم من أن ساعات النوم التي يمضيها الطرفان واحدة أو متقاربة جداً .

وتشير استنتاجات المجموعة الطبية الى ان الذين يعانون من حالة (النوم غير الاعتيادي) على حد تعبيرها ترتفع عندهم نسبة الامراض العضوية بنحو ملموس بخلاف الاعتقاد الطبي السائد من أن ما يتعرضون له ينحصر في مجموعة من الامراض النفسية فقط .

ثمة الكثير الكثير مما يطرحه الليل حول نفسه وما يثيره من تساؤلات قد لا نملك الاجابة عنها ، فعلى صعيد الأساطير والتراث الانساني مثلاً كان النهار رمز النور والخير والحياة فيما كان الليل رمز الظلمة والشر والموت وبه اقترنت صورة القبر والعذاب وصور الخوف والخيانة والجريمة والأعمال الشريرة .

في القرآن الكريم تَرَدّدَ لفظ الليل في معظم السور الشريفة وإن شئنا التحديد فقد ورد ذكره في 92 آية تناولت صوره ووظائفه وحالاته المختلفة ومع ذلك فالكتاب الكريم يضعنا أمام تساؤل كبير ليس بإمكاننا الاجابة عنه أو الاجتهاد فيه .

لقد جاءت لفظتا (الليل والنهار) مجتمعتين في 44 آية بمختلف المعاني والأغراض وقد احتلت لفظة النهار المقام الأول أي وردت لفظة النهار قبل لفظة الليل في 7 مواضع في حين ورد اسم الليل قبل النهار 37 مرة وهذا الفارق الكبير لم يأت جزافاً ، لا ليس من باب المصادفة ، ولا هو من وضع البشر ، فكلام الله سبحانه وتعالى محسوب بدقة وتقدير وحكمة .

من المعروف ان الخيال الانساني عادة ما ينشط ليلاً ولكن هذا النشاط لا يتوقف على الخيال وحده فمعه تتصاعد حمى المخاوف والشكوك والاوهام .

تُرى لماذا يحدث ذلك كله ؟!

عن هذا الاستفسار يقول علماء النفس : ان حواس الانسان وخاصة السمع والبصر تعمل طيلة النهار على إرباك الذهن وإشغال الفكر وحث المخ على إصدار أوامر متتابعة من شأنها تلقي الصور والاصوات المختلفة وبما ان الطبيعة العملية لأجواء الليل توفر للذهن والفكر والمخ الراحة المطلوبة فان الفرصة تكون سانحة لانشغالات جديدة هي ما يطلق عليها بتحليقات الخيال وانطلاقاته الى عوامل رحبة واسعة من غير قيود ولا عقبات .

ويجب ان نلاحظ هنا بشيء من الاهمية ان (حركة) النهار تصرف المرء عن نفسه الى الآخرين ، حيث يعمل ويفكر ويناقش ويتحاور … إلخ وان (سكون) الليل يصرفه عن الآخرين الى ذاته ولهذا يتأمل (وحدته) أو مصيره أو حاله فيفكر مثلاً بمستقبله (هو) وبالمرض والموت والحب والزواج وشؤون الحياة المختلفة ولكن بنوع من الفردية غالباً ما تثير قلقه وهواجسه .

وعلى العموم فالهواجس الليلية وما يصاحبها من مخاوف تكاد تكون صفة مشتركة بين الناس ، واذا استثنينا القلة القليلة من أولئك الاشخاص الذين يعانون اصلاً من مرض نفسي اسمه (الخوف من الليل) أو من الظلام بصورة طبيعية أو تحت تأثير حالة مكتسبة كالتعرض لحادث معين فإن الناس الآخرين جميعهم عرضة للهواجس ولكن بنسب متفاوتة ، فهي تزداد عند الشخصيات القلقة او في الظروف غير الطبيعية .

ويؤكد علماء النفس ان لا فرق في ذلك اي في المعاناة من الهواجس والمخاوف بين مستويات الناس الثقافية والمعاشية وان كان للبيئة والتربية دور مؤثر فابن القرية اكثر تماسكاً من ابن المدينة في مواجهة (ماديات) الليل ومخاوفه على الرغم من انه مثلاً أشد إيمانا وإقتناعا بالاشباح والجن والشياطين ، ولكن نمط المعيشة والسلوك الاجتماعي للقرية يبني الفرد بناء خاصاً يجعله في موقف القوي لمواجهة متاعب الحياة العامة في الليل والنهار ، فهو صبور وشجاع ويتميز بطاقة إحتمال عالية .

وإذا كانت الهواجس الليلية صفة انسانية مشتركة بغض النظر عن التفاوت والمستويات بين الناس فانها والحالة هذه تضع الرجال والنساء على قدم المساواة ، إلا أن علماء النفس يزعمون انها تشتد عند النساء بحكم تكوين المرأة الطبيعي وحاجتها الى الحماية والأمن أكثر من الرجل .

ومن طرائف الليل انه وطيد الصلة بالأدباء فان معظم أولئك الأدباء ينجزون أعمالهم ومغامراتهم الابداعية في الليل وهم يعزون ذلك بأن الليل يمنح الذهن الصفاء الكافي ويعطيهم الفرصة للتحليق بالخيال ومحاورة الذات واستلهام الصور و …… إلخ

ويبدو ان الشارع الشعبي قد أستوحى نوعاً من الصورة التراثية لفهم الحالة الشعرية فراح يطلق على كل مكان جميل هاديء يقل فيه النور وتخيم عليه سحنة قريبة من سحنة الليل المقمر اسم – جو شاعري – ومن الثابت ان الليل في الشعر الانساني عامة وفي الشعر العربي خاصة يشكل وحده موضوعاً غاية في الاستفاضة والطرافة ، والأمر نفسه ينسحب على ساحة الغناء فما زالت موالات (يا ليل يا عين) تحتل صدارة التراث الغنائي ، وما زال الليل مصدر الأرق والشجن والعتاب واللوم والمناجاة والعذاب .

لا تعليقات

اترك رد