حين يُقتل دافعوا الجزية عن يد وهم صاغرون


 

الرؤية البشعة للإنسان هي حين ترى فيه عدوا يجب كراهيته وتكفيره، وليس هذا فقط، بل عدوا يجب استئصاله والقضاء عليه، لا لشيء الا لأنه يحمل دينا آخر ومذهب مختلف ومعتقد لا يتشابه مع معتقدك.. والضحية دائما لمن يحمل مثل هذه الأفكار ويسعى لتطبيقها هي الانسان البريء والمجتمع المتعدد والروح الإنسانية في التعايش والمحبة والسلام. ولكن لن أتوهم أكثر، ولن أخوض في إنسانية العلاقات وأهمية التعايش وقدرة العلمانية على صنع ذلك، بل سأتوقف إجلالا وإكبارا واحتراما أمام الضحايا الذين سقطوا في مصر وتحديدا في طنطا والإسكندرية بعد هجوم متكرر على اقباط مصر قام به مسلمون تقربا الي الله ودفاعا عن الإسلام والمسلمين وتقوية لشوكة الجهاد ونشر راية التوحيد على ارض مصر كما قام به السلف الصالح حين تم غزو مصر واضافتها للحظيرة الإسلامية وفرض الجزية على أهلها.

لقد شهدت مصر خلال تاريخها الكثير من حوادث الاعتداء على المسيحيين وترويعهم والنيل منهم بصورة لا مرجعية لها سوى التراث الإسلامي وفتاويه ونصوصه الداعية الي الإرهاب والعنف..فهل هذا فقط حدث ويحدث في مصر؟..أم أن ذلك التراث قد فعل فعائله في دول ومجتمعات أخرى، حتى لا يكون اتهامنا قائما على التمييز والظلم في توزيع تهمة الإرهاب الإسلامي على أهل مصر فقط..وأعتقد انه لن يخالفني الرأي أحد بأن الإرهاب الإسلامي أصبح معولما اليوم، ونالت منه المجتمعات المختلفة في المشرق والمغرب كل أذى وأذية، وفقدت الشعوب المتعددة الهويات والثقافات والأديان أبناء لهم قد سقطوا بفعل صرخات الله أكبر وراية التوحيد والإسلام.

فلماذا غالبية المسلمين في كل مكان في العالم يكرهون المغاير، ولا يستطيعون التعايش معه. فما حدث في مصر تجاه الاقباط يحدث تماما في الهند تجاه الهندوس والأديان الأرضية الأخرى، ويحدث ايضا في اسرائيل تجاه اليهود، ويحدث في اوروبا وامريكا تجاه المسيحيين وحتى الملحدين والعلمانيين. بل الطامة الكبرى ان المسلمون يكرهون المسلمين المختلفين معهم في المذهب كما يحدث بين السنة والشيعة او بين المذاهب الإسلامية الأخرى المختلفة حيث يسود جو الكراهية والتكفير واللاتوافق وما ينتج عنه من حروب فقهية وصراعات سياسية واجتماعية عطلت مجتمعاتنا حضاريا وعلميا وجعلت من الشعوب وقودا لتلك المهاترات القاتلة.

وحين نحاول أن نستقصي أصل ومرجعية تلك الكراهية والحروب التي لم تنتهي بسبب كراهية المسلمين للآخر المختلف، نجد أن هذا السلوك ليس وليد اليوم او وليد الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لعالم الحداثة وما بعدها، بل بكل بساطة هذا هو سلوك المسلمين منذ اليوم الاول لظهور الإسلام وموقفه من يهود الجزيرة العربية ومن اهل مكة الرافضين للإسلام وممن رفض الانصياع للإسلام ودفع الجزية او العيش في كنف الدين الجديد، فكان أن نشأ فقه الولاء والبراء وتشريع قتل المرتدين وباب كراهية اليهود والنصارى والمشركين والكفار.

انهم اربعة عشر قرنا وأكثر من الزمان والمكان لم نسمع فيها أن الاسلام تقبل الآخر أو تعايش معه في سلام ومحبه الا ضمن شروط مهينة في الملبس والمأكل والمعاشرة والتعامل والمواطنة.

إن الحادثة التي تعرض لها اقباط مصر تجعلنا نرى ان الاضطهاد الذي يعاني منه المسيحيون في ظل الإسلام ومجتمعات المسلمين لن يتوقف بل وسوف يتكرر وربما في صور أكثر بشاعة وعدائية، طالما أن هناك تراث في الإسلام يظل فاعلا ونشطا في التعليم والمساجد والمنابر، ليتلقفه كل فرد متحمس يرى ان الوصول الي الجنة يكون في قتل هؤلاء الناس ويرى أن الغداء مع الرسول وجبة تضاهي سفك دماء الأطفال والنساء على الأرض.

وهذا ينقلنا الي تساؤل آخر مستحق، وهو لماذا الأقليات الدينية والمذهبية واللادينية تعاني في مجتمعاتنا العربية والاسلامية من التهميش والإقصاء وحتى القتل والنبذ والتهجير، بينما تعيش تلك الاقليات بكل احترام وممارسة لمعتقداتهم وطقوسهم ضمن حقوق المواطنة في المجتمعات العلمانية؟..اليس هناك سبب معين؟؟..ام هو فقط اختلاف في الجغرافيا والبشر والتاريخ؟؟..

في الواقع، وحتى نكون اكثر مصداقية نقول ان الدول العلمانية وصلت الي تحقيق السلام المجتمعي والمواطنة الكاملة بعد ان مروا بمثل صراعاتنا الدينية والمذهبية والفكرية، وبعد ان دفعوا اثمان باهظة وأرواح عديدة في سبيل الوصول الي التعايش وقبول الآخر المختلف. فالمسيحية واليهودية قد صنعوا الحروب ودمروا المجتمعات وأبادوا الأرواح حين كانت دياناتهم تحكم في الارض وحين كان كهنة الدين يملكون مصير الانسان بل ودخوله الي الجنة والنار.. وبعد مخاضات الصراع وبروز الفلسفة واكتساح العلم والمعرفة ضمن صيرورة التقدم وتغير علاقات الانتاج الاقتصادية والسياسية والاجتماعية استوعبت تلك الشعوب اخطائها وصلحت من مسارها وفصلت الدين عن الدولة وحافظت على الانسان كقيمة مقدسة عليا، وهاهم اليوم يحصدون ثمن الحرية والعلمانية والتعايش ضمن عقد اجتماعي يحفظ للجميع حقوقه وواجباته.

بينما نحن استمرينا الي اليوم نحكم بالإسلام ونشرع القوانين وفق الشريعة الاسلامية ونقوم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم نحصد سوى الكراهية واستمرار فقه التكفير ومعاملة الانسان وفق هويته الدينية والمذهبية وننظر الي المسيحي بأنه اهل ذمة وننتظر منه الجزية حتى يدفعها وهو صاغر مهين، فهكذا يقول الإسلام، وهكذا ندافع عن الخلافة الاسلامية وهكذا علينا أن نبقي ابد الدهر ضمن هذا التراث الرجعي الظلامي..فنحن لم نصل بعد الي قيام الثورة الفكرية والانتصار للعقل ونبذ العنف، فمازال الدين يشكل علاقاتنا السياسية والاجتماعية ومازال فقه البداوة يغلف سلوكنا وأخلاقنا، ولم يقف الامر عند هذا الحد بل قمنا بكل وقاحة بتصديره الي الخارج عبر بناء المساجد ومراكز تحفيظ القرآن ، سواء في الدول العربية او الدول الغربية، فعانت تلك المجتمعات من التطرف والارهاب الاسلامي بأبشع صوره وأكثرها دموية.

ان غياب الحلول أمام ازمات التطرف والارهاب الاسلامي، هي مسؤولية العرب والمسلمين وليس غيرهم، مسؤولية تلك المؤسسات الفقهية ورجال الدين، مسؤولية النخب المثقفة التي تدعي الوسطية والاعتدال والاسلام الوسطي الجميل، مسؤولية شعوبنا التي رضخت للظلم والاستبداد والقمع..مسؤوليتهم جميعا في اعادة النظر في الاسلام والفقه والتراث، في إلغاء ما يتعارض مع العقل والاخلاق والانسانية، في اعادة قراءة القرآن وفق تاريخيته البشرية ومواقع نزوله، في فصل الدين عن الدولة وتعزيز قيم المواطنة والتعايش والمساواة، في اعتبار الانسان هو الغاية والوسيلة، في بناء الواقع على مناهج اخلاقية وفلسفية وعلمية، في تمكين أفكار وقيم ومبادئ الحداثة والتنوير مجتمعيا..وحينها سنرى الفرق، ونعيش الأمل ونصنع المستقبل.

4 تعليقات

  1. البداية تكون في الغاء تدريس مادة التربية الدينية من المدارس، ثم تتبعها اجراءا الحد من نفوذ وسيطرة كهنة امون في الدولة. كيف تستقيم الامور و الحكومات هي من تحتاج الشيوخ.

  2. مع جزيل الاحترام
    رفض وشيطنة الاخر هو في صلب تراثنا الديني وثقافتنا. الحل يبدأ بأغلاق المدارس الدينية في المساجد وكليات علوم الشريعة والازهر وما شاكله، واعادة صياغة الخطاب الديني
    هذا ليس مستحيلا

اترك رد