ابو نواس شاعر ليس كالشعراء


 

شاعر لا يشبهه الشعراء، فاق سابقيه وبزَّ لاحقيه، متفرد في طريقته، وحيد في مسلكه، أدرك فقه المعاني وفهم أسرار المباني؛ فكان مدرسةً تبعها الكبارُ دون سابق قصد، أو سالف تخطيط.
حاول من جاء من بعده التقليدَ والاقتباس، فحاموا حول الحمى دون الوقوع فيه أو الوصول إليه؛ وما كان ذلك إلا لأن شعره ليس فيه فسحة لمقتبس أو فضلٌ لآخذ إذ اعتمد في نسجه على أمرين، وفي تعليله بسببين:
أولهما: أنه مشهور الشعر، بائن المعاني، محكم الصنعة، يكمل القريب من المعاني بالغريب، ويلبسها كل معنى شارد وعجيب، عَلِمَ أنَّ الدرَّ لا يطفو فغاص، وأدرك أن لا مناص مما ليس منه مناص؛ فلم يترك فرصة في شعره لآخذ، فإن جازف احدهم وفعل لَفَتَ إليه أعناق الناظرين، وفضح نفسه أمام أعين المتتبعين.
وثانيهما: أن مديات الصور عنده مستنفدة فلا حظ لمن يتتبع الصور التي مر بها، وفضاءات المعاني لديه مغلقة، لا يدع خيالاً لشاعر بأن يحتويها أو ينفذ إليها أو يحلق في سمائها.
قيل عنه: إن شعره كله مختارات، خال من الهنات والوهنات، فأنصفه النقاد حتى قال فيه الجاحظ قولين -لم يكررهما في أحد من الشعراء- في قصيدتين رائعتين، والعجيب فيهما أنهما متعاكستان في الغرض، متضادتان في الغاية، فكان في الاولى عابداً ناسكا وكان في الثانية عابثاً هالكا.

فحاكى فيهما الضدين فأجاد، وابتغى بهما السبيلين فاحسن غير انه اثبت لمن يصوب النظر فيهما أنهما للسانٍ واحدٍ وقريحة واحدة

قوله (والكلام للجاحظ): لا أعرف في كلام العرب أرق وأجمل من قول أبي نؤاس:
أيّــــــةُ نــارٍ قـدَحَ الـقـــــادِحُ … و أيُّ جِـدٍّ بـلـغَ المـــــازِحُ
لله دَرُّ الـشَّـيْـبِ مـن واعـــــظٍ … وناصِحٍ لو سُمِعَ الناصحُ
يأبى الفتى إلاّ اتِّباعَ الهـوى … ومنْهَجُ الحقّ له واضـــحُ
فـاسْمُ بـعـيْـنَـيْـكَ إلى نِـسْـوَةٍ … مُهورُهنَّ العملُ الصّالِـحُ
لا يجْتلي الحوراءَ من خِدْرِها … إلاّ امرؤ ميزانه راجِــــحُ
مـنِ اتّـقـى الله، فـذاك الـذي … سيقَ إليهِ المتْجرُ الرّابِــحُ
شمّرْ، فما في الدين أُغلوطةٌ … و رُحْ لـمـا أنـت له رائــحُ

ولا يخفى على قاريء هذه القصيدة اللمحة التصوفية ومسحة الزهد التان يكتنفانها فقد بدا لنا في قصيدته هذه ناسكاً واعظاً منسلخاً من ملاهي الحياة عازفاً عن زينة الدنيا وهوى النفس الى الدعوة الى الفوز بنعيم الآخرة وتمنية النفس بها مشيراً الى ان مهرها هو العمل الصالح مبيناً الى الطرق والسبل التي تؤدي اليها وهي تقوى الله واتباع طريق الحق الواضح ، وهذا الخطاب -لمن وقف على حياة ابي نواس- غير مألوف في شعره فقد عرف بمنادماته وغزلياته وخمرياته ، فقد كان احسن من وصف الخمر واغزر من تكلم عن الندمان ووصفهم بادق وارق الوصف حتى ضجت بذلك الأخبار وملأت بطون الكتب بالاضافة الى قصائده الخالدات في المديح والوصف وغيرها مما ابدع.

ثم يردف (والكلام للجاحظ أيضاً): لا أعرف شعرًا يفضل قولَ أبي نؤاس:
ودار نــــدامى عـطـلـوهـــا وأدلــجـوا
بـهـا أثــرٌ مـنـهـم جـديـــــــدٌ ودارسُ

مساحبُ من جرِ الزقاقِ على الـثرى
وأضـغـاثُ ريـحـانٍ جـنـىٌّ ويـابـــسُ

حبستُ بها صحبي فجَدَّدْتُ عهدهمْ
وإنّـي عـلـى أمـثـال تـلـك لـحابــس

حـبـسـتـهـمـو يـومـاً ويـومـاً وثـالـثــاً
ويـومــاً لـه يـــومُ الـتـفـرق خـامـــسُ

تـدارُ عـلـيـنـا الـراحُ فِـي عـسـجـديةٍ
حـبـتـها بـأنـواعِ الـتـصـاويـرِ فارسُ

قـرارتُـهـا كـسـرى ، وفي جـنـبـاتِـهـا
مـهـاً تـدّريـهـا بـالـقـسـيِ الـفـوارسُ

فـلـلـخـمـرِ مـا زرتْ علـيه جـيـوبُـهـمْ
ولـلـمـاءِ مـا دارتْ عـلـيـهِ الـقـلانــسُ

ومن يقرأ هذه القصيدة الاولى لا يتوقع انه سيقرأ القصيدة الثانية والتي يعود بها الى طبعه وما مع عرف عنه من لهو وعبث وطيش فيسرد فيها قصة حبسه لصحبه في حانة بارق واجمل وصف وأروع تشبيه؛ فلزِقاقِ الخمر أثرٌ على الثرى من السحب كناية عن ثقلها ، ماكثين في تلك الحانة يعاقرون الخمر خمسة أيام كما جاء في الوصف
ثم رسم صورة أجاد فيها في دقيق وصفه للكؤوس التي جاءت من بلاد فارس وقد رُسم في قرارتها صورة ملكهم كسرى ورسم على جنباتها صورة فرسان تلاحق وتهاجم قطيعاً من الغزلان وبعد كل هذا الوصف يصل الى غايته وهي الاخبار عن نصيب الماء والخمر من الكأس.
وتعد هذه الدقة في الوصف مع عذوبة النسج وحسن المعاني من أجمل ما قيل في الشعر العربي حتى قال الجاحظ: نظرنا في شعر القدماء والمحدثين، فوجدنا المعاني نقلت، ورأينا بعضنا يسرق من بعض إلا قول عنترة:
وَخَلَى الذُّبَابُ بِهَا فَلَيسَ بِبَارِحٍ … غَـرِداً كَـفِـعْـل الـشَّاربِ المُتَرَنّـمِ
هَـزِجـاً يَـحُـكُّ ذِراعَــهُ بذِراعِــه … قَدْحَ المُكَبِّ على الزِّنَادِ الأَجْـذَمِ

وقول أبي نؤاس:
قرارتُها كسرى وفي جنباتِها … مهاً تدّريها بالقسيِ الفوارسُ
فللخمرِ ما زرتْ عليه جيوبُهمْ … وللماءِ ما دارتْ عليهِ القلانـسُ

فلما أصاب الشعراء اليأس من ادراك معانيه، وبدا منهم العي والعجز بالوصول الى جمال مبانيه، ولم يبق لهم من وردٍ سوى ورده، ولا دلالة غير اقتفائه ، فتبعوا منهجه إذ لا سبيل لمعانيه وصوره.

لا تعليقات

اترك رد