ما بعد مؤتمر الأستانة : قراءة في البعدين الإقليمي والدولي للأزمة السورية


 

ظلّت الأزمة السورية1 متأرجحة بين العواصم الدولية والإقليمية، انعكاساً لما يجري على الأرض، وكان من مخرجات ما بعد حلب أن يحدث نوعاً من التقارب الإقليمي والدولي، لعقد مؤتمر تحضره الأطراف السورية يبحث في حيثيات الأزمة ابتداءً من ترسيخ الهدنة ومروراً بوقف إطلاق النار وصولاً للحل السياسي المنشود.

لم يتصوّر أحد قبل انعقاد المؤتمر أن العاصمة الكازاخستانية المعروفة باسم “الأستانة”2 والتي كان اسمها سابقاً “آلما أتا” ستكون محطّة لحوار بين السوريين أولاً وهم الذين رفضوا الجلوس إلى جانب بعضهم البعض على طاولة مفاوضات لتسوية سلميّة للنزاع المندلع منذ 15 آذار (مارس) العام 2011 والذي اتخذ طابعاً عسكرياً وعنفياً بعد بضعة أسابيع، واستمرّ منذ ذلك اليوم ولحد الآن، خصوصاً

1- لمتابعة الأزمة السورية وتطوّراتها، يمكن العودة إلى حلقتين نقاشيتين نُشرتا في مجلة المستقبل العربي، الأولى – في بداية الأزمة، وشارك فيها شخصيات معارضة قبل أن تتبدل المواقف وينقلب بعضها،حيث ترددّت دعوات إلى الانتقال السلس للديمقراطية بتسوية تاريخية، (انظر: مداخلات حسن عبد العظيم وعارف دليلة وميشيل كيلو وحسن العودات ونبيل مرزوق وأحمد برقاوي، إضافة إلى مداخلتَي حسن حمادة ومحمد نور الدين)، وكانت الحلقة بعنوان: “سوريا إلى أين؟”، العدد 392، تشرين الأول (أكتوبر) 2011، والثانية – الموسومة: “الصراع في سوريا وعليها” العدد 442، كانون الأول (ديسمبر)، 2015. انظر كذلك: شعبان، عبد الحسين – “الشعب يريد – تأمّلات فكرية في الربيع العربي”، دار أطلس، بيروت، ص 231 – 236 (قسم الملاحق: الملحق رقم 2، الموسوم: سوريا والتسوية التاريخية المنشودة). 2 – انعقد مؤتمر الأستانة وسط حقل من الألغام والشكوك، بدأت من إمكانية انعقاده أصلاً ومن ثم من النتائج التي سيتوصل إليها، لكن التقارب الروسي – التركي وما تعرّض له المسلحون من هزيمة في حلب كان وراء انعقاده. ويمكن القول إن انعقاد المؤتمر هو خطوة أولية لكنها مهمّة لكسر الحاجز النفسي أولاً ثم لوضع مسار قد يكون جديداً للحلّ، ويمكن للأمم المتحدة أن تستكمله وتضع اللمسات الأخيرة عليه في مؤتمر جنيف (شباط/ فبراير 2017) أو في غيرها وقد يستغرق الأمر وقتاً ليس بالقصير. ولعلّ مشاركة المعارضة المسلحة بالتفاوض مع الحكومة وبرعاية أطراف دولية هو بمثابة اعتراف بها لوجودها على الأرض على حساب المعارضة السياسية الخارجية. انظر: بخصوص مؤتمر الأستانة: جريدة الأخبار “اللبنانية” في 23/1/2017 وجريدة رأي اليوم “الألكترونية” في 23/1/2017 وجريدة الوفاق “الإيرانية” في 24/1/2017.

بتبادل اتهامات مستمر، فالمعارضة حاولت “أبلسة” الحكومة، وسعت لشلّ مؤسسات الدولة، ومن جهة ثانية نظرت الحكومة إلى المعارضة باعتبارها جزءًا من مؤامرة دولية تستهدف سوريا، وبين هذا وذاك استمرّ القتال وتعطّلت التنمية، وانحسرت سيطرة الدولة على العديد من المناطق التي خرجت عن سلطتها، وعمَّ الدمار بمختلف أشكاله في جميع أنحاء سوريا.

ودفع الشعب السوري الثمن باهظاً، ليس فقط بآلة الإرهاب والعنف وانعدام الأمن والأمان والحياة الطبيعية فحسب، بل من خلال عمليات نزوح ولجوء شملت أكثر من 8 مليون سوري3، إضافة إلى تخريب مدن بكاملها، وتحطيم بُنيتها التحتية، وتعريض بيئتها وأراضيها للتصحّر، وتعثر الزراعة والصناعة كليّاً أو جزئياً، كما سادت الفوضى العديد من المناطق، وهيمنت الجماعات الإرهابية على نحو ثلث الأراضي السورية، وأصبحت الرّقة عاصمة لـ”داعش”، الذي فرض على المناطق التي تحت هيمنته نمط حياة أقرب إلى التوحّش، تعود إلى القرون الوسطى، وفي تعارض كامل مع روح العصر والمدنية والتحضّر.

موسكو وأنقرة وطهران

جمعت محطّة الأستانة للحوار إضافة إلى السوريين (الحكومة والمعارضة المسلّحة) ثلاث جهات دولية، هم الروس والأتراك والإيرانيون، وهم قوى فاعلة في الملف السوري، وكان يمكن ضمّ السعودية وقطر، وبالطبع الولايات المتحدة إلى حوار

3- حتى مطلع العام 2016 نشرت الحكومة السورية على موقعها الألكتروني إحصاءات مفصلة لأعداد اللاجئين السوريين في دول الجوار والعالم، تجاوز عددهم 5 ملايين لاجىء، ففي تركيا وحدها هناك مليونين و407 ألف لاجىء، وفي لبنان بلغ عدد اللاجئين السوريين مليون و70 ألف، أما حصة الأردن فقد كانت 633 ألف و466 لاجىء. أما عددهم في العراق فوصل إلى 244 ألف و527 لاجىء، وكانت مصر قد استوعبت نحو 123 ألف و800 لاجىء، وفي باقي الدول العربية 26 ألف و800 لاجىء سوري. وكان عدد اللاجئين السوريين إلى أوروبا (حتى بداية العام 2016 حسب الإحصاءات الرسمية السورية) 550 ألف لاجىء، ولكن الأعداد الغفيرة من اللاّجئين كانت قد توجّهت إلى أوروبا وأحدثت أزمة سياسية وثقافية واجتماعية وأمنية خلال العام 2016، لا سيّما حين تدفق مئات الآلاف منهم عبر عدد من الدول الأوروبية، وخصوصاً اليونان والنمسا وبعض دول أوروبا الشرقية، ومثل هذا العدد الذي تضاعف خلال العام 2016 كان مثله من النازحين سواء من حلب أو إدلب أو الرقة أو دير الزور وغيرها.

الأستانة، لكي تكتمل أطراف الحوار الأساسية، لكن ذلك لم يحدث لأسباب تعود إلى حساسيات الجهات المشاركة وأدوارها في الصراع، فدول الخليج التي دعمت الجماعات المسلّحة وقوى المعارضة وموّلتها، لم يكن في أجندتها وارداً أن يتم الحوار، لذلك اعتبرت أن الأمر لا يعنيها، وشكّكت في أن يصل الحوار إلى نتيجة ملموسة، خصوصاً وأنها كانت قد رفعت أعلى الشعارات رنيناً، بانحيازها ضدّ الحكومة السورية، مراهنة على المعارضة والقوى المسلّحة، إضافة إلى ذلك أن الذين برزوا في هذا الحوار هم المعارضون المسلّحون على الأرض، وليس الجماعات السياسية “الخارجية”!.

أما إيران فقد رفضت حضور السعودية، كما لم ترغب بحضور الأمريكان، في حين كان الروس يميلون إلى حضور السعودية وجميع الأطراف الدولية ذات التأثير في الملف السوري، بهدف استكمال النّصاب – كما يُقال – خصوصاً لجهة العلاقة بحضور الأمريكان الذين ظلّوا متردّدين في الحضور. وبغض النظر عن كون الأطراف الدولية الغائبة منحازة كلّياً إلى جانب المعارضة والجماعات المسلّحة، وأن غيابها بلا أدنى شك سيؤثر على الاتفاق الشامل للحلّ، لكن ثمة استدراكات، فواشنطن أعلنت أنها تقف ضدّ الإرهاب وتسعى للقضاء على “داعش”، ولم تعد تطرح مسألة رحيل الرئيس الأسد عن السلطة، الأمر شجّع بعض أطراف المعارضة السياسية على المشاركة في لقاء موسكو التكميلي بعد أن كانت تشكّك بجدوى مؤتمر الأستانة، ناهيك عن قوته الإلزامية، وقد كانت مبادرة موسكو استدراكية أيضاً بهدف سدّ النقص في مؤتمر الأستانة والتعويض عنه بلقاء المعارضة وزير خارجيتها سيـرغي لافروف في موسكو بعد مؤتمر الأستانة

4- رحّب الرئيس السوري بشار الأسد بالتعاون الروسي – الأمريكي لمحاربة الإرهاب، ونقلت وكالة سانا (السورية الرسمية) عن الأسد قوله لمجموعة صحفيين من بلجيكا إن هذا التعاون المتعلق بمواجهة الإرهاب ستكون له نتائج إيجابية. وكانت الخارجية الروسية قد اعتبرت أن ترامب شريك أفضل من أوباما في التفاوض بشأن سوريا، لأنه لم يربط بين حل الأزمة السورية برحيل الرئيس السوري، وكانت بريطانيا لأول مرة وعلى لسان وزير خارجيتها بوريس جونسون قد أكّدت أن مشاركة الأسد في الانتخابات الرئاسية السورية المقبلة أمراً ممكناً في حال التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع بعد أن كانت هي والغرب عموماً يصرّون على رحيله منذ اندلاع الأزمة قبل نحو ست سنوات.

لقد كان اختيار الأستانة مكاناً لانعقاد المؤتمر ما يبرّره، فهي مقرّبة جداً من موسكو، مثلما هي في الوقت نفسه مصدر ثقة بالنسبة لواشنطن، الأمر الذي أضفى على المؤتمر أهمية خاصة، لا سيّما وأن كازاخستان ترغب في لعب دور الوسيط، وقد ساهمت في التقارب بين موسكو وأنقرة، وهي إحدى الجمهوريات السوفييتية المنفصلة عن الاتحاد السوفييتي بعد انحلاله، وذلك حين قرّرت الاستقلال في كانون الأول (ديسمبر) في العام 1991، بعد أن كانت منذ العام 1917 “جمهورية سوفيتيية”.

 

يبتع

 

لا تعليقات

اترك رد