العرب والديمقراطية


 

من اجل تدوير الفكرة وادامة دعم وتاييد الراي العام، بعد ان احتل بوش العراق وعرف ان العالم حينها سيكتشف كذبة الاسلحة النووية، كان ان تغيرت اسباب الغزو من منع وصول تلك الاسلحة لقوى الارهاب، الى نشر الديمقراطية في الشرق الاوسط ، ولم نكن كعراقيين وعرب نفرق بعد بين الديمقراطية والفوضى، ففاضت بنا الحدود حتى لامست الفناء والخراب ، فعدنا الى السؤال الذي لم نطرحه على محتلينا قبل وبعد مجيئهم، مثلما لم يطرحه العالم الحر- الذي أيد أغلبه احتلال العراق او بعضه الذي مانع او وقف في المنتصف- عليهم ايضا: هل الديمقراطية مطلب العرب؟..

قياسا الى مانشهده اليوم من تاثير لليبرالية والعولمة، فانه لامناص لنا من الاجابة بنعم، فالعرب جزء من العالم الذي يعيش اغلبه اجواء الديمقراطية ويتنعم بقيمها، ويعتقد البعض وربما الكثير، ان لاحل لاوضاعنا المتردية الا بنظام ديمقراطي يحقق لنا ما نفتقده من العدالة والحرية والمساواة، ويربط البعض صيغة هذا النظام بشيء من العلمانية الخجولة والتي يقول عنها انها فصل الدين عن الدولة، ولكن: ترى عن اي دين يتحدثون؟..

حين فصل الغرب الدين عن دولته إنما فصل تحكم رجال الدين بالنظام السياسي وانتهى الامر، ولكن المسيحية ليست الاسلام، الاسلام شريعة متكاملة، فقهها يمتد من دخولك للحمام الى نومك مع زوجتك والى بيعك وشراءك، والى علاقتك بجارك وبالطريق، ويمتد ايضا الى مابعد وفاتك، فارثك وحسابك وعقابك كلها موجودة ومشرعة وحاضرة والاهم انه يمتد الى خصوصياتك فمشاعرك واحاسيسك ونواياك كلها محل حساب بثواب وعقاب ( انما الاعمال بالنيات) ، وان اختلف البعض في التفاصيل فان الثوابت واحدة، فمادمت تؤمن بالله وباليوم الاخر، فلا حل لك الا بأن تخضع لشريعة الاسلام وبما قدر لك وبالتفصيل الممل احيانا، فان حاولت ونجحت في ابعاد رجال الدين عن السلطة(وهذه نقطة التحدي الكبرى) ، فعليك بعدئذ ان تعيد القراءة والصياغة وتنسج خيوط الوصل بين المدنية وحداثتها وبين الارث الممتزج بشيء من الشريعة وشيء من التقاليد، وفي كلا الحالتين لايمكن للديمقراطية التي تؤمن بالتعددية وحرية التعبير ان تكتم اصوات الداعمين لسلطة الدين وشريعته ورجالاته، ولعل تجربة الربيع العربي وقبلها النظام الديمقراطي الطائفي في العراق خير دليل على تسيد المد الديني للمشهد السياسي بدل المد المدني والعلماني، حيث ان رجال الدين وامتداداتهم هم النخبة الجاهزة الحاضرة في كل وقت ومكان، في حين يحتاج الناشطون المدنيون الى الكثير من الوقت والدعم سواء محليا او خارجيا للاستعداد لتقديم انفسهم كنخبة يمكنها تمثيل مصالح فئة قليلة او كبيرة من الشعب، وعبر عقود طويلة من حكم العسكر او الانظمة الدكتاتورية او القبلية العربية، لم تتمكن القوى الوطنية التي تعلقت بالديمقراطية كسبيل وحيد لنشاطها من الاستمرار والعمل والمنافسة، في حين كان رجال الدين دائما فاعلين ومؤثرين بسبب انتهازيتهم وتعاونهم مع السلطات القائمةكيفما كان شكلها..

ان مراجعة سريعة للتاريخ تعطينا صورة دالة على ان النظام الديمقراطي في العالم الحر لم يكن متسعا ومكتملا بالصورة التي نشهدها اليوم ( كقيم وكآليات) بل انه خضع لمسيرة طبيعية من النمو والتطور ، ليكون نظاما يحلو للغرب التفاخر به كافضل ما انتجت الانسانية من نظام سياسي مرن لادارة شؤون

الدولة والمجتمع، في حين لم يتمكن العرب من الاقتراب باي شكل كان من ذلك النظام، ولا يعني هذا ان العرب غير قادرين على ذلك، فصورة الغرب قبل عصر النهضة ومن ثم الثورة الفرنسية لم تكن افضل حالا من العرب، إلا ان المشكلة تكمن في ان العرب لم يمتلكوا زمام امورهم لقرون مضت، ولم يحصلوا على الفرصة التي يتوقفون عندها للنظر الى انفسهم ومستقبلهم لا على مستوى الامة مجتمعة ولا على مستوى كل بلد عربي على حدة، لقد كان قدر هذه الامة ان تكون هدفا وساحة للصراعات، فقبل اكتشاف النفط، كانت هي نقطة التصارع بين الامبراطوريات، وبعد النفط اصبحت هدفا للهيمنة والسيطرة سياسيا واقتصاديا، ومع وجود اسرائيل، اخذ مسار هذه الامة منحى مختلفا، اذ اصابها الشلل، فلاهي قادرة على تجاوز وجود هذا الكيان والتعامل معه كحقيقة قائمة، ولاهي قادرة على ازاحته والتخلص من شروره، فمنذ قيامه والى اليوم تتعرض هذه الامة الى الكوارث واحدة اثر اخرى، فالحروب التي خاضوها منذ عام 1948 كانت واحدة من الاسباب التي دفعت الجميع ، انظمة وشعبا الى الانشغال بالامن وبكل مايمت بصلة الى احتمالات حرب قادمة لتوفر النية المؤكدة لدى اسرائيل للتوسع على حساب الاخرين، ولنا ان نتخيل كيف يمكن لمجتمعات تعيش فكرة حرب دائمة ان تتجه للديمقراطية والانتخابات والحقوق والحريات، ففي الوقت الذي كان الغرب يهيء للطفولة كل الرعاية والعناية اللازمة، كانت انظمتنا تدفع الاطفال للتدريبات العسكرية وللاقتطاع من مصروفهم اليومي للتبرع لدعم فلسطين، فاصبحت فلسطين كارض محتلة واسرائيل كقوة غاشمة، زاد اطفالنا وزوادتهم الفكرية والنفسية، ولعقود ايضا كانت فلسطين قضية العرب المركزية وكان اي تغير في سلوك القادة تجاهها مدعاة لاتهامهم بالعمالة والخيانة، فكان الجميع يتسابق في التظاهر بدعمها، اما في السر فهناك حفلات التخابر والاتفاقات والخذلان، فلم يعرف الشعب العربي طريقه الصحيح ولا مصيره ومستقبله، ومثلما ترى الدواعش اليوم ياتون من تونس والمغرب والسعودية والسودان وبلدان كثيرة اخرى غيرها، كانت منظمة التحرير الفلسطينية تحظى بذات الشيء وبدعم الجميع، انظمة وشعوبا، ولم يقتصر هذا الدعم على العرب بل هناك الكثير من القوى المناهضة للامبريالية والعنصرية وقوى التحرر في العالم، ساندتها ودعمتها وقدمت لها الكثير في نضالها ضد اسرائيل..

كان العالم شرقا وغربا، يتطور وينمو ويبتكر ويخترع، وكنا نحن نحتفل بتشييع شهداء القضية الفلسطينية وشهداء معاركنا الجانبية الاخرى والى اليوم مازالت الامهات تزف جثامين ابنائهن الشهداء، وفي النهاية فقدنا المسارين، فلا نحن حافظنا على هذه القضية واوصلناها الى نهاية تتناسب وتلك الدماء التي سالت من اجلها، ولا نحن انتبهنا الى اوضاعنا كنخب وكشعب لنكون جزءا من عالم قادر على الفعل والتفاعل، لقد كان الشلل ومازال هو النظام المسيطر على حركتنا..

لقد كانت بنية النظام السياسي العربي قائمة على توفر صورة الرمز، ابتداءا من الخليفة الذي كان يذكر اسمه في المساجد من الهند الى الاندلس، وانتهاء بالرؤساء والملوك الذين الذين حكموا العرب حديثا وكل منهم كان فارس الامة الاوحد وقائدها الاوحد، ولم يكن هذا الزعيم او ذاك هو فقط من يرى نفسه انه الاوحد، انما كانت الجماهير الواسعة ومازالت تصفق وتطبل لكل من يحكم البلاد دون تفكير بحقوقها وحرياتها بل وبحاضرها ومستقبلها أيضا، لتعطيه تلك الصفة وصفات اخرى تجعل منه الها قبل ان تكفر به لاحقا ثم تندم على ذلك الكفر، ولم يكن الخوف هو من يدفعها لذلك، بل هو البناء النفسي والعقل الجمعي والسلوك الاجتماعي العشائري والقبلي القائم على التبجيل والتقديس، تماما مثلما يندفع اليوم العراقيون والليبيون والتونسيون واليمنيون الى تعظيم رجال الدين والعصابات والميليشيات بدوافع الجهل

والايمان أكثر من الخوف، أما في بلدان عربية معينة فمازال المواطن يقبل يد الزعيم ملكا او اميرا، باعتباره ولي نعمته ومالك حياته ومصيره..

مطلبنا اذن كعرب، لايتعلق بالديمقراطية، وحتى لايفهم معنى كلامي خطأ، فانا اؤمن بالديمقراطية وبحلولها الصحيحة، الا انها اشبه بسلاح فتاك بيد الجهلاء والحمقى كما يقال، وحين يمنح الجاهل حق تقرير المصير، فانه اشبه بطفل لايعرف مصالحه ولايقدر حريته، مشكلتنا اذن في الامية والجهل المتفشي حد النخاع، هذا الجهل الذي كرسته وما زالت تكرسه النخب الحاكمة ورجال الدين لانه الوسيلة الوحيدة التي تضمن لهم بقاءهم في السلطة وتمتعهم بالثروة والقوة والامتيازات على حساب شعب عاشت اجياله السابقة وتعيش اجياله الحالية مسحوقة مغلوبة على امرها..

لا تعليقات

اترك رد