الرجل الأحمق واللص .. مفارقة من واقع الاختلاف

 

أنت تشبهني لحد يدعو للدهشة، إنها معجزة تتكرر أمامنا في هدوء وصمت لا نلحظه أونتأمله عن قرب، فلك عينان مثلي وأنف وفم ويدين وقدمين وخلف هذه الجمجمة يقبع عقل مثلي تمام أنا بالفعل أشبهك.. من يشبه الآخر؟! الحقيقة هي أننا “أنا وأنت” شيء واحد كلانا.. هذا البشري، سجين جسده وأفكاره البائس محدود الرؤية المعتز بغرائزه الحيوانية لدرجة الجنون!، ولم يكن في نيتي أن أطرح الأسئلة حول حدود إشكالية إختلافنا لاحتوائها بإقامة سياج الأسئلة حولها، أو لرسم خريطة جغرافية بارزة الملامح لها لأنها وللأسف الشديد تنمو للخارج بعيدا عن سيطرة ذواتنا التي أضحت تواجه (المجهول / العالم) وهي تشعر بوحدة كونية تبتلعها دون رحمة أو شفقة تليق بهذا الإرث الإنساني.

أتذكر الآن قصة قصيرة كنت قد كتبتها من عدة سنوات أتذكرها جيدا رغم نسياني لإسمها أو الصحيفة التي نشرت فيها!، حضورها يقتحم حديثي في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ البشرية البائس، كانت قصتي تبدأ بمشهد بسيط غير مزخرف يتصدره رجل يحاول جاهدا فتح باب فولازي لغرفة أسراره.. كما يسميها هو، لكنه يفشل في فتح الباب العنيد بعد استخدامه العديد من الأدوات الحادة والثقيلة، الباب صلد ومغلق بشكل تستحيل معه الحيل والمحاولات كلها بائت بالفشل.. كان قلمي أثناء كتابة هذه القصة يتتبع حركة الرجل الهستيرية في شقته التي يعيش فيها بمفرده بحثا عن المفتاح الذي اختفى!.

كنت من الحين إلى الآخر أشي للقارئ بمحتويات غرفة الأسرار دائرية الشكل، والتي تحوي هوية الرجل وألبوما للصور وقطعة أثرية “فرعونية” قد ورثها الرجل من والده الذي ورثها بدوره عن والده .. وهكذا، وصندوق مصنوع من الصدف يحتفظ بمصاغ والدته الثمين، ومكتبة تلف مع الجدران تحتوي على مجموعة من الكتب ذات الورق الأصفر العتيق، أنا نفسي لم أكن أعرف على وجه الدقة والتحديد ماذا يريد أن يأخذ هذا الرجل الذي أوشك على الجنون أمام الباب المغلق من داخل الغرفة “وقت كتابة القصة وإلى الآن”، لكن ما يمكن أن أؤكده هو أن الرجل استعان بلص ارتبط به بعلاقة ما غامضة بدأت منذ سنوات قليلة بعد أن وجده داخل غرفة الأسرار وهو يحاول سرقة محتواياتها!، اشتكى اللص فقره وقلة حيلته وبكى بكاء يشبه بكاء الأطفال حتى انفرط قلب الرجل وسامحه وأطلق سراحه، وبالفعل استجاب اللص لطلب الرجل ودخل غرفة الأسرار من النافذة الضيقة، كلما احتاج الرجل شئ من داخلها، ونسي الرجل تماما الباب المغلق والمفتاح الضائع!. لم أبتعد يا شبيهي في البشرية كما تتصور بالعكس أنا أقترب إليك أكثر.. أيها الرجل الأحمق الكسول.

أنا وأنت نحيا على هذا الكوكب الأنيق نختصب عقولنا في أوقات الفراغ ونقذف أفكارنا وأحلامنا بقنابل التفكك والإنشطار نقتات يا شبيهي في البشرية “ليل نهار” من ثقافة الفرقه بعدما أعلنا الحرب على ثقافة إحترام الرأي والإختلاف “يا أنا” اختفى مفتاح “غرفة الأسرار” وامشي في بلادي بلا هوية بلا حاضر بلا تاريخ في اتجاه (المجهول / العالم) نخطو نتلمس كتل الظلام.

أنت شبيهي حقا وكلانا هذا البشري حقيقة لا مفر منها، لكننا لسنا نفس الإنسان، أنت تقتل وأنا أكتب، أنت تزور وأنا أفضح غشك، أنت بنيت الأسوار حول بلادك وأنا أتوهج بالثورة، أنت تحرمني من كسرة خبز وأنا أعجن كلماتي بالشعر ليأكلها مسكين أو عابر سبيل، أنت تغزو وأنا أزرع وردة، أنت تهدم مسجدا وأنا أرتل الذكر الحكيم، أنت تهدم كنيسة وأنا أشعل شمعة، أنت تشيد سجنا تحت الأرض وأنا ألقي ببذور الحرية، أنت وأنت وأنت، أما أنا، أنا لا أكف عن محو الموت خلفك ولن أكف عن مد أحلامي إليك.

خلف كل هذا الجنون فكرة تتطور بالتواز مع التطور الوحشي لجذور الوحدة التي نمت على أرض الإغتراب.. أرضنا، والذي ابتلع في غفلة إنسانيتنا التي توقفت عن النمو منذ أن تنازلنا عن إختلافنا ومنذ أن سيطرة على تفاصيل حيواتنا نزعات تقهر الآخر وتنفي أحلامه البسيطة في المستنقعات وكلمات وجه في الشوارع وحروف لغته في الفراغ، حتى أصبح من بيننا تجارا للأعضاء البشرية!، وساسة سماسرة حروب!، وورش “صغيرة” لصناعة القنابل!، وشاشات تعرض على رأس الساعةاحصائيات لعدد القتلى في كل مكان!، وحكام لا تقرأ وجيوش تنفذ أوامرهم!.

“قطرة الماء تثقب الحجر، لا بالعنف، ولكن باستمرار التساقط”، لذلك ادعوك يا شبيهي في البشرية أن تنظر لداخلك، وتغمض عينيك عني، عليك الآن أن تفتش على الطفل عليك أن تجده في هذا العمق المظلم داخلك، فلا مفر من أن تمتثل لأوامره وتصغى لرغباته، وأنا سأشتري له الحلوى.. أعدك.

لا تعليقات

اترك رد