تاريخ التصميم الكرافيكي والنقد


 

في الوقت الذي يتعاظم فيه دور تطبيقات التصميم الكرافيكي ،فان مجالات النقد مازالت تراوح مكانها على الاقل في عالمنا المحلي ، او الاقليمي ،وهناك من الاسباب التي ربما عطلت ،او اخرت تعَرُضْ المشتغلين في مجالات النقد ،من بينها ضعف مايقدم ، وعدم تاثيره في الوسط المجتمعي والحراك الفني والثقافي ، او لعدم توافر متخصصين في هذا المجال ، اما على مستوى العالم فالموضوع ياخذ منحى اخر ،اذ نقرأ بين الحين والاخر قراءات نقدية واعدة تبحث في تفكيك التصميم وحيثيات اشتغالاته ، وهو متطلب لايقل شانا عن العمل ذاته، وحسب مانرى ، فان النقد يشكل لاحقة مكملة للتصميم به يغتني ويعزز ، وفي قراءة سردية لتأريخ التصميم والنقد ، فأنه يفضل ان نعود الى خطاب التصميم الكرافيكي وارسالياته البصرية في تسعينات القرن الماضي ، والإهتمام الكبير بتنمية الثقافة البصرية؟ اذ مثلت الوقت التكويني المناسب لتاسيس علاقة مهمة بين تاريخ التصميم الكرافيكي ونظريات النقد، وبيان المدى الذي هيمنت فيه محاولات بناء خطاب حاسم للتصميم الكرافيكي الذي اجتاز الممارسة والبحث الأكاديمي، بقيادة شخصيات مثل ريك بوينور في المملكة المتحدة وإيلين لوبتون، جيسيكا هيلفاند، أندرو بلوفلت، ستيفن هيلر، ومايكل روك من الولايات المتحدة . وكان لصحافة التصميم الدور الأساس، اذ ادت عدد من منصات النشر دورا رائدا في تشكيل نمط جديد من النقد التصميمي الذي شجع النقاش والنقد لكل من التصميم الكرافيكي المعاصر والتاريخ، بل تجاوزوا صيغة الصحافة التجارية، فضلا عن المساعدة في وضع التصميم الكرافيكي في الموقع الذي يستحق ،عن طريق تقديم مساهمات جديدة في التفكير، ويشير (ريتشارد هوليس -1994) الى ان اساتذة التصميم الكرافيكي، لاسيما الشخصيات الأمريكية من مكوي، وايلد وبورديك، كانوا مؤثرين للغاية، ولكن المخاوف، على الأقل الفكرية، كانت مع نوع معين من الاتجاهات النظرية: نظرية ما بعد البنيوية الناقدة ،لاسيما مفهوم ديريدا عن “التفكيك”، الذي دخل بقوة الى المفهوم النظري للتصميم الكرافيكي ، وشجع ذلك تناول المساق من قبل المملكة المتحدة في (اكاديمية كرانبروك للفنون) تحت كاثرين مكوي ،التي اولت الاتجاه اهتماما كبيرا ودافعت كثيرا عن متبنياتها النظرية، وفي هذا الوقت لم تكن ما بعد البنيوية، موضع ترحيب، أو ذات فائدة! ولكن هناك أنواع نظرية كثيرة ، ومنذ ذلك الحين تطورت البحوث والفهم في التصميم الكرافيكي من خلال نقد التصميم الكرافيكي ،وتاريخ الطباعة والنشر؛ لكن السياق الأوسع للثقافة المرئية وشواغلها النظرية لا يزال غائبا إلى حد كبير، ولم يكن موضع مناقشة حتى وقت قريب نظرا لموقعها المحوري بين وسائل الإعلام والتصميم .

ان حالة الثقافة البصرية قوية لعدد من الأسباب: منها ان التصميم الكرافيكي هو معقد بشكل مدهش ، والثقافة البصرية هي النهج الذي يمكن أن يستوعب هذه التعقيدات وخدمة الموضوع بشكل جيد،اذ يؤدي التصميم الكرافيكي دورا أساسا في البيئة البصرية ؛ فإنه يعتمد على التفاهم الثقافي والتشفير، والجمهور وشروط المشاهدة ، كما يعبر التصميم الكرافيكي المعاصر عن وسائل الإعلام والطباعة والشاشة ، وكل منهما وضمن اطار الثقافة البصرية يمكن التعامل معه كنهج شامل متعدد التخصصات. ويبدو من الواضح انه في ضوء ذلك وضعت أطر تحلل السياقات الثقافية البصرية لفهم أفضل للعمل، وباختصار، فإنه مناسب لموضوع التصميم الكرافيكي، فضلا عن ذلك ، كانت علاقة التصميم الكرافيكي مع تاريخ التصميم متخلفا، وبشكل اكثر تحديدا ، وعلى الرغم من إنجازاته وأبطاله ،الا انه ظل محدودا في نهجه ، كذلك ظل تاريخ التصميم الكرافيكي محصورا بمقارنة مع التصميم الكرافيكي كأساس يقول لنا ما نحتاج إلى معرفته، وهذا لا يعني التقليل من شأن العمل المهم الذي تحقق، بل التساؤل عما إذا كان يمكن أن تكون الأفكار أكثر عمقا؟ بمعنى ان رواد تاريخ التصميم الكرافيكي مثل تولوز لوتريك في تصميم الملصق أو المصممين الحداثيين مثل موهولي ناجي، أو ليسيتزكي، كانوا ممارسين للثقافة البصرية التي عبرت حدود الفن والتصميم ووسائل الإعلام.

هنا اخترنا وضع حدود لتقسيم العمل للتحليل، ولكن هل هذا منطقي؟ ولكي ينمو هذا الموضوع، يجب أن يكون النهج أكثر تخصصا، بحيث يفسر حقا الدور الثقافي المعقد للتصميم الكرافيكي في تجربتنا البصرية المثيرة، كما أننا بحاجة إلى إشراك المجتمع الأكاديمي بشكل أوسع في تاريخ التصميم والتصميم الكرافيكي لمواصلة تطوير الموضوع وتعظيم المنح الدراسية، والاخيرة التي طرحها مؤخرا (بوينور )، التي تعد مهمة جدا في مسار تطوير الأطر العلمية المناسبة.

اذن بماذا يقترب التصميم الكرافيكي من المنظور الثقافي البصري ؟ الاجابة :ببساطة لا توجد نظرية متجانسة تحتاج إلى “تطبيق” ، ولكن هناك مجموعة من المخاوف ، اذ تولي الثقافة البصرية اهتماما بالمفاصل التاريخية في الاتصالات البصرية حتى في مناقشة لغة الرسم ،التي تشير إلى التقاليد السائدة المتعلقة باللوحة، أو تأثير التصوير الفوتوغرافي، بدلا من البحوث السابقة في التصميم الكرافيكي ، وتعد تقنيات الرؤية والإعلام مهمة في الثقافة البصرية – ليس فقط من حيث الإنتاج والأهمية المادية، ولكن أيضا من الناحية البصرية، فضلا عن طرائق النظر، ونظم قوتها، والسياقات لإشراك واستهلاك الصور التي تمثل ذات صلة، ومن المفهوم أن الرؤية نشطة، ومن ثَمَ فإن أحد جوانب تحليل التصميم الكرافيكي تتمثل في فهم أفضل لعين الجمهور المثقفة ، وفي ذات الوقت ترتبط بعين المصمم المثقفة .وسوف يساعدنا تحليل لمثال مبدع من تاريخ التصميم الكرافيكي في التفكير من خلال هذه الأفكار:

ملصق الطاحونة الحمراء لـ(تولوز لوتريك -1891)،الذي يشجع على إقامة ملهى جديد في باريس، يقع في مونمارتر، تتشكل بنيته من خلال عرض اثنين من راقصيه المعروفين، لويز ويبر (ويعرف أيضا باسم لا غولو) وجاك رينودين (المعروف أيضا باسم فالينتين لي ديسوسي) أمام الجمهور.

في مصطلحات التصميم، قد تتضمن دراسة ملصق مثل هذا: تحليل مرئي للصورة، مقارنة مع ملصقات أخرى (تولوز لوتريك)، ومع ملصقات أخرى من قبل معاصريه مثل (شيريه) للنظر في الأسلوب والعلاج، وسيتم تسليط الضوء على تطوير الطباعة الحجرية كعملية طباعية تظهر اثارها في الملصق ،وأخيرا، يمكن تضمين المعلومات السياقية حول خلفية (تولوز لوتريك) وشخصيته، والحياة في مونمارتر، والعلاقات مع المحيط، ومن المرجح أن المصمم ركز على المؤلف كنقطة مركزية، ولكن سياقية هذا فيما يتعلق بالتكنولوجيا والمواد ومعالجة بعض الجوانب الاجتماعية. ولا شك أنه سيكون مفيدا، ويمتد ما قد تقدمه الثقافة البصرية لتوسيع هذا الفهم الى ما وراء نطاق تاريخ التصميم الكرافيكي؟ ومن المحتمل أن تكون سياقية فيما يتعلق بتطورات الثقافة الصناعية الغربية أواخر القرن التاسع عشر؛ كما يمكن أن يشتمل ذلك:التصوير الفوتوغرافي، وظهور الكهرباء، واسقاط الصورة، ونمو الصحافة المصورة، والإعلان، والتصميم، والتعبئة والتغليف، وزيادة وقت الفراغ، واستهلاك السلع والعرض.. و جميع هذه الجوانب ذات صلة بباريس وقت إعداد هذا الملصق.

لقد جاءت هذه المعلومات بوساطة ، البيئة الحسية الصورية، والعرض، والمشاهدة. وفي مثل هذه البيئة لم يقف أي وسط أو أسلوب واحد من التمثيل البصري قائما بمفرده، ولم يتغذى إلا على تقاليده الخاصة، وهذه نقطة مهمة، اذ تشير إلى أن التحليل يجب أن ينظر إلى الجانبين كما كان وراء الملصقات والتصميم الكرافيكي لالتقاط تجربة بصرية، إذا اتبعنا خطى( ألبرس) و (باكساندال) على سبيل المثال، كما ينبغي أن نلتقي بالمعرفة البصرية التي قد اكتسبها مشاهد الملصق من خلال الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي عاش في حياتهم، مما كان سيجعل من الصورة ذات مغزى.

وكما بين العديد من علماء أواخر القرن التاسع عشر، كانت باريس حاضرة حديثة، وبهذا المعنى تشكل مكانا للقاء بصري وتجربة ،وكانت التطورات المهمة في الفضاء والتخطيط الحضريين أساسين للبهرجة والاستهلاك والترفيه، إذ كان الملصق موجودا في هذه اللحظة المعقدة من الحداثة، كما أدت عمليات التغيير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي إلى تشكيل مشهد بصري جديد، وممارسة حيوية لمشاهدة جديدة – ما هذا المشهد وما أنواع الاهتمام الذي يمكن أن يعلن عنه؟ أو يعلق على جدرانه ملصق الترفيه؟ وهناك أسئلة أخرى لاستكشاف كيف كانت ثقافة الملهى الجديد التي كان ينظر إليها من قبل معاصريه؟ من زبائنه؟ ما الممارسات الاجتماعية والترفيهية والمسلية التي سمح بها؟ وما الدوافع لذهاب الرجال والنساء إلى (مولان روج) ؟ هذه القضايا تسمح لنا بالتحقيق في جمهور للملصق.

إن استخدام أعمال النجوم يومها (ثقافة المشاهير كما كانت) تأتي لإغراء الزبائن،اذ يخبرنا بالفعل شيئا عن من أشاد به الملصق، ونوع المعرفة الثقافية التي استند إليها، وما يمثله هؤلاء المشاهير، وعند النظر في التقاليد المرئية التي يعتمدها الملصق والتاريخ الثقافي الذي يرتبط به، يمكن للمرء أن يتشتت ويأخذ كل جانب: رقم الراقصة يمكن في المركز، الرقم المقطوع من فالنتين في المقدمة ، واستخدام ضرب من الخيال عبر منتصف تصميم لجمهور مجهول ، منمنمة، أضواء، اشياء متكررة، وتوقيع لوتريك. ويمكن استكشاف كل منها على سبيل المثال، كما يمكن الرجوع إلى الرقم المقطوع في فالينتين إلى التقاليد الفوتوغرافية الجديدة الناشئة نسبيا ؛ في حين أن تقاليد مثل هذه الصورة الظلية وشعبيتها في الثقافة البصرية في القرن التاسع عشر برزت من خلال مسرح الظل وعلاقته بالملهى، وأشكال شعبية أخرى من الترفيه الحي، التي كانت محددة ذات ثقافة محدودة .

هذا هو مجرد رسم تخطيطي لكيفية البدء في التفكير من خلال منهج ثقافي بصري لتصميم كرافيكي ، لكنه يظهر عددا من الأشياء. أولا، ضرورة الاعتماد على التخصصات الأخرى وجمع المناهج والأفكار القائمة لفتح فهم أكبر للموضوع، وقد يشتمل ذلك تاريخ الفن، والنظرية الثقافية، والأنثروبولوجيا الثقافية، والجغرافيا الاجتماعية على سبيل المثال، وسوف يكون هناك الكثير من العمل الذي ينبغي ان يكون متصلا، لإظهار هذه الاتصالات الكرافيكية، التي تمثل جزءا كبيرا مما لا يزال ان يتعين القيام به،وسوف تتدفق اسئلة جديدة لم يتم الرد عليها، ولكن هناك نماذج عديدة من انماط الثقافة البصرية متوافرة للمساعدة،لانها تكمل كلاسيكية تاريخ التصميم الكرافيكي ولا تهدد ذلك، وكما يوضح هذا المثال، فإن التفكير في العلاقات المعقدة بين الصور المرئية والخبرات يثري فهمنا للتصميم الكرافيكي، وكان اختيار الملصق الأيقوني “معلما” وفقا لـ( ميجاس) متعمدا بِعَدِها واحدة من الاعتراضات الرئيسة من مؤرخي الفن على الثقافة البصرية ،وتهديدا متصورا لأعمال كبيرة… لكن الثقافة البصرية ستوضح التصميم الكرافيكي المعاصر وغير المصرح به كما هو مفيد في مثل هذا الانموذج الشهير في القرن التاسع عشر: الإطار هو ذات الصلة في سياق ثقافة الشاشة والمساحات الجديدة المتغيرة للتصميم الكرافيكي، وهذه أحدى الأسباب العديدة التي تجعلنا نتعامل معها حسب الاقتضاء.

أن المُنَظِرين الثقافيين البصريين تجاهلوا التصميم الكرافيكي بشكل غير مفهوم، وأن مؤرخي التصميم، بل ان مؤرخي التصميم الكرافيكي، تجاهلوا الثقافة البصرية ومناقشاتها كذلك…وارى ان سبب التقصير يعود الى مراكز بحوث التصميم ووسائل الاعلام التي لم تاخذ الموضوع بالاهمية المناسبة.

لا تعليقات

اترك رد