التسكع بأفكار الغير …

 

أغلب الدول العربية عانت من ويلات الاستعمار أو أقلها الانتـداب، وقــــد ذاقت على حد السواء من قهر الظلم و الاستبداد، مع مشاريـــع الــدول المـُـستعمِرة لمـحو ماضيها واستبداله بما يتماشى مع أفكارها الغربيةوأطماعها، ذلك الماضي الذي حافظت عليه الذاكرة الشعبية مثل ما حصـل في الجزائـــر مع الاستعمار الفرنسي، ومـّــــا عـــرف بمدى شناعته في محو جذور أي دولــــة تمر بها حضارته المزعومة و المبنية زعما على مبادئ الثورة الفرنسية، محاولات كهذه هدفها إطـــالة أمّد وجــوده، واستغلال الفجــوة بين ماضيه وحاضره لبسط سيطـــرته، و تخديـــر الشعوب وإلهاءها عنحاضرها بقطع أي صلة لها بماضيها، أو التفكير في مستقبلها.
المعضلة الحقيقية في المجتمع العربي و هي نظرية لا تنطبق علينا فقط ولكــن على كل مجتمع قاسى من ويلات الانهزامية سواء كانت انهزام حقيقي تحـــت وطــــأة استعمار أو انهـــــــــــزام نفســي مثلما نعيشه الآن من انهزاميـة مقصــودة تذهب إلى حــد التحسر عن مدى عــدالة المجتمع الغربي الذي غايتنا العيش فيه والتمتع بمبادئه الأخـلاقية التي هي في حقيقة الأمر أخلاق افتراضيـــة لا وجود لها، مبـدأ كــل منهزم سواء بالحـرب أو السلم هي الترنـــح بأفكار الغالب، لأسباب عدة سواء كانت حقيقية وملموسة كتفتيت ماضيه وتأهيله بقطعه عنه(خيار استعماري بحت) أم لا، أو هي من قبيل العقد النفسية المترتبة عن الحالة الاستعمارية أو الغلبة في حــــّــــــد ذاتها، فهذا المبدأ لا ينفك أن يجد له مؤيدين من بدأ الخليقة الى يومنا هذا، حتى وإن كانت أنفسهم وضمائرهم تكّنوا لمن غلبهم العدّاء لما قد أوصلهم له، ولكنهم يرون أنه أهل ليغلبهم، ويجدون تبريرات وواقع ميداني وأوراق رابحة أهلّتــــــــــه وجعلتــه أكثـــر فاعلية وقـــوة وتفوق علمي للفتك بهم أو إيجاد مبررات أخرى كالدوافع والأسباب التي أدت لهزيمتهم وبالتالي أحقيتهم في الأخذ بأفكاره لنقصهم، من قبيل ذلك تحضره أو أولويته وأسبقيته في ميادين عدة، ولمــّـا لا جعلنا في نفس فِكـره ونمط عيشه ، وذلك ما نلحظــــه كل يوم في تحسـر البعض عن فرنسا وعدالتها وضرب الأكــفبالأكف لعدم تواجـدها في هذا الزمان لتنقـذنا ممـــا وصلنـا اليه.
هذا التــرنح بعدالـــــة المستعمر لم يكن ليقوله من عاش ظُلـم و قهر واستبــــداد المستعمر، أين كان الفلاح يزرع أرضه ليأكل قّلتها أبناء الكولـون(المستوطنون) أو تُنقل لأبنائهم في فرنسا، ويموت أبناء المزارع جـــوعا.
الأفكـار لا تتوقف عند هذا، بل تأخذ مناحي أخرى من الحياة لتصل حــد التقليد في اللباس و نمط العيش وحتى في اختيار المناهج الدراسية و غيرهــــــا إلى حد إتباعهم في أشياء تكاد تكون من البلاهة، كتقليدهم في أعيــادهم ومناسباتهم و هو ما نلحظـــه اليوم. وقد رأيناه فيهــــم عندما كانت حضـارة الأندلس وبعض التقاليد الأوربية للمسلمين ما زالت راسخة فيهم لحد الآن.
هذا كله لا يُنظَر إليه بجانب كبير من الأهمية إذا اعتبرنا هذا التقليد و الحسرة هو من فكر العامة لكن الأدهى و الأمر أن الطبقة المثقفة تستوي في نفــــس تقليد الغالب للمغلوب فتنهل من أفكار الغالب بل أكثر من ذلك تحـــامي وتدافع على هذه الأفكار وتأخذ بمناهجه في الحياة وتجعلها من باب القداسـة، بل تربط تطـــــورنا بمدى اقتداءنا بـــه والدليل على ذلك تشبع بعض مفكرينا بالمذاهب الغربيـــــــــة دون تمحيص أو تهذيب لهذه الأفكار لتتماشى مع حياتنا وواقعنا الاجتماعي بل أصبحنــــا نعيــــــــــش ازدواجيـــة مرضية فمثــلا بعض حكامنــا مذاهبهم لائكيــة تقليدا للغـــــرب واتجاهـــاتهم و خطـــاباتهم دينية، تناقض صـــارح بين الانصياع لأفكــار الغـــرب والواقع المعــــاش، و لا أرى في ذلك مثـــلا إلا كالذي يشتري كسوة لشخـــص دون معــــرفة قياســـــه ثم يجد أنها لا تناسبه أو ليست على مقاســـه فيلـبسها له على مضض وينتظــــــــــــر حتى تبلى على جلــــــــده و لا يتجرأ حتى ليجرب له لباس آخر أو يسويهـــا لتلائمه ولاءا لأفكار غالبه.
هذا الموضوع يزداد تشابكا عندما يقترن بالطبقة المثقفة من المجتمع وهـم الأولى بتحرير أفكارهم من فكر الغالب وإيجاد حلول و فكر يأخذ مـــــوطأ قدم لنزع ما تعشش من هذه الأفكار عند العامة وترشيد و تقليم هــذه الأفكـار ليتلقاهـــــا المجتمع منقحة، تأخــــــــــذ بعين الاعتبار خصوصياته وطموحاته وانشغالاته ويأخذون على عاتقهم النهوض بالفكر لتحريره من هذه التبعية الاستعمارية ويكمن ذلك في تقبل الأفكـار التي تخدم هذه الخصوصية التاريخية والدينية والثقافية والاجتماعية ورفض ما لا يتماشى معها، ومزجها مع إرثه مكوناته الثقافية في كل الأصعدة.
والواقع غير ذلك فنجد بعض نخبتنا يتسكع بأفكار الغالب ويجد لها دلائــل وأسانيد أكثر مما أتى به أصحابها الأصليين بل في دفاعهم عن هذه الأفكار يُبيـــــــدون أي أفكار أخــرى مهما كانت بنـــــاءة،أو هي أكثر تلاؤما ورقيـــــا وأوسع نطاقا لتشمل واقعنا و تأخذ مستقبلنا على محمل الجّد في عالم يكاد يكون بكبر القرية تتزاحم فيه الثقافات،فاللاكئيين من أبناء جلدتنا هم أكثر عداءا للإســـــــلام والدين من العلمانيين السابقين لهذا التوجه أنفسهم، وهذا من قبيل تبني أفكار المهزوم في الحرب أو المغلوب، والتشدق بأفكار الغالب، والمنادين بالدين أكثــــــــــر تشددا مـــن مرجعياتهم الأصليـــة بل يفيضون من بحور جهلهم ليستفيضـوا علينا بجهل يزيد أفكار التهديم ويجعل من العلم آخر تفكيرنا حتى وإن عَلِمنا أن ديننا بدأ ب…إقرأ.. وهذه انهزامية أخرى تتمثل في انهزامية داخـلية من الوضع المعاش أو الجهــل المفـروض من سياسة التطــــويق والتجهيل المقصود، وهو انهزام داخلي وغلبة فكرية، تجعل التشبث بالماضي أكثر أهمية من طرح رؤى مستقبلية وحلول لحالنا المعاش.
ابن خلدون ذلك العالم الفّذ، قد نفِذ فِكْره لمثل هــــذه الحـــالات الإنسانيـــــة حتى قبل عصـــور الحداثة والتفكيــر العلمي وظهور علماء النفس وعلمـاء الاجتماع، وهذا التفكير الذي هو كرّد فعل لما بعدالهزيمة عند العامة، وإن كانت النظــــــــــــرة نوعا ما تختلف فالغالب كان غالب بجيوشــه و تسلطه وجبروته، وليس كمِثل حالنا أين أصبحت الغلبة في اتجاهات متعددة وأكثر تشتتا لتشمل عدة ميادين تجعلمن الحسرة حسرات فغلبة اليوم تنفــذ الى الفكر قبل أن تلمس البدن أو المادة أو الحدود التقليدية، فالعالم تقلص حجمه، بتقلص وسائل الإتصال وكثرة وسائل التواصل.
لكن يبقى نفس البعد الفكري لما بعد هذا الانهــزام أو تبني فكر الغالب ويتمثل في نتيجتين كما ذكرهــما ابن خلدون، فإما لملّملــــة الجــراح وإعـــادة صيـــاغة هذه الهزيمة و بلورة أفكار النجاح و العـــودة إلى الريادة…أو الانصياع والامتثال لأفكار الغالب و تكيُفنا معها و الاضمحــلال فيها وتبًنيها بكل أوجهها والتمتع بإيجابياتها وسلبياتها على حد السواء،وهو من قبيل التسكع بأفكار الغير….

لا تعليقات

اترك رد