توافق الشعور الوجداني وثيماته الفكرية عند الفنان – علي رضا سعيد

 

تمتد وتترابط جذور الإنعكاسات التجسيدية عند الفنان – علي رضا سعيد – بما تدلي به (ميكانزمات) الذاكرة بمختاراتها القادرة على سحب مكامنها المخزونة خلف مكنونات الاشعور، من مراحلها الماضية إلى وجودها الحالي. . يتم ذلك من خلالها محصلة المنتوج الإبداعي المترابط مابين تلك المراحل الزمنية والمكانية. . بين نشأته في بعقوبة، ومعايشته في بغداد ثم إستقراره الزمكاني في تونس، تلك المنتوجات الأدائية للتكوينات التشكيلية تتوافق بين مكنوناتها.. وإختلافات وإختلاطات البيئة والأزمنة والأحداث محصلة من الصيغ التكوينية للمنتوج الإبداعي، وهو ما يتوافق بين شعوره الوجداني وثيماته الفكرية، ولا يمضي على حدِ خارج نطاق الترابط بينهما، وما بين زمنٍ لم يزل يتنفس من خلايا نبضات ومسامات وجوده فينا، لقد تجسدت تلك المفاهيم الإنتاجية في تعددية وسائل التلقي من خلال أعماله، وذلك بتعدد علامات المحيط وتباين تقنيات التكنيك ..


ومن ضمن هذه المنتوجات الأدائية والأنشطة، معرضه، الذي تبنّت أستضافته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) ، على قاعة المعارض في مبنى مقرها في (تونس) تحت ثريا عنوان (إشراقات المدينة).من خلال تجاربه التشكيلية يدون الفنان (علي رضا) مقوّمات تدابير ثوابت قابلة للتناور والتحاوّر بين مفرداتها التكوينة وتلقيات المتأمل ذهنيا وإدراكيا، لقد كانت تلك الأعمال هي مهارات تطبيقية، أجاد فيها الفنّان تجسيد ذاته حتى على منوال ما تقصّد من إلحاق مجموعة من الأعمال المرسومة بالأسود والأبيض فقط، في جرأة مثابةٍ تَخيّلية مرهونةٍ ومحددة بزمنٍ معين قد ترنو أو تشير تلك الأعمال إلى توحيد الرؤى التقبلية المستساغة خالية من مداخلات لونية مزدحمة تشغل المتلقي في جوانب أخرى من الإختيار الذهني والتقويمي للتأمل المركونه في إحدى صفحات (ألبوماته)، بالإضافة إلى خصوصيّة هاجسها الملحمي،التي تناظر أعمال الفنّان الإسباني الشهير (غويا) وكذلك اعمال الفنان العراقي سالم الدباغ, التي تغطي عليها الألوان الداكنة المتفردة في النطق اللوني،برغم إختلاف المضامين الفكرية والبنية الشكلانية،

وكما هو معروف إن تفرد فرش الألوان مهما كانت نوعيتها، تمنح المتلقي حيوية من الهدوء المستساغة ، وهي اللبنات الأولى لتأسيس مراحل الإنجاز، كما تعايشنا ذلك مع أستاذنا الرائد فائق حسن، في مراحل البدء بأعماله الواقعية والتعبيرية، كي تمنح اللوحة أجواء أساسية للتقبل البصري، وفي الوقت ذاته تلك الألوان الأحادية الرؤى تكون مقتربة من وسائل المضامين التعبيرية التراجيدية الهادفة للأحداث .. كما فعل بيكاسو في أعماله ومنها لوحة الجورنيكا .

إن الأنشطة والفعاليات الإبداعية التي يحملها فنانوا الهجرة في البلدان العربية والعالمية هم يمثلون وطنهم الأم بلاد وادي الرافدين، حيث تتوافر تلك النتائج من الإمكانيات بفعل بناء تأسيسي من المنشأ والأصل لتنمية تلك القدرات المهارية والمعرفية على حد سواء، تنعكس تلك الإمكانيات في أجواء ومراحل أخرى، تندمج وتتوافق وتنتج مجريات جديدة من العطاء المنعكس للبيئيتين ، والفنانون في تونس مع الفنان – علي رضا سعيد – هم: د. خالدة العبيدي، د. عبد الجبار النعيمي، سعد القصاب ومحمد الأدهمي، علما أن هناك فنانين تشكيليين عراقيين آخرين يقيمون في تونس من ضمنهم الفنان يحيى الشيخ الذي وزع سنوات هجرته بين عدد من البلدان العربية والبحرين ، في أعماله التشكيلية، ثمة تمعن وأنجذاب تذوقي وإدراكي مليء بثراء الإنتقالات من مساحة لأخرى،

فالأعمال قائمة على إستدعاء المكان -المدينة العتيقة بتونس- بوصفها مشهدا متكررا، مليئا بتنوعات مشهدية، متمثلا حضوره كأثر تعبيري، ودلالات على أفق متجسد، إذ يقيم علاقة ما بين قيم مفرداتها لقيم الجمال والأناقة الإنشائية الفنية ضمن تباين درجات الإنارة والظل، في صورة إنتقالات ثرية وحيوية من الهدوء والسكون إلى الحركة والإنسجام الهايرموني، لتكوينات متنوعة تمنح العمل فعلا تكامليا لبعضهما مرموزات إشارية تتخذ صفة اوحدات معمارية متفردة، لتغدو تجربة فنية تستمد مصادرها من النظر إلى مأثرة مدينة غمرها التاريخ عبر محطات من الزمن يستمد الفنان – علي رضا سعيد – في لوحاته، عالما مألوفا، مصاحبا للتعايش اليومي ، وجدانيا، متاحا،

ينبني عبر دفق من الثراء لقيم الأداء والشكل، إذ تتماهى بمشاعرها مردودات الأثرلأجزاء المدينة العتيقة بتونس، حيث يتواشج الزمان والمكان، الذاكرة والحاضر، الوجود وذاكرته، عبر تداعيات مرئية تكشف عن صلة عتيدة للإنسان في علاقته بما يتداخل مع مكنونات حياته العامة . يتم ذلك من خلال إحتباسات مخزونة في العقل الباطني كرؤية يطل من خلالها، عبر أزقة وأسواق مدينته السابقة بغداد، تلك الأماكن والأجواء يعيد تشخيص حضوره على نحو آخر مماثل، تتوافق بينهما مقتربات التشخيص والبناء والمواضيع ضمن مجموعة التكوين البنائي للمفردات بأسلوبية مهارته الخاصه ، فهما متآزرتان في النتيجة النهائية.

أما من ناحية الدرجات اللونية فإنها للتكوينات ومنها المعمارية وملحقاتها الفرعية من أزقة وجدران فإنها تتباين في سطوعها اللوني، بطريقة المتضادات المتباينة على ضوء البروز والأنغمار .. ويسمو التباين في التكنيك مابين الليونة والجفاف، تحيطها تقسيمات خطية أفقية ورأسية، وفي الوقت ذاته تبدوا الرؤية البصرية للأعمال تنوعات لونية توحي بتماثل إيقاعيتها البصرية بما يماثل وحدات زخرفية متناسقة ومنتظمة، والتي تبدوا كأنها أشكال لشخوص متقاربين، وحينا آخر كسطوح مفعمة بوحدات متتالية ، مما يعزز هذا الأنشغال تلك الإتجاهات والأشكال والمرموزات الهندسية المتنوعة , تلك الأعمال بشكل عام تؤكد حظورها الزمني، برغم مصادرها الأثرية .


– تنوعات الأداء والمصادر –
في أعمال الفنان – علي رضا سعيد – محورين من التناغم المتنوع، هما مصادر الرفد المتعدد لتزويد الموضوعات التكوينية.. للأعمال التشكيلية، والنوع الآخر هو طريقة الأداء المهاري في مراحل البناء اللوني بمواده المختلفة، وهنالك صفات مشتركة بين المحورين في المحصلة النهائية لإنتاج الأعمال الفنية، حيث تتجسد مقتربات من الإسلوب التأثيري الإنطباعي، بطريقة تحويل الفضاءات إلى لغة لونية متراصفة ، بضربات متجاورة ، يذكرنا بخروج الفنانين بول سيزان ومانيه ومونيه من نطاق محاكاة الصورة الشكلية للطبيعة، لقد أضفى عليها الفنان – علي رضا سعيد – إنعكاسات الشعور الوجداني زيادة على طريقة مرحلته المتخصصة بعد قطع شوطا كبيرا من التجارب من الممارسة العملية وأدوارها الأكاديمية والحداثوية، تلك الأعمال يغطي عليها جانب المحيط المتنوع من الأشكال المعمارية ومفردات الطبيعة، من جدران وسطوح ووحدات زخرفية وشبابيك وأزقة وأشجار وبحيرات وسفن وقبب و أبنية متزاحمة، وفضاءات ممتلئة بألوان متنوعة، في طريقه أخرى للأداء تنحى بمنحى الأسلوبية التعبيرية التجريدية، إذ تختزل تفاصيل الدقة المتشعبة إلى إشارات مختصرة، وبرؤية جمالية منسجمة، وفي أعمال أخرى تتراصف الشخوص بأجسادهم المتوافقة لونيا مع الأجواء العامة للوحة. .

كما هو في الأعمال التي تم تنفيذها بالألوان الداكنة أو الحيادية الأسود والأبيض، والتي تخترقها كتلة لونية هادئة من الألوان الباردة، فضلاً عن وجود تكنيكات أخرى تصطحب مواد بارزة مجسمة، كأنها مواد لمنحوتات – ناتئة – تتباين فيها درجات البروز والأنغمار، وفي مجال آخر هنالك تخطيطات للبورتريت منها للفنان الراحل والرائد شاكر حسن آل سعيد – تتم بعد فرش ألوان حيادية، تختم بخطوط دقيقة من الأقلام . كما نجد بأسلوبية أخرى تسود اللوحة مسطحات لونية موحدة خالية من مفردات تكوينية مجسمة، أي أجواء للطبيعة بصيغة وإخراج مجرد، يخترقها لون مركزي يجلب الإنتباه، تتمركز الرؤى فيها، مثلما هو معروف، عندما توضع نقطة سوداء صغيرة في مساحة بيضاء كبيرة فإن العين تنساق نحو النقطة المركزية ، وبالعكس عندما توضع نقطة بيضاء في مساحة سوداء كبيرة، تنجذب الرؤى نحوها، بسبب إنفرادية شكلها الباث ضمن محيط مساحتها المغايرة لونيا, أو حتى تكنيكا، تلك الإنشائية هي ضمن معالم علمية البناء الإنشائي على وفق منهجية مصادر عناصر وأسس الفن التشكيلي .

لا تعليقات

اترك رد