الدرس الهندي


 

في الهند مايزيد على ثلاثة ملايين اله ونبي ومشعوذ ، ولكل من هذه الآلهة والأصنام أتباع وطقوس وأوامر ومحاذير ومنظومات وكتب وتخاريف وتعاليم للخوف والطاعة والثواب والعقاب ، الهند بلد العجائب والمتناقضات، يتجاور فيها الفقر والغنى، الايمان والالحاد، الرعب والجريمة والأمان ، أحدث تقليعات الصناعه واكثرها بدائية .

يختلف الهنود في كل شيء على الصغائر والكبائر، لكنهم يتفقون جميعهم دون استثناء على (الهند).

أحزابهم بعدد آلهتهم، وأمزجتهم بانواع طقوسهم ، مختلفون في طبائعهم، من المأكل والملبس وطرق الزواج والدفن والاحتفال الى العبادة والسياسة . يفرقهم كل شيء وتوحدهم (الهند)، فالوطن بالنسبة للهندي فوق كل شيء ، وحين انتخبوا عام 2002 الهندي المسلم أبو بكر زين العابدين عبد الكلام لرئاسة البلاد ،ذهب المحللون السياسيون والمراقبون لاسيما العرب والباكستانيون اعداء الهنود التقليديين الى ان انتخاب هندي مسلم رئيسا للهند رسالة سلام الى الكشميريين وانه نوع من الانحناء امام الاحداث والاضطرابات التي شهدتها البلاد . أو ان ارادة الاسلام انتصرت على عبدة النار والأبقار ! .وغير ذلك من التحليلات المبرمجة الجاهزة . لكن الحقيقة ان السيد ( عبد الكلام المولود عام 1931 والمتوفي عام 2015 ) لم ينتخب في حينها لانه مؤذن أو جامع تبرعات، او صاحب خدمة جهادية، او لمقبوليته من ايران او امريكا ، انما انتخب لانه هندي فقط ، هندي مميز وعالم ذرة معروف واحد كبار العقول في العالم، بل كان من أبرز علماء ومهندسي الهند نفسها ، وقد حظي عبد الكلام بشعبية واسعة وسط الهنود حتى لقب “رئيس الشعب” وهو لقب نادر ، لانهم يفرقون بين ( رئيس البلاد) المنصب الوظيفي الروتيني ،ورئيس الشعب الذي يمنح كوسام للمتميزين من الرؤساء ، وحين زار عبد الكلام قطاع شرينار الهندي بعيد تسلمه الرئاسة بدأ بزيارة الرموز الروحية للهنود جميعا فزار معبد السيخ والبوذيين ومعابد الهندوس قبل ان يزور ضريح بال الاسلامي الموجود في الجانب الهندي من كشمير ، كانت الدولة القوية والدولة بمفهومها الحضاري وعمقها التاريخي الشغل الشاغل لرجالات الهند العظام ،ولعل الجميع يتذكر كتاب جلال آل نهرو ( تاريخ العالم ) وهو مجموعة رسائل ارسلها من السجن الى ابنته الصغيرة انذاك انديرا غاندي، يشرح لها عن تاريخ جميع دول العالم كل رسالة عن دولة، اقتصادها، سكانها، مكوناتها جعرافيتها، جيوشها، حدودها، أنهارها، فاي موسوعي يكتب؟!! وأية صبية تقرا؟!!. أول ما تسلم نهرو رئاسة الوزراء عام 1947 لم يفكر بالتماثيل والنصب وتحرير العالم ! . بل اسس جامعة على غرار جامعة كامبريدج التي درس هو فيها، وأسس فرعا جديدا على الهند يعنى بعلوم الالكترونيات ، نتيجته اليوم ان شركة ميكروسوفت وحدها تضم اكثر من ستين الف عالم هندي من خريجي هذه الجامعة عبر تاريخها … فضلا عن شركات ارض الله الواسعة الاخرى، وان علماء الهند يعدون من أندر النماذج في العالم لخبرتهم الهائلة وللتكاليف الاقل التي يتقاضونها ، والجامعة صدقة جارية ، جارية بشرط ان لايكون في مناهجها درس اسمه الثقافة القومية أو بيع الشهادات وإهداؤها أو مناقشة رسالة ماجستير عن حكم الضراط في حالة الوضوء ، حين خرج نهرو من السجن واصطدم بالبريطانيين ،لم يرم كتبه ولم يؤجل مشاريعه التنموية الى ان يخرج الاحتلال، بل جعل شعاره مقولة غاندي العظيم ( الانسان الحر يصنع المستقبل ) ،فاسس ما عرف بالخطة الخمسية التي جعل من خلالها الخمس سنوات العابره من عمر الدول سقفا محددا لبناء مشاريع محددة ، بناء الانسان والارض معا.

الهنود لديهم ثلاثة ملايين اله توحدهم الهند (الوطن) ، نحن لنا اله واحد ، تفرقنا الاحزاب والولاءات والروايات والثارات والاديان واشباه الاديان وحيتان الفساد وشراهة التكالب على حصص ٍحسب (المكوّنات) في الحكومة .

لا تعليقات

اترك رد