القوزاق : شرود من المكان أم انغراس في الإنسان

 

(مقاربة افتتاحية لأدب ليف تولستوي )
نبذة عن حياة تولستوي وفكره :

ولد ليف تولستوي سنة 1828 وتوفي سنة 1910. وهو من أهمّ أعلام الأدب الواقعي ومن أبرز روائيّي العالم إلى جانب دويستوفسكي. ترك حياة القصور ليشيّد بداخله قصورا وقصورا.. من قصر بأربعين حُجرة إلى كوخ مُبْلَطٍ.. فرّ من ثراء الظّاهر إلى ثراء المخبر.. ألّف في مسيرته حوالي مائة كتاب أهمّها “الحرب والسلم” الذي تعرّض فيه لحملة نابليون بونابرت على روسيا سنة 1812. ألّفه سنة 1869لتمتدّ أحداثه بين عام 1805 وعام 1820. وله أيضا “أنّا كارنينا ” و”حِكم النبي محمد” و”ملكوت الله في داخلك” و”الطفولة”1852 و”الصبى”1854و”الشباب” 1857 و”موت إيفان”1856 و”البعث”1899 “الشيطان”1889″ما الفنّ” و”القوزاق” سنة 1863 ومؤلفات أخرى عديدة سعى فيها إلى البحث عن اللّه والمطلق والجمال. إذ أنّ تولستوي يؤمن بأنّ الحقيقة تكمن في الروح لا في المظهر الخارجي لذلك كان دائم التساؤل عن الوجود والذّات والله. وكان ميّالا إلى سبر الأغوار والانغراس في النفس.. له مسيرة وإنتاج فكري وأدبي موسوعيّين.. تأثّر به الكثيرون من بينهم ميخائيل نعيمة.. وكتبت حوله عشرات آلاف الكتب. ومن طرائفه أنّه ذهب ليُسجن بدلا من أحد معتنقي أفكاره فأجابوه بأنّ سجنهم أضيق بكثير من مجده العظيم. وحين قضى رثاه المبدعون العرب كـــ”ميخائيل نعيمة” في حين شبّهه “شوقي” بيسوع المسيح في مرثيته الشهيرة :
تولُستويُ تُجري آيَةُ العِلمِ دَمعَها
عَلَيكَ وَيَبكي بائِسٌ وَفَقيرُ
وَشَعبٌ ضَعيفُ الرُكنِ زالَ نَصيرُهُ
وَما كُلُّ يَومٍ لِلضَعيفِ نَصيرُ
وَيَندُبُ فَلّاحونَ أَنتَ مَنارُهُم
وَأَنتَ سِراجٌ غَيَّبوهُ مُنيرُ
(…) حتى يقول :
تَطوفُ كَعيسى بِالحَنانِ وَبِالرِضى
عَلَيهِم وَتَغشى دورَهُم وَتَزورُ

وقد شارك تولستوي في حرب القوقاز كما زار أوروبا لينشئ حين عودته مدرسة على النمط الغربي … وتوفي في محطة للقطار إثر نزلة رئوية بعد مغادرته البيت إثر خلاف مع زوجته. تأثر به أعلام التحرر في العالم مثل المهاتما غاندي وماثر لوثرغينغ ونيلسون مانديلا.. دخل الجامعة. وتركها لعدم اقتناعه بمنجزها ..كانت زوجته صوفي بيريز تصغره ب16 سنة. وكان يعتبرها أفضل زوجة في العالم. كانت قد نسخت كتابه “الحرب والسلم” سبع مرات قبل نشره. يكنّى عليه بالمعلّم الأكبر.. يؤمن بكفاح الفلاحين. وينادي بالسلام والتسامح والحب والإنسانية. تأثر تأثرا شديدا بــ”ألف ليلة وليلة” الرواية التي لا تنتهي. فقد أبويه مبكرا. وتربّى يتيما. فافتقر لأجل الإبداع الفنّي وهو غنيّ. كان مقامرا قبل التحاقه بالجيش هربا من الديون.. له مراسلات مع المفكر الاسلامي محمد عبده مفتي الديار المصرية ..لطالما عانى من رفض المؤسسات لأفكاره.

واتهم بالجنون والإفساد ..حاول تعلم اللغة العربية. وترجم بعض الأحاديث النبوية كما اختلف مع الكنيسة الأرتدوكسية. وكان قريبا من الصوفية.. ويرى أن العنف والشرّ لا يقهران إلا بالخير.. كان أرستقراطيا وأحد الإصلاحيين الكبار في القرن 19. إذ يقول ليف تولستوي :”الإنسان يريد أن يصلح الكون لكنه ينسى أن يصلح نفسه “. ويرى أنّ “الدين الحق هو الذي يوحّد البشرية” ..تنوعت كتاباته من الأدب إلى الفن إلى المعتقدات. إذ عُني بالأديان وعلاقة الإنسان بالله. أشاد به دويستوفسكي ومكسيم غوركي. واعتبراه معلّما وحكيما جليلا. وتأثر به الكاتب الإيرلندي جورج برناردشو.. فمرّ تولستوي عبر حياته من القوة القاهرة في الحرب ضد نابليون إلى نبل الفكرة والقوة الهادئة في حِكم حياته الرّصينة.

فتحا لغلاف رواية القوزاق :
أقام تولستوي بالقوقاز سنة 1851. فشعر للوهلة الأولى بغربة عن المكان وخيبة للأمل. إذ وجد نفسه بقرًى فظّة بعيدة عن حياة النّعيم. غير أنّه لان إلى هذه الحياة حثيثا حثيثا. وتسلّلت إلى شغاف قلبه. وتيّم بحسناوات القوزاق. وفكّر بالزّواج بالفتاة مارشكا. وانشدّ إلى وداعة المكان السّاذجة. وودّ أن يرسّخ هذا الإطار وذاك التاريخ في أثر وضعه أوّل مرّة شعرا. وظلّ يحكّكه لعشر سنوات لتخرج الرّواية في صورتها الحالية. وقد عالج فيها أديبنا رحلة الإنسان في المكان. يهجر بين القسر والاختيار إطار النعومة والحضارة إلى أحراج الغجر والبداوة. وفي هذه الرحلة يسعى ليف تولستوي إلى رحلة نفسية يسبر فيها أغوار الإنسان بين رغبة في النعومة واللين حينا وبين شرود إلى القساوة والبداوة حينا آخر. فبأيّهما تنفتق إنسانية الإنسان أكثر. وظلّت الشّخصية الرئيسية -نعني أولينين- تمارس الانغراس في واقعها المديني الحضري حينا والريفي الطبيعي حينا آخر. واستمرّ الراوي يلتقط من شخصياته أفعالها وانفعالاتها.
أما الزمان فقد ضمر ضمور أثره في الأحداث والشخصيات. واكتفي منه بما هو إطاري وظيفي في رحلة المكان والشخصية، فهو: قرب طلوع الفجر حينا وشتاء الثّلج حينا آخر والرابعة صباحا وطوال الصباح والمستقبل وغيره…

أما المكان فقد تكثّف بالمدينة رمز الحضارة، فهو: موسكو والشوارع والكنائس والمدينة ومطعم “شوفالييه” وزلاّجة تجرها أفراس وعربة ترويكا والمنزل وحُجرة المدخل إلى غير ذلك… في حين نراه يمتد امتداد البصر في البوادي فهو سهول يغطيها الثلج بما هي إطار للبهجة وهو الطريق الطويلة والجبال العالية والوديان الهائلة. فنراه -نعني المكان- سكنًا يضيق بالمدينة وبراحًا رحبًا ينطلق بالقوقاز. فحتى الشّخصيات تكثر بالعاصمة، وهي في غالبها شخصيات جماعية. فنرى العمال وأناسا والشبّان، والمرأة العجوز والبوّاب المتدثّر والخادم مرهق الوجه وميتيا وفانيا وأولينين، أحدهم نحيل الجسم دميم، لكنّه حسن الهندام. أمّا صديقه أولينين، وهو البطل سيسافر قريبا. والثّالث يتلهّى بذرع أرض الغرفة، والحوذيّ دمتري إندرتش والأمير سرجي ومسيو كابيل الخيّاط والشّيطان وشيخ من بطرسبورغ.
وترد شخصيات واقعية أخرى، يصمت الرّاوي عن ذكر أسمائها ويكتفي بحرف تليه نقاط مثل (د…) موهما بواقعية الشخصيات، وحجبها مخافة انكشاف الأمر وكذلك شاسكا (ب…) والإمبراطور والأمير (د…). وحين يغلبه الجمال يذكر النساء الشركسيات والمرأة (…) التي يخفي اسمها ويصفها حتى يغنيك التّصوير عن الاسم. فهي دقيقة القوام، ميّاسة، طويلة ضفائر الشّعر، واسعة العينين، خاضعة النظرة، لذيذة، متوحشة، ذكية قادرة على الفهم، عذبة، تهضم جميع المعارف في سرعة. فيغيّب حضورُها وجودَ البطل. وتظل المرأة في نظر القوزاقي أداة لرفاهيته. فالفتاة يجوز لها أن تتسلّى أما المتزوّجة فمضطرة أن تعمل لزوجها إلى آخر شيخوختها. وهي خاضعة لاستبداده خضوعا شرقيا تاما على عكس المرأة الغربية.. فأولنين يغادر موسكو إلى القوقاز رغم كل ما يشدّه إلى المدينة من ألفة وأصدقاء.
والرأي عندي أنّ أولينين فيه من ملامح ليف تولستوي ما فيه، كانقطاعه عن الدّرس وتبديده المال وانتمائه الأرستقراطي. فقد عاش محروما من أبويه. إلا أنّه شديد الحماسة. يعتقد أن لا وجود للحب.. يهب حياته لخدمة الدولة وإدارة أراضيه ودراسة الموسيقى وحبّ النّساء مع عدم إيمانه بالحب. فهو لا يحب إلا نفسه والفن والعلم والعمل. ويرى أن الحرب مصدر للثروة يسدّد من خلالها ديونه. وتمتزج لديه رؤى الحاضر بأحلام المستقبل. ويتمزق بين فتنة الشموخ وخطر الموت. وتستبدّ به أحلام الثروة والمجد والزوجة الجميلة المرتبطة بهواجس القدرة والغزو. فهل المرء لا يكون ثريا إلا متى استولى على أملاك الآخر؟. والدولة لا تكون سعيدة إلا متى استعبدت غيرها؟. ويظل أولينين يعيش الخشونة بين حرية الريف وصرامة التمدن. ولا تخلو ذات من هذه الخصومة.
فمتى غادرتَ المدينة أمكنكَ أن ترى السّماء. فأهل الريف وحدهم يعرفون السماء. أما أهل المدينة فيصنعون سماءهم وأحلامهم ونجومهم على الأرض. وقد جاء الخطاب في مفتتح هذه الرحلة بين السرد والوصف والحوار. فالسّرد مشي في المكان تتراوح الطريق فيه بين الامتداد رأسا والالتفات حينا. أما الوصف فهو سفرة في عالم الإنسان فكل المرئيات يدركها هو. ويتخيّر منها ما يشاء أن يذكر. فعين الرائي لا تقع إلا على ما شاءت أن تقع عليه. أما الحوار فهو تعقّب للإنسان عبر لسانه. إذ لا يقول إلا ما هو منه. وما هو ضارب فيه بسهم حلال أو حرام.
ويظل الحب في هذه الرواية منتظرا الموت، والحرب مؤذنة بالحرية. والعكس صحيح. فتتراوح النفس بين عتمات الصمت والحزن والحسرات والدموع اللذيذة في إطار حلكة الأسر، لتنطلق في أوان آخر إلى المروج تغطّيها الثلوج إطارا للبهجة والصفاء والنقاء. وترتفع هامات الجبال ارتفاع قامات الفرسان الأشاوس. وكل البلاد التي عانق شبابها الفروسية، عانقت هي التقدّم والازدهار والسيادة. وتكفيك نظرة عجلى في تاريخ الأمم الراقية ليثبت لديك ذلك (أمّا نحن العرب فقد جعلنا من خيلنا بغالَ عربات تجرّ الانكسار. فنسيت الأفراس نواصيها الشمّاء. وأضحت منكّسة الرأس ذليلة). ترك أولينين موسكو لأنّها بنظره ليست ذات بال ولا تذكّره إلا بأخطائه الماضية حالمًا بحياة جديدة. وهو ما انفكّ يعتد بنفسه. إذ يقول “نعم أنا شابّ ممتاز على كثرة ما ارتكبت من حماقات”.
ويمسي القصّ في رواية القوزاق بابا للتحرر. فأولنين وهو الضّايط الرّسمي “يتخيّل أنّه أصبح هو نفسه جبليّا يقاتل الرّوس مع رفاقه في سبيل الحرية “(ص23). وتشرد الأحلام بالبطل بعيدا فالرّواية سبيل رائق للحلم والانعتاق. والأدب ليس بمنفذ على الحياة بل هو باب لمعابثة الواقع وتحريره. علّه يخفق في فضاء الأحلام بعيدا.. فــ”ثمة حلم آخر هو أغلى سائر الأحلام” (ص23). وقد ارتبطت الذكريات بل الإنسان بالمكان. فكيفما يكن يكن. إذ يقول الراوي “على قدر ما كان أولنين يبتعد عن وسط روسيا كانت ذكرياته تخبو “(ص24).
إن التصوير التفضيلي للمكان يرتد صورا لرجع صدى الذات الواصفة وحتى تلك المقيمة في المكان فالقوزاقيون “يرون أن القوزاق وحدهم بشر , ويحتقرون سائر الإنسانية “(ص30). ويكتفون بأنفسهم لأنفسهم فيصنعون بأيدهم واقعهم وأحلامهم “وكلّ قوزاقي يصنع خمرته بنفسه”(ص30) والخمرة عندهم طقس من الطقوس أو شعيرة من الشعائر. فإن أخلّ بها أحدهم كان كالمرتدّ أو الخارج عن ملّته …
أن تفتح رواية القوزاق فقد أشرعت الأعين على تفاصيل الواقع وقد ثمل. فيضحي أحبّ من الخيال وألطف. فالسّفرة مع ليف تولستوي رفقة أنيسة ومناسمة لطيفة ومسامرة في عالم نعيشه ويعسر علينا قوله.
ويظلّ تولستوي برأيي كما دويستوفسكي كما بوشكين كما غوركي علامةً فارقةً في الأدب الرّوسي من ناحية وفي الأدب العالمي من ناحية أخرى. فتح أبوابا. وأشرع منافذ للحبكة الروائية. وذلّل أمام أعيننا حبكة الحياة نراها بأعين ثاقبة تتفنّن في اكتشاف العلاقات بين لوازمها: المدينة والريف المرأة والحرية المطلق والحق والجمال وكل القيم السامية …

رواية القوزاق في الحرب والحرية أو هي مزهرية الحب ينتظره الموت.. بذل “تولستوي”من عمره 10سنوات ليكتب شيئا عن مكان أحبّه. فكانت القوزاق رواية أثرا مخلّدة لمآثر القوزاقيين متغنّية بفروسية الإنسان وقدرته على الفعل أيا كان العالم الذي يحتويه… أشرعنا في وجوه حضراتكم هذه الرّواية بتواضع المعجبين. ونأمل أن تجد لديكم ما حصدنا نحن من انتشاء ولذّة، ونحن نقرأها. وقطعنا بكم سبيل الحديث عنها كي لا نقتل فيكم الشّوق إلى إتمامها. وقد نعود إليها لاحقا بتفصيل وتبسّط إن نحن أمهلنا الزّمن.. قراءةً ممتعةً.

لا تعليقات

اترك رد