تونس على صفيح ساخن !


 

يشهد الشارع التونسي , خلال هذه الفترة ,موجة من الاحتجاجات شملت العديد من الجهات في تونس , تعبر عن غليان اجتماعي قد يتفاقم في المستقبل المنظور . فمنذ عدة أسابيع , ارتفعت وتيرة التحركات الاجتماعية وتعالت الأصوات وكشفت الشعارات والهتافات التي صدحت بها حناجر التونسيين في العديد من الولايات الجمهورية , وبصفة خاصة في المناطق الداخلية المهمشة , عن حالة الاحتقان التي يعاني منها المواطن جراء ما وصلت اليه الأوضاع وأحواله المعيشية , ما فتئت تسير بخطوات مسرعة من السيء الى الأسوأ , وعن تنامي استيائهم ازاء القيادة السياسية الحاكمة في البلاد ومدى تعميق الشرخ بينها وبينهم حول التطلعات الاجتماعية وأمل تغيير واقعهم الموجع والخانق .
لقد أضحت الحركات الاحتجاجية بأشكالها الفردية أو الجماعية آخر الحلول للفت انتباه السلطة أوالضغط عليها , ولاسيما في حال تنتهج هذه الاحتجاجات نسقا تصاعديا بصورة قد تنذر بالخطر . فهل باتت تونس فوق صفيح ساخن ينذر بالانفجار الاجتماعي والانزلاق نحو الفوضى ؟ وهل هناك حلول لمنع انفجاره ؟
لاشك أن تونس تمر , في الوقت الراهن , بحالة من الغليان والاحتقان الشعبي , قد تتضخم يوما بعد يوم لأسباب عديدة , بعضها سياسي والبعض الآخر معيشي . فبعد ست سنوات من “الثورة” عرفت البلاد أزمات عديدة , من أهمها الأزمة الاجتماعية التي تعد بمثابة القنبلة الموقوتة بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية , وما تشهده اليوم بعض المناطق كتطاوين والكاف والقيروان والقصرين وأخرى من احتجاجات وجموع شعبية , هي من جهة بمثابة أعراض لأزمة مركبة داخل البنية الكلية للمجتمع التونسي بما فيها الادارة السياسية للبلاد , ومن جهة أخرى تعبيرا عن اليأس الشعبي وخيباته المتكررة من السلط المتعاقبة بعد 14 جانفي في تحقيق وعود التنمية المتطورة بكل أشكالها وفي معالجة المشكلات الكبرى ومن أهمها تغول البطالة ,خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهائد العليا , وتفاقم الفقر وغلاء المعيشة وانحطاط المنظومة التعليمية وانتشار الفساد المالي والتخبط الاداري , فضلا عن انكسار الثقة بين المواطنين وبين الأحزاب الحاكمة وأجهزته المختلفة .
وهذا الوضع المتأزم ساهم في تفجر وتنامي الحركات الاحتجاجية , مما يجعل الدولة مقبلة على تحديات كبرى في مواجهتها خوفا من الانزلاق نحو الفوضى وضرب الاستقرار داخل البلاد . والملاحظ أن كل المؤشرات تفيد باحتمال الانفجار الشعبي في أي وقت , فقد أكد المكلف بالاعلام في المرصد الاجتماعي التونسي “رمضان بن عمر” على تصاعد الاحتجاجات خلال شهري جانفي وفيفري من هذا العام 2017 , اذ بلغت 1960 احتجاج وحسب تصريحه أن تونس شهدت في سنة 2015 قرابة 5000 احتجاج لترتفع وتيرة الحركات في 2016 الى الضعف وتصبح 9532 ,وجلها احتجاجات غير منظمة بمعنى غير خاضعة للمنظمات النقابية , وهذا ما يثير القلق وينذر بالخطر !!!
لقد أجمع أغلب المتبعين للشأن الاجتماعي في تونس , على أن الأوضاع الاجتماعية في بلادنا أضحت لا تبشر بخير , وتأزم ظروف العيش بالنسبة لقطاعات عريضة من الشعب التونسي ينذر بعواقب غير محسوبة, حيث فشلت السلطة الحالية في ايجاد الحلول لمطالب المحتجين وهي لن تقدرعلى الاستجابة , فقط تعمل وتحاول تهدئة غضبهم بترويج بعض الحلول لا تعدو من كونها مسكنات مؤقتة ومهدئات .فالتونسيون المستاؤون, من وضعهم الاجتماعي, باتوا يخرجون الى الشارع ويحتجون في مظاهرات للمطالبة بالتشغيل والتنمية وتحسين المعيشة ولوضع حد للفساد المستشري في بلدهم , كما تعيش عدد من القطاعات بعض الاضرابات ,في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الدينار وتردي القدرة الشرائية وتفقير لشرائح من المجتمع ولاسيما الطبقة الوسطى , التي تعتبر العمود الفقري للاستقرار .
كل هذه المؤشرات تبين حالة من الغضب الشعبي المتصاعد, لاسيما في ظل الاجراءات الاقتصادية الأخيرة وغياب للعدالة الاجتماعية وفوضى في الحياة السياسية . ومن المؤكد أن المجتمع التونسي لم يشهد حالة من الكآبة واليأس على وجوه المواطنين , كما شهدها هذه الفترة الأخيرة , رغم ما تعزفه عليه السلطة الحاكمة من دعوة للتفاؤل والأمل وتمجيد لبعض المشروعات والخطوات بكونها انجازات غير مسبوقة تحمل الخير لتونس , الا أن الواقع كان أبلغ تأثيرا وآثرا على حياة المواطنين . فحين يستيقظ المواطن فجأة ودون مقدمات ما بين الحين والآخر على قفزات جنونية لأسعار السلع والخدمات , في الوقت الذي أصيبت فيه دخول المواطنين بالشلل وفقدانهم القدرة على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة , ماذا ننتظر منهم ؟؟؟ كثيرا منهم اختاروا التخلص من هذه الحياة المؤلمة اما عن طريق الانتحار أو التخلي عما عليه من الالتزامات تجاه أهله أو العصيان والاحتجاج . اضافة الى السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة و وكذلك الحالية والسير على نفس النهج دون تغيير , حيث هناك غيبة تامة للبرامج الانمائية والمشروعات الاقتصادية ولتوفير مواطن الشغل , فضلا عن افتقادها لأي رؤية اقتصادية للنهوض من تلك الكبوة التي استفحلت بصورة غير متوقعة . وكل هذا تسبب في رفع وتيرة الغليان والغضب لدى التونسيين , ما دفع الشارع الى تصعيد التمرد على الواقع عبر لغة الاحتجاجات وقطع الطرقات والمطالب الفئوية .
من ثم يبدو أن النظام التونسي الحالي يواجه صفيح ساخن , ينذر بتفجر الوضع في أي لحظة في وجه حكومة الشاهد التي أقتصرت معالجتها للأوضاع الاجتماعية على مسكنات لم يعد الشعب التونسي بمختلف قطاعاته وتلويناته , يستسيغها , مطالبا بحلول جذرية لأزماته المتراكمة ,والا فان استمرارها سيكون من الصعوبة بمكان .

لا تعليقات

اترك رد