في ذكري سقوط الطغاة .. متي يسقط نهجهم ؟؟

 

في يناير و فبراير الماضيين مرت الذكري السادسة لسقوط عدد من طواغيت السياسة في المنطقة ‘بن علي التونسي، مبارك المصري، القذافي الليبي، علي عبدالله لليمني’ واهتزت كراسي وعروش تحت آخرين ‘بشار السوري’..
برغم السنوات الست التي انقضت ‘وهي ليست بالوقت القليل’ علي المشهد السياسي في المنطقة الا انه ما من شئ تغير بما كان مأمولا، ولا بمستوي التضحيات التي قدمت..
وحده مبارك من مثل امام القضاء في محاكمات يمكن ان يقال بشأنها الكثير، فيما هرب بن علي واضحي بمأمن من يد العدالة، بينما اغتيل القذافي في حادثة تعكس مدي البربرية التي رسخ لها حكمه، فيما لا يزال علي صالح و بشار الاسد يراوحان سلطاتهما..
ان العلامة الفارقة بين عصر الطواغيت والبلطجة و عصر ثورات الشعوب هي سيادة حكم القانون والمحاكمات العادلة؛ وهذا للأسف لم يحدث بعد،
ان كان الطغاة نجو من المثول امام هيئات تحقيق و محاكم عادلة فهذا لا يعني ان ينجو اعوانهم ايضا .. ان اسقاط رؤوس الانظمة لا يعني بالضرورة تغييرا لافتا، كما انه ليس اخطر من الطغاة الا اعوانهم، وليس اسوأ من الدكتاتور الا الذين برعوا في صناعته..
هناك اشخاص تخصصوا في صناعة الطغاة، اشخاص لهم قدرات ومعارف في علوم السياسة والاجتماع والقانون والاعلام؛ كرسوا علمهم لانتاج طغاة حتي يوظفوا اؤلئك الطغاة خدمة لمصالحهم الذاتية.
الكثيرون عاونوا الطغاة وبمستويات عدة تتراوح بين المشاركة والمساندة المفتوحة وغير المشروطة والتستر علي جرائمها الي السكوت خوفا علي المصلحة الشخصية والذاتية الضيقة.. هؤلاء جميعا ينبغي ان يخضعوا لمساءلة وتحقيق للكشف عن دورهم فيما حاق بالدول والشعوب من اضطهاد في العقود الماضية.
هناك امر مهم ينبغي التنبه له عند اجراء تلك التحقيقات والمساءلات وهو ضرورة التمييز بين محاسبة من اشتركوا مع الطغاة بادوار فعلية ومهمة وبين من كانوا جزء من المشهد مصادفة بلا قصد و بدون ارادة منهم، ونقصد هنا ما يدور من حديث عن الدولة العميقة في مصر و قوانين المحاسبة السياسية كاجتثاث البعث في العراق وحزب الدستور التونسي.. فتلك الدعاوي قد يكون القصد منها في الغالب خلق جو مواتي لتخليق دكتاتوريات جديدة، فعبر اشاعة حالة من البلبلة السياسية والاجتماعية و حالة من الملاحقات اللاقانونية بحجة محاسبة اعوان الانظمة الديكتاتورية و التطهير لجهاز الدولة لابعاد العناصر القديمة بما فيها العناصر المؤهلة و زرع عناصر جديدة موالية يمكن ان تتم عملية بناء نظام قمعي يحل محل النظام القديم..
لذا يجب الحرص علي الا تكون الملاحقات سياسية واخلاقية وانما ملاحقات قانونية وجنائية منضبطة وبناء علي تهم محددة واثباتات و بينات قوية وليس مجرد وشايات واقاويل وترهيب جديد.
ان مصطلحات الدولة العميقة والتطهير تهدف لبناء نظام طغيان بديل وليس بناء ديمقراطية و دولة قانون تحل محل الانظمة التي تهاوت.. وحين اطلق هذا المصطلح اخوان مصر و اعقبهم اخوان تركيا قصدوا الدولة القوية؛ لأنهم يقصدون اضعاف جهاز الدولة و بناء اجهزة موالية لهم، أي تأسيس شمولية بديلة.
بالمنطق لا يعقل تحميل كل موظفي الدولة الذين عملوا في ظل النظام القديم مسؤولية اخطاء ذلك النظام .. بينما في المقابل لا يمكن حصر تلك المسؤولية في رأس النظام وحده، بل يجب ان تشمل دائرة المساءلة القانونية البطانة المقربة من كبار المعاونيين السياسيين الذين مثلوا قمة الحزب الحاكم ‘والحزب الواحد’ والذين شاركوا في وضع السياسات الشمولية وفي الترويج لها و الدفاع عنها، كما تشمل كبار موظفي الجهاز المدني والعسكري الذين وبصمتهم مكنوا للسياسات
الشمولية.
كما يجب الحرص علي وضع حدود وعلامات فارقة بين الجهاز السياسي للدولة و الجهاز الخدمي ‘الحكومة الدائمة’، فجهاز الخدمة المدنية والعسكرية يجب ان تتم حمايته من تغول الجهاز السياسي و رغباته في السيطرة عليه ‘فهذا ما يخلق الشمولية’.
ان قوة اي دولة و رسوخها لا يرتبط بقوة حكومتها التنفيذية السياسية ‘الرئيس او رئيس الوزراء و الوزراء’ بل ترتبط بقوة ورسوخ الحكومة الدائمة اي جهاز الادارة المدني والعسكري الذي يخطع لمحددات وحماية القانون الاداري للدولة بحيث يكون جهاز الخدمة المدنية والعسكرية و القضائية تتمتع بقدر من الاستقلال وقادرة علي العمل بأعلي كفاءة في ظل مختلف الحكومات المؤقتة ‘السياسية’ ولا يتأثر بتغير التوجهات السياسية.

لا تعليقات

اترك رد