كيف نبني دولاً مستقرة ؟


 

إنّ الاستقرارَ الحقيقي الذي نرغب به، لا يمكن أنْ يهبنا إياه الآخرون، ومن يراهن على استقرار الخارج، يراهن على سراب وخيال صحراء .. لأن مصالح القوى الدولية المتناقضة (التي تزعم أنها مهتمة باستقرار المنطقة، وتطوَّر شعوبها، وتحديث مجتمعاتها) لا تلقي بالاً – كما اتضح من تجارب بلدان عربية بعينها – لاستقرار بلداننا وأمتنا التي تبحث عن استقرار حقيقي متين وراسخ..

إن هذا الاستقرار المتين والحقيقي يصنعه ويحققه أولاً وأخيراً أبناء وأهل المنطقة أنفسهم، بوعيهم ومسوؤليتهم وتوحّد إراداتهم حول خياراتهم الوطنية القائمة على بناء دول العدل والمساواة.. دول المواطنة الصالحة المبنية على ثلاثية (القانون-الحريات-العدالة) التي يتساوى فيها الناس (المواطنون) في الفرص، والاحتكام إلى القانون، وإعلاء الولاء للوطن فوق كل ولاء آخر..

وربما هناك نقطة مهمة لا بد من التذكير بها، حول شروط تحقُّق الاستقرار الحقيقي في بلداننا .. وهي وجود المعارضات السياسية البنّاءة بشكل قانوني ودستوري تتوفر فيه مناخات قوية للعمل السياسي السلمي التعددي الداخلي القائم على التشاركية بما يعزز وحدة المجتمعات، وتضامنها، ويحصن جبهاتنا الداخلية وصولاً لتحقق مناخ الاستقرار الداخلي الحقيقي في أوطاننا التي يستغل الآخر ثغرات..

وما نعنيه بمصطلح “المعارضة” هنا هو بناء مناخ سياسي تعددي قائم على الاعتراف بحق الناس في التعبير عن قناعاتها وآرائها السياسية المختلفة عن آراء أهل الحكم، وذلك من خلال وجود أحزاب وتنظيمات سياسية مختلفة في الرأي ومناهج العمل السياسية عن رأي النظام أو السلطة الحاكمة (في تلك البلدان)، تسعى سلمياً ودستورياً للوصول إلى الحكم عبر آليات العمل السياسي الديمقراطي السلمي الذي تتيحه القوانين، وتدعو إلى فكرها ومعتقداتها السياسية عبر وسائل إعلامية بطريقة سلمية حضارية.. طبعاً نسجل هنا بأن هناك فارقاً جوهرياً بين معارضة النظام (أي نظام) كموقع متغير، وبين معارضة الدولة ككيان سياسي وظاهرة تاريخية قارّة وثابتة تتكون من مؤسسات وهياكل إدارية وقانونيةلا تتغير بتغير السّلطة التي تحركها وتسيّرها لخدمة الناس والصالح العام.. فالمعارضة تعبير عن رأي مغاير في السياسة والاقتصاد والتنمية، تخص عملية إدارة الشأن العام.. يكون مجال عملها سياسات الدولة الداخلية والخارجية بما يحقق معايير سلامة الدولة ومنعتها وسيادتها.. يعني أن المعارضة هي مناخ للتنافس السياسي السلمي وليست رهاناً شمشونياً يرفع عنوان ولافتة: “عليَّ وعلى أعدائي”..

من هنا لا قيامة لدولة قادرة وقوية وعادلة من دون مناخ ديمقراطي حقيقي، ومن دون وجود معارضة فاعلة وذات وزن ومصداقية. فالحكم لا يسع جميع الفئات والأشخاص، وقد تختلف الأحزاب على المشروع والمقاربات والبرامج وآليات العمل،ومن تكن له الأغلبية يحكم تحت أنظار النقد وحرية التعبير، وفي الأخير يأتي الناخب ليعطي رأيه ويقرر المصير.

ولكي نحافظ على دولنا من العبث والتلاعب، وعدم الاستقرار السياسي وغير السياسي، لتكون مجرد ريشة في مهب رياح الدول الأخرى، لا بد أن نحميها من التغول والاستبداد والرغبة الجامحة للأشخاص بالتسلط والتفرد بالحكم والبقاء الدائم في سدة الحكم، ولا يمكن حمايتها من هذه الشرور –وعلى رأسها شر الحكم الاستبدادي- دون وجود أصول مواطنة وآليات ديمقراطية حقيقية محمية ومصانة بالقوانين والدساتير المدنية القائمة على حكم الشعب وفصل السلطات.

ولعل غياب هذه الرؤية السياسية لبنية النظم السياسية الديمقراطية، عن دولنا العربية، وخاصة منها عدم وجود تقاليد سياسية عريقة للمعارضة والنقد وحرية التعبير والتنظيم السياسي، لعل هذا الغياب هو من أهم أسباب التغوّل السياسي وديكتاتورية الحكم العربي على وجه العموم… فالمعارضة بما هي نقد بناء واعي وعقلاني، تكون في موقع مراقبة النظام الحاكم، ومتابعة أعماله وبرامجه العملية والتنفيذية، والتدقيق على آليات إدارته للشأن العام في الدولة الذي لا يخص طرفاً بذاته، وذلك منعاً للشطط والتغول والفساد..

إنّ بلداننا بحاجة ماسّة لوجود المعارضة الحقيقية البنّاءة، لأنها هي التي تسهم في تجذير الديمقراطية بطرحها للأفكار والمشاريع الجديدة التي قد تختلف عن رؤى الحكم القائم، والتي قد يكون لها نجاحات مستقبلية حقيقية خاصة لدى طرحها على الرأي العام ضمن برامج، يتم قبولها ومن ثم تنفيذها، وليس فقط البحث عن الإيقاع بخصومها السياسيين بسبب أو بدونه حتى تصل إلى الحكم حتى وإن ذهبت البلاد إلى الخراب وبئس المصير.

إنّ واجبَ السلطة (أي سلطة) يكمن في تكريس مناخ الديمقراطية، من خلال الاستماع الجدي لأصوات المعارضة التي لها حضورها ومكانتها، واعتبار ذلك من معايير الدولة الحديثة، كما أن من واجب المعارضة -في سياق مناخات حرية التعبير والنقد البناء، وسلطة النقد والعقلانية السياسية الرصينة- عدم شخصنة السياسة والحياة السياسية، بل الاهتمام بقضايا الناس والمجتمع ككل، والتي يأتي على رأسها منع الاستفراد بالحكم، والثروة، والسعي العملي لحلّ مشكلات المجتمع من تخلّف وفقر وتهميش وبطالة، عبر تقديم برامج حقيقية عملية ممكنة التحقُّق، وليس مجرد الوقوف على الهامش، أو بحثاً عن مناصب ومزايا أو امتيازات، والجلوس على كرسي المعارضة التقليدي..

لا تعليقات

اترك رد