حتّى التقيتك

 
(لوحة للفنان انياز المشني)

ما زلت أشتاق القمر وما زلت أحادث النّجوم عن حبيبتي، ما زلت أذكر كيف كنت أخطّ لها كلماتي حتّى قبل أن ألتقيها، ما زلت أذكر سهد الليالي وأرقها، تجوالي في ثنايا روحها وتلافيف ذاكرتي، ما زلت أبحث في صدى الكلمات وما بين الهذيان والجنون عن انصهار الكلمات وجنون الغريب، عشق مهرة مستوحشة، زنبقة برية نبتت في حرش صنوبر.
يا حبيبتي الغائبة الحاضرة في ثنايا النّفس، الحبّ نسمة من نسمات الرّوح، يعزفها قلبي على أوتار الحنين على أمل اللقاء.. إنّه الكينونة التي تجمع البشر وتوحّدهم روحًا وجسدًا، في زمن سادت فيه المادة والمصالح والنّفعيّة .. الحبّ هو الطّريق الوحيد لإنسانيتي.
ما قيمة أن تكسب الدّنيا وتخسر نفسك؟ كلّ ماديّات العصر لا تساوي لحظة صفاء، نتأمّل فيها غروب الشّمس في مساء يوم ربيعيّ .. أو أن ترقب الغرب من تلّة الماصيون في بدايات نسمات خريف، تشتم فيها رائحة البحر المسلوب، وهل هناك لحظة جمال وصفاء مثل احتساء قهوة الصباح بين رياحين وأزهار وتغريد طيور، ونسمة صبح مفعمة بالطل والندى؟ وأن تجول الدروب والأزقة تشتم ياسمين رام الله بصباح ندي مبكر.
ما أنا؟، ما الإنسان إن لم يكن عاطفة وإحساسا، في عصر استلب فيه من الكثيرين الإحساس بقوة الجمال وعظمة الحب، فتحولوا إلى آلات مبرمجة بلا إحساس أو مشاعر.
ما أجمل أن نحيا الحياة دون حساب السّنين والشّهور والأيّام والسّاعات، نحياها بجماليّتها فلا نرى إلاّ جانبها المشرق، نسير فيها تحت ظلّ أشجار الحور العتيق وننام تحت فيء زيتونة روميّة.. ومَنْ يقلْ لك يا حبيبتي إنّ عهد الحبّ والرّومانسيّة قد ولّى، ما هو إلاّ كائن فاقد لإنسانيّته.. لم يعرف السّنديان ولم يتذوّق نسغه المانح روح الحياة.
لقد خلقنا الله من تراب لنحيا بجمال ما ينبته التّراب، ونفخ فينا من أنفاسه، وما نفس الله إلا طيب، فمن طيب أنفاسه التي بثّها فينا نستطيب الجمال..
الجمال يا حبيبتي صورة من صور الحبّ، ومن يحب يرَ في كل ما يراه جمالا وطيبا، فدعينا نعيش الحياة جمالا وحبًّا.
تعالي نتعاهد.. أنت برقتك وإحساسك، وأنا ببحثي الدّائم عن الحبّ والجمال في دياجير الظّلمات، أن نكتب- أنت وأنا- قصّة حبّ وحياة جديدة، مفعمة بالأغاني والأمل الدّائم باللقاء والوصال، نحيا فيه خارج حدود الزّمان والمكان.
.. رسائلك الأخيرة تدفّقت إحساسًا ورقّة، وأنا لم أستطع أن أكتب ردًّا .. سيجيبك السّنديان العتيق وفيء الزّيتون.. لم أزل أحلم حتّى التقيتك.

المقال السابقفي ذكري سقوط الطغاة .. متي يسقط نهجهم ؟؟
المقال التالىتناقضات شرق اوسطية
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد