الصفحات السوداء : قرن من الأحلام المريضة – ج ٢


 

وقد أثبت تاريخنا الحديث مدى فاعلية هذه الأصابع ومدى ضآلة دورنا وفاعليتنا ، وكم كان الغرب الأستعماري والفعل الصهيوني الأسرائيلي حاضرا ومؤثرا في كل ماحصل . هذا الدور الذي تناسب طرديا مع نهضة الشعب وارتفع وتفاقم مع ارتفاع وتيرة الوعي الوطني والتطلع الى التحرر والأنعتاق ، حيث يتنامى ويتضح بتناميها ووضوحها .
لقد قادنا الوعي الوطني في تاريخ العراق الحديث خلال القرن المنصرم الى مجموعة من التيارات والحركات والى تبني عدد غير قليل من المفاهيم والرؤى .
فقد نشط القوميون وأخذوا دورهم الفاعل في مجريات حركة التحرر ، ونشط اليساريون وبرز وجودهم ودورهم الملموس ، ونشطت التيارات والحركات الأسلامية ، وغيرها .
بقدر ماتضمنته هذه الحركات والتحزبات من مضامين فكرية وتحررية ، بقدر ماقادتنا الى واقع ثقافي وسياسي مضطرب يعاني التمزق والتناحر والأصطدام أحيانا ، وشواهد كثيرة من أحداث تأريخنا الحديث تدلل على هذه الحالة وتؤشر عليها . وحتى هذه التيارات الفكرية والحركات الثورية (( بكل حسناتها وبكل المآخذ عليها )) بدأت بالأنقسام والتشظي فيما بينها .
لم تتمكن هذه الحركات من انتاج خطاب موحد و – توليد – نهج يقرب بينها لتنمية أهدافها وايجاد أرضية مشتركة لها ينتج عنها فعل ثوري حقيقي على كل المستويات ، بل قادتنا الى مزيد من التشظيات وأحداث التمزق والتناحر التي تمكن – الغرب الأسرائيلي – وغيره من النفاذ من خلالها ودس أصابعه الفعالة في ايجاد التأثيرات التي توجه التحركات بما يخدم غاياتها نحو أوطان ممزقة لايمكن السماح بنشوئها وتكوينها حسب ارادة ابنائها التي قد تشكل مع (( وفرة )) الخيرات المتاحة لها تهديدا لأسرائيل ولمصالح الغرب الذي استوطن هذه البقاع بشكل مباشر أو غير مباشر منذ وقتذاك .
وقد أدى تنامي هذه الحركات الوطنية الى التنامي بشكل – طردي – في الفعل الغربي – الأستعماري – الأسرائيلي – المؤثر ، خاصة بعد ان تم انشاء دويلة اسرائيل في قلب البلاد العربية .
وكان النصف الثاني من القرن المنصرم حافلا بعلامات النهوض الوطني ، ثم يتلوه الكبح والأحباط ، وحافلا بالتوظيفات الغربية لرموز وعملاء له من أجل تحريف التوجه الوطني وجره الى ساحة من الصراعات الداخلية العقيمة التي عانى منها الشعب العراقي الويلات وذاق طعم المرارة ، ونهضت مصطلحات وسياسات القمع في أوضح وجوهها والكبح والتحجيم والنفي والأقصاء والتهميش لتصبغ التاريخ العراقي منذ أكثر من نصف قرن ولغاية يومنا هذا بصبغة دموية . حيث تحولت بعض الحركات الوطنية والقومية الى أجهزة حكم قمعية انحرفت عن المسار الذي ادعته وتوسلت به للوصول الى السلطة ، ووفرت لنفسها الحجة والوسيلة لتركيع الجماهير وتسليط سياطها عليها تحت مسميات وحجج – الأهداف الوطنية والقومية – وتحرير فلسطين والأراضي العربية المحتلة – واخذت بتصفية خصومها تحت ذريعة التخاذل أو العمالة للأجنبي أو الخيانة أو الأنحراف عن المباديء وغيرها من الأدعاءات ، فساقت الناس كالقطيع الى المشانق والأعدامات والى ساحات الحروب العقيمة .
من نهج ذلك التاريخ القريب تم تشكيل ورسم المعالم الحالية القائمة للخراب والتردي القائم بيننا .
لقد حاول العراقيون النهوض بواقعهم خلال الحقبة الملكية في العراق ، فأدى الأختلاف الحاصل بين المنحى السياسي للحكومة الملكية العراقية التابعة والخاضعة للسلطة البريطانية والواقعة تحت التأثيرات والأطماع الأستعمارية وبين تطلعات الطبقة المثقفة الناشئة من أبناء الشعب العراقي التي تنامت بتنامي تأثيرات المد اليساري وتأثيرات المد القومي واتضحت ونشطت على أثر قيام السلطة الملكية بمحاربة التوجهات والحركات الثورية الوطنية العراقية –اعتقالات وسجون واعدامات – نقرة السلمان – اعدامات في قيادات الحزب الشيوعي (( فهد ورفاقه )) ،

—————- يتبع الجزء الثالث —————–

لا تعليقات

اترك رد