هل نحن …… لهذا الحد


 

كلنا يتألم لمـّا حصل في خان شيخون بسوريا،والخوض في مَنْ القاتل هو من سبيل تكييف للقضية فقط وإعطاءها بُعدًا أخلاقيُ العقوبة، وليس بعد جنائي بما يُحتم القصاص وتمـــــــــكين المظلوم من الظالم، فالمجتمـــــــــــــــــــــع الدولي يستنكر الأفعال إن صدرت من البعض، في حين تستجمع نفس الدولمن هذا المجتمع الدولي ترسانة من المجاملة والتأييد إذ اقام بنفس العمل ذوي بأس شديد أو حليف لهم،ويُضرب بحقوق الإنسان عرض الحائط، وكذا بالقانون الدولي الذي هو في الحقيقة حكر التنفيذ على حفنة من الدول، فما جرى عندما ضربت الولايات المتحدة الأمريكية القاعدة الجــــــوية السورية، والكل يعلم النوايا الحقيقية لهذه الأخيرة المشكك فيه على مّر السنين فهي القاضــــــي و عند الاقتضاء واستدعى الأمر تلجأ الى تنفيذ حكمها، وعلى سبيل الذكـــــــــر لا الحصر، فمن أوْجه عدالتها الأبدية إنصافها في أفغانستان و العراق، وقبلها في فيتنام وفي أي رقــــــــــــــــــــــــــعة حطت بها جيوشها،كان أثر الموت جوعا والحروب الأهلية وجها من وجوه حقوق الإنسان، بعد استنزاف خيراتها فأمريكا تقبض للهـــــــدم والقتل وإعادة البناء دون أن تبني.
ودون سابق إنذار وتحقيق أو غيرها من الأمــــــــــــــــــــــــور التي يمكن أن يعمل بها شرطي أو قاضي مبتدأ في جريمة شوارع، تأتي العدالة الإلهية ممثلة في ترامب لتضرب المذنب الذي لم ينتظــــــــــــــــــــر حتى ثبوت ذنبه وإعلان الحكم، بعد أن دمّروا أسلحته الكيميائية التي يمكن أن تكون سببا مباشرا في ضرب خان شيخون.
و على اعتبــــــــــــار جزما أن الجيش السوري هو الفاعل فهذا لا يعطي الحق لأي دولة بضربه دون قـــــــــــــــرار أممي، هذه ليست المرة الأولى التي تتخذ فيها أمريكا دور القاضي والمحقق و المحامي والجلاد،فقد كانت بغداد تحوي الأسلحة النووية وأفغانستان راعية الإرهاب الدولي وغيرها ولم تندد حتى الدول بعد اكتشاف ادعاءاتها الباطلة، واكتفت بالسكوت.
ما يثير الانتباه و الشك ســــــــــرعة تنفيذ الحكم، كأن القضية مرت على القضاء الإستعجالي، وكأن ترامبحمل هّم أطفال خان شيخون ونسوا تشريد الملايين، في حين كانوا قادرين على إيقاف هذه الحرب من زمن بعيد لولا تعنتهم وحرب المصالح، ونجزم بالتأكيد أن أمريكا قادرة على قلب أي نظام يُلَّوح ولو هزلا برفض سياستها،والمثير للجدل تصريح الولايات المتحدة الأمريكية، بأن كل العواصم التي لها يد في تأجيــــج الحرب في سوريا وجعلها حرب استنزاف أخذت الأخضر و اليابس و أدخلت هذه الأخيرة في دوامة خراب وشردت أهلها وأسكنتهم الفقر والعوز والموت بعدما كانت سوريا أول دولة عربية مكتفية ذاتيا وأسست بوادر نهضة اقتصادية وهي من دول الطوق بجيش على مستوى عالي من الجاهزية،كل هذا أصبح في خبر كان، لنتساءل من هو صاحب المصلحة الأول من وراء هذه الحرب…
وتحت مسميات كثيرة جهادية وثورية من باب تغيير النظام سوّقت هذه الدول الفكر الذي حول سوريا إلى ساحة معركة، نفس هذه الدول التي استباحت الخروج عن الحاكم عندما تعلق الأمر بسوريا، تجعل هذا الخروج كفرا واضحا عندما يتعلق الأمر بدولة أخرى، أو هي بحد ذاتها إذا تعلق الأمر بالمساس بعرشها ، كما روجت أنها تستهدف من حرب سوريا وبالنيابة عنها وقف المــّــد الشيعي الإيراني ولو قُتل الملايين من بني جلدتهم، و هذا المـّد الإيراني نفسه الذي هي ساعدت بتمكينه في العراق بإسقاط نظام صدام حسين، وهي نفسها من وصّمتها أمريكا و بريطانيا براعية الإرهاب الدولي وبذلت العطاء للرئيس الأمريكي السابق لوقف التعويضات بالملايير على عاتقها وهي من تدفع بعجلة إقتصاديات هذه الدول للانتعاش.
كل الدول التي لها علم بالضربة الأمريكية لهم نفس التفكير المهم أنهم بمنآى عنها بما في ذلك السعودية وكأنها هي من نفذها، أو على الأقل ساعد في تنفيذها،بعدما كسب النظام السوري بعض الكف عن التركيز عليه، والذي قد يبقينا في نفس درجة الشك أن رّد فعل روسيا جاء باردا وكأن الأمر لا يعنيها حتى وإن ظهر رفضها التدخل في شؤون الدول من قبيل المحرمات ورفض ضرب منشآت الجيش السوري جليا في خطوات تكاد تكون محتشمة أو تنُم عن فَبْـــــــركة جديدة أو منعطف جديد لقضية سوريا و مصير رئيسها بعدما كان الأسبوع الذي سبق آخر اهتمام المجتمع الدولي ولا يهم ان حكم لعقود أخرى، وكل هذه الأحداث المتواترة تجعل من المنطقة أكثر من ذي قبل على صفيح حامي وفتيل مشتعل لقيام حرب تتوسع لتدخل أطراف أخرى في حرب مباشرة على الأراضي العربية ويبقى سائدا مبدأ من تكون الحرب على أرضه دوما هو الخاسر،فقد يكون هذا التحدي الأمريكي إرضاء لاستثمارات ضختها السعودية لإنعاش الاقتصاد الأمريكي، هو نفسه بداية لنشوب حرب يذهب ضحيتها المزيد من الشعوب العربية و قد يطرح نفس التساؤل بطريقة أخرى هل أمريكا مناهضة للإرهاب أم أن هذا من سبيل إضعاف الجيش السوري وتجريده من التفوق الجوي،لجعل بعض التوازن بينه و بين التنظيمات الإرهابية المتواجدة في المنطقة كداعش، والهاء المملكات العربية لاستدرار بعض الأموال، وهل أمريكا تحارب الإرهاب أم في الحقيقة هي من يحميـــــــــــــــــــه.
لا شك أن الصحيح و الحقيقي أننا أصبحنا أكثر من ذي قبل في دوامة من العنف والأخذ و الجذب، فمن بؤرة توتر الى منطقة حرب محظورة على كل شيء إلا على أصحاب المصالح، ومرتع لقوى عالمية تتطاحن علينا والدول العربية في هذه الدوامة كالعاهرة التي تميل بينهم و يستهويها أقـــــواهم فبما ملكت من ثروات أصبحت تُسيل لعاب الساسة و الدول و حتى التجار من قبيل ترامب أكثر من ذي قبل بعد فشل الدول المتقدمة من تدبر اقتصادياتها و تداعيها بفعل أزمات متكررة فمن بريطانيا والخسارة التي تتكبدها بخروجها من الإتحاد الأوربي إلى الولايات المتحدة والأزمة المالية،يتخبط ساستنا وملوكنا طلبا للرضا فبذل المال أصبح لايكفي في حقيقة الأمر، وأصبحنا أمام تحديات أكثر انتهازية فالكل يريد حصة أكبر من الشرق الأوسط ويحط بجيشه إذا استدعى الأمر على مشارف التحالف الروسي الشيعي بعد نفور تركيا من السياسة الأمريكية و ظهور بوادر تحول سياسي قد يجعل من تركيا فسيل لإمبراطورية جديدة، يمكن أن تربك التواجد الأمريكي في المنطقة بحكم الدين والعقيدة والمذهب السني الذي يمكن أن تمشي على نهجه دول الخليج.
بوادر الانتدابات و تقسيم الدول العربية إلى دويلاتيلوح في الأفق، أما الذي أصبح يشكل خطرا على الشعوب فليس الاستعمار ، فنحن لازلنا لم نعرف الاستقلال الحقيقي، باعتبارنا على امتداد الاستقلالالسياسي مازلنا عالّة على الدول حتى بتوفر إمكانيات جغرافية ومخزون طاقوي ومناخ استثماري وإمكانيات ضخمة للانتعاش و التكامل الاقتصادي العربي، و بالتالي النهضة العلمية والاستقلال الحقيقي بالتعاون العربي العربي، دون الرجوع للدول المصنعة التقليدية، و لكن لحد الآن لا ننتج حتى غذاءنا.
في الجهة الأخرى نرى بــــــــــــــوادر إعادة هيكلة الإمبراطوريات القديمة، فالإمبراطورية الفارسية تهيكل نفسها في توجه ديني إسلامي شيعي وتركيا تسعى إلى إعادة هيكلة نفسها وتمكين النظام الرئاسي لإرساء دولة تكون مصداقية وحدتها في هذا النظام و تكون في منأى عن الانقلابات السياسية ولما لا إعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية والدب الروسي بما أمن من امتداد في شمال إفريقيا و سوريا كامتداد لمناطق النفوذ الاشتراكي القديم وخاصة الدول ذات المـّـد القومي والاشتراكي، وبهذا تريد إعادة إحياء الإمبراطورية الروسية أو روسيا القيصرية.
تقسيم الريع العربي أصبح ظاهرا للعيان، لا حياء في إبداءه و لو استدعى الأمر الجهر بالسلاح وأخذ نصيبا منه.
التاريخ يعيد نفسه،والسيل يتبع مجراه، فقط نحن كعادتنا لا نتعظ … لسنا بالضرورة مع النظام السوريولا مع نظام آخر و لكن لسنا مع تهجير وتشريد الملايين وقتل الآلاف وتحطيم دولة، لتغيير نظام مستبد بنظام يمكن أن يكون أكثر فسادا واستبدادا .. والأمثلة كثيرة.

لا تعليقات

اترك رد