هادي بين المطرقة و السندان


 

في فقرة العروض الاولى المبرمجة في مهرجان تطوان الدولي لسينما البحر الابيض المتوسط ن الذي أقيم ما بين 25 مارس و فاتح ابريل 2017 ، تم عرض 8 أفلام من ايطاليا ،اسبانيا ، تونس،المغرب ،الجزائر،فرنسا ومصر. نتوقف عند الفيلم التونسي “نحبك هادي” للمخرج محمد بنعطية وهو انتاج مشترك فرنسي-بلجيكي –تونسي (2016) .

في البداية تشعر نسبيا بالملل في سرد الاحداث لكن سرعان ما يتدارك المخرج الامر و يرفع من وثيرة الايقاع باعتباره العمل الاول له ،الفيلم تجربة جديدة في طرح المواضيع بأسلوب سينمائي جميل تبناه في تصوير عمله كشريط روائي طويل . ينتمي محمد بنعطية الى جيل جديد من السينمائيين التونسيين الذين غردوا خارج السرب، لأنه لم يسلك الطريقة الكلاسيكية التي عمل بها الجيل السابق من خريجي النوادي السينمائية أو ممن تأثروا بمناهج السينما المصرية كرائدة هذا الفن في العالم ألعربي ،وليس له تكوينا أكاديميا، بل يعتبر نفسه من عشاق الصوت والصورة،قرر خوض مغامرة الغوص في بحر العالم السحري الجميل، فصادفه النجاح اذ استقبل عمله الاول ،السنة الماضية بالتصفيق وفاز بعدة جوائز دولية من بينها جائزة المسابقة الرسمية لمهرجان برلين الدولي بألمانيا ،هذا بعد 20 سنة من مشاركة المخرج فريد بوغدير بفيلمه “صيف في حلق الواد” في نفس المسابقة .

الفيلم من انتاج درة بوشوشة ولينا بن شعبان بالإضافة الى جهات أوروبية وافريقية و عربية ساهمت في دعمه ،”نحبك هادي”يحكي قصة حب جارفة بين هادي و ريم وهو الدور الاول لكل منهما ،لبساه وجاء على مقاسهما .جاء هادي مقنعا في أدائه كشاب هادئ الطبع ، منغلق على نفسه ،يعيش حياة روتينية تحت سلطة أمه،لا كلمة ولا رأي له، في رمز الى الوضع في المجتمع العربي والحالة العاطفية عند الفردعندما يتحكم فيه الاخر، بالإضافة الى الضغط الاسري و فرض السيطرة عليه .( يقوم بدور هادي الممثل الصاعد مجد مستورة )،ففي الوقت الذ تستعد فيه أمه وأخوه المهاجر لإقامة حفل زفافه من احدى بنات اسرة تونسية تقليدية مرتبطة بالعادات والتقاليد ،يقرر رئيسه في العمل ارساله الى مهدية ، مدينة شاطئية جميلة ، وهناك يلتقي بريم الفتاة اللطيفة و الجذابة المتحررة ، شابة تعمل كمنشطة سياحية ، وسرعان ما يسقط في شباكها ، بدورها لم تتأخر في الاستجابة لحبه ،ليكتشف أنها مختلفة تماما عن خطيبته المحافظة جدا ، بالمناسبة اقحمت مشاهد الرقص بطريقة فلكلورية عادية جدا لم تسجل أية اضافة للفيلم . ويقوم بالدور ريم بن مسعود وهي أيضا ممثلة مبتدئة استطاعت أن تجد لها مكانا رفيعا بجانب هادي .

يدور الفيلم في الفترة الموالية لسقوط نظام بنعلي أي بعد أحداث الربيع العربي.من أقوى اللحظات التي سجلها المخرج بامتياز هي ثورة هادي على نمط حياته بما فيها علاقته بأمه و رفضه للزواج بمن اختارتها له ،لم يعلن المخرج عن الغاء الزفاف بطريقة مباشرة بل أشار اليه بذكاء في جملة واحدة تلخص ما وقع لأهل العروس بعد اعتقال الاب ،لحظة جميلة وراقية سجلت في نهاية الفيلم هو تراجع هادي عن قراره في الهجرة مع حبيبته كرمالا لامه دون أن تبدي ريم أية مضايقة لتفهمها الوضع . من خلال العلاقة الحميمية للحبيبين طرح محمد عطية مشكلا يعيشه الشباب في زحمة الحياة اليومية ، وهي الهجرة ومعاناتهم في ايجاد مصدر للعيش و استقرار لتوفير عيش محترم ، وذالك ما سبق لريم أن قالته لهادي بعد ما كشف عن رغبته في الذهاب معها الى أوروبا .هناك نظرة شمولية للواقع التونسي كما يعيشه المواطن العادي، بعيدا عن الأكليشيهات التي تروجها الدعاية السياحية بالإضافة الى التناقضات السائدة و تدهور صورة المرأة في المجتمع التي أصبحت أسيرة للمبادئ البطريركية وهي الصورة التي اختفت بعد عهد الراحل بورقيبة يظهر، هذا جليا في علاقة هادي بخطيبته ورفضها لقبلاته في انتظار اتمام الزفاف ، فيما كانت ريم تمارس معه الحب بكل حرية بعيدا عن الطابوهات ، جاءت مشاهد غير صادمة معبرة عن التضامن مع البطل الذي أطلق العنان لعواطفه معلنا عن رفضه للحياة النمطية التي فرضت عليه وكبتت أحاسيسه .
فيما يخص هجرة ريم الى الغرب فهي اشارة الى الوضع الكارثي الذي تعيشه البلد تحت وطأة الازمة الاقتصادية ، ويتجلى في مشهد المصنع الفارغ من العمال ،ثم ركود السياحية و الصناعة ازاء تفشي ظاهرة التطرف الديني بعد أن عاشت تونس فترة تجربة العلمانية يمارس فيها المواطن اختياراته بحرية .الفيلم خالي من مشاهد العنف ، يدخل في خانة الافلام الرومانسية التي تتميز بجمالية السرد وبناء سينمائي متكامل كإشارته الى الثورة من خلال ثورة هادي على وضعه وخروجه عن صمته للإعلان عن مواقفه أمام أمه و أخيه فيما تمثل ريم رمزا للثورة دون أن يقع في المواجهة النمطية بين جيل الام وجيل الحبيبة .

لا تعليقات

اترك رد