فن الاوبريت وعلاقته في عرض الباليه – ج٢

 

…السؤال الذي يتبادر للذهن لماذا هذا الربط بين فن البالية وفن الاوبريت وهل عرف العرب فن البالية ام فن الاوبريت ومن هو اقدم تاريخيا ؟
من المسلم به ان فن البالية فن وافد الينا حديثا حيث لم يعرف العرب عموما والعراق خصوصا فن البالية الا في الفترات المعاصرة القريبة جدا مع العلم ان العرب عرفوا الاسطورة ولاشك ان هناك صلة بين الاسطورة ومسرح البالية
(فالاسطورة هي محاولة لفهم الكون بظواهره المتعددة وهي نتاج وليد الخيال ) وقد تستخدم كلمة اسطورة كفاية عن شخصية خيالية او حقيقية تتخذ شكل البطل الاسطوري (كما تعبرعنه علية عبد الرزاق في مقالها المنشور في مجلة الفن المعاصر) والاساطير عموما ضرب من النشاط الابداعي له,/ تعلق بالتصورات الدينية والخيالية وهي تجسيد لنماذج مثالية لكل الوان النشاط الانساني ولمواقف الانسان التي تتراوح مابين ماهو مأساوي وملهاوي وعلى مدى تطور فن البالية ارتبطت عروض البالية المسرحي في كثير من الاحيان بالاعمال الادبية ومازال هذا الاتجاه قائما حتى الان ونجد ان استاذ البالية الشهير (جان جورج نوفير) قد وضع في القرن الثامن عشر باليهات ذات مضمون مقتبس من اعمال (كورنية وراسين) وهو يؤكد اهمية الادب بالنسبة للبالية وكذلك في القرن التاسع عشر برزت الصلة بين البالية والادب المعاصر له في مطلع القرن العشرين بدأت المحاولات الاولية للاهتمام بفن البالية في العراق من خلال (مدرسة الموسيقى والبالية) التي اخذت على عاتقها تعليم التلاميذ فن الايماء والرقص والموسيقى


وربما بسبب النظرة الشرقية لهذا الفن لم يؤخذ موقعه الحقيقي في حياتنا الثقافية ,,في المقابل نجد ان فن الاوبريت قد بدأ حديثا في العراق وترعرع في احضان المسرح المدرسي ضمن دائرة النشاط المدرسي في عموم العراق ونال مرتبة متقدمة في الاهتمام والرعاية من قبل النشاط المدرسي حتى اقيمت المهرجانات القطرية له في جميع محافظات القطر وكان الاعتماد الاول فيه لتلاميذ المدارس الابتدائية ثم تطور بعض الشيئ ليشمل المدارس المتوسطة في مطلع السبعينيات من هذا القرن وكان اكثر بروزا في محافظات الفرات الاوسط والجنوبية ولاشك انه تأثر من حيث النشأة بالطقوس الدينية والظواهر المسرحية العربية تحديدا كان الشعراء هم من اكثر المؤلفين لهذا النشاط ذلك لاعتماده على الشعر المغنى وكان المخرجون ممن يجدوا في انفسهم قابلية التعامل مع التلاميذ بشيئ من الصبر والمطاولة ,,كون فن الاوبريت يعتمد في جوهره بناء لوحات فنية تشكيلية راقصة يؤديها ممثلون صغار في حكاية بسيطة مصاحبة للاغاني والموسيقى وتلعب الاضاءة المسرحية والمناظر المسرحية ايضا دورا كبيرا في توصيل الفكرة بعرض مسرحي مشوق وعلى الرغم من ان هناك تجارب في فن الاوبريت لبعض التجمعات الثقافية هنا وهناك يقودها مجموعة من الكبار ويمثلون فيها ايضا والتي نالت بعضها حضورا ثقافيا الا انها سرعان ما تراجعت ولم تقدم المزيد لان مثل هذه الاعمال تحتاج الى وقت ومثابرة وجهد اضافة الى الامكانيات المادية الضخمة لكي تخرج للنور بعروض مسرحية موثرة واستمر النشاط المدرسي يغذي هذا الفن الجميل لسنوات عدة ويقيم المهرجانات له كما اسلفنا ولكنه تراجع ايضا للاسف الشديد ولم نجد له حضور الافي المناسبات الوطنية بشكل بسيط ايضا لايستحق ان يكون بديلا عما كان يقدم انذاك ومن هنا يجب القول ان احد اهم العناصر التي تعمل على تطوير فن الاوبريت هو تطور الادب ذاته والاهتمام به من قبل شعراء اختصاص يجيدون كتابة الدراما ويمتلكون الدراية والخبرة في المحافظة على وحدة الشكل والمضمون اذ ان تجسيد الدراما والاعمال الادبية في فن الاوبريت لاينبغي ان يقل عن الاوبريت في تجسيد الحوار والشخصيات والاحداث المسرحية لانه ضرب من فنون المسرح بكل تفاصيله الدقيقة فهو يلتقي مع العرض المسرحي بنواحي عدة في النص المكتوب والتمثيل والاخراج اضافة الى الموسيقى والديكور والملابس و الاوبريت يتعامل مع اللحن المعبر عن اجواء عروضه الموسيقية بلوحات لها بداية ووسط ونهاية وبصفة عامة فأن التعاون او الفهم والتفاعل المتبادلين بين مخرج الاوبريت ومؤلف الموسيقى يعطي الاساس لعمل فني متكامل وقد يصمم مخرج الاوبريت حركاته بناءا على موسيقى وضعت من قبل وفي احيان اخرى يصمم الرقصات على اساس موسيقي وضعت له خصيصا مع مراعاة الايقاع والتطابق مع البناء الدرامي الداخلي له بصفة عامة ان يكون لفن الاوبريت نجاحا عليه ان يقوم بما يلي :.


1- النص المكتوب خصيصا للمسرح
2- التكامل مع مختلف عناصر العرض المسرحي من حيث الشكل والمضمون
3- اظهار الطابق العام للعرض , وتحديد ما هيته من الناحية البيئية القومية التاريخية
4- الدقة في استخدام الاضاءة والديكور بحيث تظهر مختلف عناصر العرض بالصورة التي يطلبها المخرج
5- الملابس والازياء والالوان على المسرح لها قيمة كبيرة في العمل الفني فالحركات الراقصة التي تعبر عن الانفعالات العاطفية تستدعي لونا من الالوان او اطار يبرز ذلك الانفعال
6- موضوع الاوبريت والالحان والتشكيلات على خشبة المسرح يجب ان تتجاوب مع سيكولوجية المتلقي
7- ان يكون المخرج ذا دراية وخبرة في التعامل مع ممثليه ايضا وايضا مع متلقي العرض
8- ان تخصص ميزانية خاصة للانتاج مع كادر فني يجيد اللعبة الفنية .
وبهذا نكون قد حققنا لكل مرحلة دراسية خصائص فنية مميزة بالتطور السريع مع اللغة والاهتمام بموسيقى الكلمات وعلى الادراك المباشر فأن اثره الفوري يمكن ان يمتد في عمق الذاكرة وفي مكونات الخيال والى امد طويل ذلك لان المسرح من اخطر قنوات التوصيل التي يمكن ان ترسخ في عقول التلاميذ شكل الافكار ومضمونها وتثير في عقولهم اخلية وافكارا اخرى . هي دعوة مخلصة لذوي الاختصاص بممارسة هذه النشاطات نداء الى وزارة التربية ودوائرها ذات الاختصاص لانعاش دور فن الاوبريت والاهتمام به لانه اسهامه مباشرة في تغذية عقول التلاميذ بكل ماهو ممتع ومشوق بأبعادها الفلسفية وقيمها الجمالية والفكرية وخلق بؤرة معرفية تربويا ونفسيا اضافة الى اشاعة الذوق الرفيع في النظر المسرحي والموسيقي المهذبة والالقاء الجماعي المنتظم ايقاعيا والمرتبط اصلا بالفكر والموضوع الحياتي القريب الى اذهان النشئ الجديد وبذلك نضيف لهم معرفة وخبرة بعيدة عن قاعات الدرس .

لا تعليقات

اترك رد