الإستعمار و الثيران العربية – ج2

 

(( مازال الإستعمار يكرر معنا ما فعله منذ مئات السنين, إن الهجوم علي سوريا منذ أيام ما هو إلا إثبات عملي واضح علي ما أقوله, وتأكيدا علي أننا لا نستوعب الدرس أبدا, وسيحدث مع سوريا الشقيقة كما حدث بالتفصيل مع العراق في إبريل 2003)). لم يكن لمصر منذ الإحتلال العثماني وحتي حكم محمد علي جيشا وطنيا من أبناء شعبها, وإستمر الحال هكذا حتي فشل محمد علي في تجنيد السودانيين, مما جعله مضطرا إلي الإستعانة بالمصريين في الجيش, كجنود صغار, لا يتم ترقيتهم أبدا, فلقد كان يعتبرهم حفنة من الفلاحين الجهلاء وكان يحتقرهم. ظل الوضع هكذا حتي جاء محمد سعيد باشا(1863-1854) ووضع اللائحة السعيدية في 5 أغسطس 1858, التي أعطت للمصريين الحق في تملك أرض الأباء والأجداد, وسمحت لهم بالترقي والصعود في السلم الوظيفي إلي المناصب العليا في الدولة والجيش, وكذلك تأسيس أول برلمان وطني هو مجلس شوري النواب, وإلغاء نظام إحتكار الدولة للحاصلات الزراعية, ذلك النظام الذي إخترعه محمد علي,

وقام الخديوي سعيد بإلغاء الجزية علي المصريين المسيحيين بل وساندهم الخديوي أيضا كي ينضموا إلي الجيش وأعطي لهم حق إقامة قداس الأحد داخل ثكنات الجيش. وحين أصبح عرابي وزيرا للحربية, وإحتل المصريون المناصب القيادية في الجيش والدولة, أصبحت القوي الوطنية ذات قوة وسلطة في مواجهة الخديوي توفيق الخائن لابيه ولأمته, ولم يعد له سلطان يذكر, وأخذت القوي الوطنية بالفعل في النهوض بالدولة, والوقوف أمام الدول الإستعمارية التي تريد إعلان إفلاس مصر, فقامت بإنشاء ثلاث لجان وطنية, لجنة سياسية برئاسة شريف باشا لوضع دستور مصري جديد, وقانون الإنتخاب ليؤكد سلطة الأمة, ولجنة إقتصادية برئاسة راغب باشا لوضع مشروع وطني لسداد ديون مصر, ولجنة ثالثة هي اللجنة العسكرية برئاسة شاهين باشا وذلك لوضع خطة للدفاع عن مصر وتأمينها ضد أي غزو خارجي محتمل أو تدخل أجنبي, وقامت هذه اللجنة بالمطالبة بزيادة عدد أفراد الجيش إلي ستين ألف جندي, وإعادة فتح كل المدارس العسكرية. شعرت الدول الإستعمارية حينها بتنامي سلطة القوي الوطنية وبسيطرة الجيش المصري الوطني علي مقاليد الأمور في البلاد وكذلك شعرت بضعف قبضتها علي مصر, فتحالفت بريطانيا مع فرنسا وبقية الدول الإستعمارية كي تحكم قبضتها علي مصر وتمت لها السيطرة علي مصر, ونزلت القوات البريطانية إلي الإسكندرية يوم الرابع عشر من يوليو 1882, حيث تم تدمير كل شئ في الإسكندرية ثم توجهت بعدها إلي القاهرة التي سقطت في العاشر من سبتمبر 1882,

وهنا تكررت المأساة. لقد دمرت القوات البريطانية مدينة الإسكندرية تماما وذلك لتمهد للشركات البريطانية من إعادة الإعمار وكذلك للسيطرة علي خزائن مصر كدولة مهزومة. لقد أصدر الخديوي توفيق مرسوما بأن مصر مسئولة أمام الأوروبيين عن الخسائر التي أصابت ممتلكاتهم في الأسكندرية نتيجة ضرب السفن البريطانية لها! كذلك أصدر مرسوما خديويا بحل الجيش المصري وتسريح كل جنوده والتحفظ علي الضباط حتي تتم محاكمتهم, وحل مجلس شوري النواب, مع مرسوم أخر بتعيين الجنرال فالنتين بيكر قائد عام للجيش المصري. هذا ما حدث في العراق وكأنه نسخة طبق الأصل, وهذا ما حدث ايضا في ليبيا, نفس الترتيب المذهل, ونفس ردود الأفعال الغبية!

وإلي اللقاء في الإسبوع القادم مع الجزء الثالث والأخير بإذن الله.

لا تعليقات

اترك رد