مظفر النواب: بين عشبة الخلود.. ومرتبة القدسي


 
الصدى- مظفر النواب
لوحة للفنان حيدر الياسري

“لم أجنِ لنفسي نعمة ما..”
جلجامش
“مثل بلبل كعد متأخر.. لكه البستان كله بلايه تين..”
مظفر النواب

هل يبدو الفارق كبيرا على مستوى فداحة الخسارة بين الملك العراقي الرهيب الباحث عن سر الخلود والمفجّر له في التاريخ الإنساني وهو يعلن خسارته الجسيمة بهذه الجملة التراجيدية المؤلمة: “لم أجن لنفسي نعمة ما..” لأنه غفل لحظة خاطفة بعد الشقاء المرير، لتسرق الأفعى ـ الحياة ـ ثمرة شقائه، وبين هذا البلبل العراقي “الشاعر” مظفر النواب الذي تأخر قليلا من الوقت فسبقه جميع الزمن ليجد البستان فارغا من المعنى؟ والفارق الزمني بين العراقيين الملك جلجامش والشاعر مظفر النواب ألفين عام؟ وحدّهما طعم الخسارة الكبير؛ وحدّهما المعنى البشري الشامل كحالمين خاسرين عظيمين. وشيدا للمعنى الإنساني العميق أبعادا لم تكن مسبورة الأغوار قبل زمن كل واحد منهما.

سعي الكائن البشري يستمر نحو الخلود؛ الخلود في الذاكرة الإنسانية الشعبية الذي يؤدي بدوره إلى الخلود في التاريخ البشري. وهو سعي لا ينقطع طالما البشرية قائمة كما هي عليه. يتخذ هذا السعي على صعيد الإبداع طابع “السمو” ومرتبة “القداسة”. قامت الحضارات البشرية الأولى عند الفراعنة، بالرغم من منجزاتها العظيمة، على فكرة تبدو اليوم ساذجة، قكرة الحياة بعد الممات بذات المواصفات الأرضية. وانبثق علم التحنيط وأختراع الأدوية الطلسمية التي لم يستطع العلم الحديث فك رموز شيفرتها البيولوجية والطبية. وبعد سبعة ألاف سنة نرى تلك المومياءات الطازجة بلحمها وعظامها أمام العين التي لا يمكن أن ينهض منها فرعون ويُبعث من جديد. كل ذل في سبيل الخلود والحياة الأخرى بعد الموت.

جاء الملك العراقي جلجامش قبل نحو ألفين عام قبل التاريخ بنظرية بشرية إنسانية جديدة، تتلخص بأن فكرة “الخلود” البشري لا تأتي عن طريق تحنيط الملوك وعبيدهم وإنما تأتي عن طريق صنع المعجزات العظيمة ذات الفائدة العامة للناس، وليس عن طريق صنع المومياءات المحنطة داخل توابيت الذهب الخالص، وهذه منجزات ثقافة عراقية بإمتياز حضاري مشهود لها علميا عند جميع المدارس التي تدرس التاريخ البشري في جامعات وثقافات العالم المعاصر.

في هذا السياق سار العراقيون الأوئل من سومر وبابل وآشور إلى صنع المعجزات البشرية الواقعية وليس الوهمية. وراحوا يبحثون عن الخلود عن طريق الكتابة وصنع الأفكار البشرية الجديدة.

الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب هو أحد الرموز التاريخية المعاصرة التي شدت نسيج التاريخ الحضاري القديم لوادي الرافدين والأهوار وتلك المسطحات المائية الشاسعة بالتراث العراقي الشعبي والسياسي الحديث. فتجسد كواقع بشعره الملازم لحركة الإنسان في هذا المكان، وكسلوك سياسي شكّل رأس حربة ماضة في وجه الظلم والإستبداد، ولم تخنه حاسة العشق العراقي النبيل وغزله وأشعاره المدماة المضمخمة بعطر البارود وصهيل الخيل وصيحات الزلم الأشاوس وأهازيج النساء الثكالى:

“ميلنْ لا تنكّطن كحل فوك الدم..
ميلنْ وردة الخزّامة تنكط سم..
جرح صويحب بعطابه ما بلتم..
لا تفرح.. لا ليقطاعي..
صويحب من يموت المنجل يداعي..”

شارك
المقال السابقالشمس حتما تشرق لنا
المقال التالىمقرّطة العالم العربي
علي حسين عبدالعال كاتب عراقي مواليد العراق ـ الديوانية 1956 درس القانون والسياسة في جامعة بغداد 1975 ـ 1979 عمل بالصحافة العراقية والعربية والسويدية عضو اتحاد الكتاب السويديين منذ عام 1996 غادر العراق 1979 مقيم في السويد منذ العام 1990 من مؤلفاته : 1. "المشي في الحلم" قصصية. دار الصداقة للنشر والتوز....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد