مقرّطة العالم العربي

 
الصدى-العاالم-العربي
لوحة للفنانة سماح الالوسي

بمجرد طرح فكرة “التحوّل الديمقراطي”, أو “الإنتقال الديمقراطي”, أو “مرحلة الانتقال الى الديمقراطية” هو دليل كافٍ ودامغ على دكتاتورية العالم العربي واستبداده وتخلفه من جانب النخبة الحاكمة, والذي قد يحسب على الشعوب العربية, فلا أحد يقبل بالاستبداد إلا المتخلف والهزيل والعاجز عن تحقيق نهضته ومواكبة العصر وتطلعاته.

إذ أن الأمة العربية قد أُصيبت بخيبة أمل كبيرة وهي ترى الديمقراطية في العراق تعيد امجاد اوروبا الظلامية من حكم المرجعيات الدينية (الكنسية) وإعادة تشكيل المذاهب سياسيا وتجييش الشارع عن طريق اللعب على اوتار الطائفية والانقسامات التاريخية لتتبلور لدينا طائفية ديمقراطية لا تختلف عن تسميات الديمقراطية الإحتلالية (أو الديمقراطية الكولونيالية) التي حاولت نشر الفوضى على إنها حُرية, فبئس ما ينشرون !!

مع هذا ظلت صورة الديمقراطية رغم التشوية مُحافظة على الكثير من تقاسيمها وتراسيم وجهها, وهذا لا يمنع يأس العرب بالبحث والتفتيش عن الديمقراطية الحقيقية المجردة من اقترانات المستعمر والأجنبي او تجلياته العولمية او الحداثوية بما هم نماذج غربية فضائحية, قد يقلل من حظوظ الإنتقال, وهذه المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة, نتيجة لضرورة الديمقراطية بما تعنيه من “ابتداع وسائل لحسم هذه الخلافات باتباع اجراءات عادلة ومرضية يتفق عليها” , كون الديمقراطية ضرورة لأي جماعة مسلمة, سواء بلغت مستوى المجتمع الإسلامي أم لم تبلغه, .. وان طريق العودة للإسلام وللمجتمع الذي ابتعدنا عنه لا بد أن يمر بالديمقراطية باعتبارها النظام الذي يعطي فرصة لمناقشة مطالب النظام الإسلامي, ..

فالديمقراطية هي أولى مطالب المسلمين بما هي ضرورة لحفظ تماسك المجتمع المسلم وحل خلافاته وبكونها المناخ الأصلح للتنمية والإنتاج , من خلال برنامجها الهادف التغيير الذي يحقق الأفضل والأحسن فيما يتعلق بقضية الفرد, إذ لا نجد فروقات جوهرية بين ثنائية (الإسلام والديمقراطية) فإلإسلام دين ديمقراطي وإن اختلفت الألفاظ والشكليات إلا ان الجوهر والمضمون هو ذاته, فالشورى في الإسلام مقابلة للديمقراطية في الغرب والمسيحية, والبيعة مقابلة للإنتخاب, واستخلاف الخليفة مقابلة للتداول السلمي للسلطة, والمؤاخاه واحترام الاخر المختلف تعني فكرة المواطنة اليوم, وقاعدة لا إكراه في الدين هو اقوى حضوراً من مصطلح حرية الرآي والتعبير التي يقابلنا بها الغرب, فلولا ديمقراطية الإسلام لما نجح في فتوحاته ونشر دعوته إلى معاقل اوروبا وبقاءه حتى اللحظة ديناً حيوياً, في حين يتوقع (تهكماً) اليهودي صموئيل هنتنغتون بإنه الموجة الحضارية الجديدة التي تهدد الغرب والعالم, رغم اكذوبة هنتنغتون على انه “خطر مهدداً” فهو أصبح رقماً سياسياً صعباً يستحيل تجاهله والأيام القوادم كفيله بالحديث عن طروحات المشروع الإسلامي النهضوي الحضاري الجديد بعيداً عن طيش ومراهقة زعامات الإسلام السياسي, الذي ما زال يعد الديمقراطية كفراً بواحاً, وردّه وإلحاد وشركٍ بالله, وفق نظريات العقل الديني الملثم!

ان عملية التحول الديمقراطي هي عملية ولدت ميته, ما زال العرب يراوحون مكانهم, منقسمين على بعضهم, البعض منهم يرديها انموذجا يُحتذى به, وبعضهم الأخر يُريد تعليقها على صلبان الواقع حتى يتم تعريتها وجلدها وتعزيرها للإنتقاص منها, وهذه الديالكتيكيه هي السبب الأساس الذي جعل العرب وما زالوا يراوحون في مدخل الجهل والتخلف والتردي والانحطاط, وأخطر انماط رفض التحوّل الديمقراطي هو النمط الديني الذي يملك حيزاً لا يستهان به من الرصيد الجماهيري او ربما هو في المرتبة الأولى من حيث القاعدة الجماهيرية التي تستحكم بقلوبها ومشاعرها قبل ان تستحكم السيطرة على العقول.

وان الإسلام السياسي عكس الحركات اللا دينية (العلمانية) _ التي حسمت امرها من موضوع الدين والسياسة فترفعت بذاتها عن الطائفية _ سيظل عصي على الديمقراطية, بل ستبقى تلك الحركات هي العقبة الكبرى امام تحقيق وترسيخ مشروع الديمقراطية .. ولن تفلح في حسم موضوع الدين والدولة الذي ظل هو الأخر عائقاً معرفياً ولغوياً وسياسيا واجتماعياً امام نهضة وتقدم الامة العربية.

وقد أصبح من الواضح أن طغيان البعد الطائفي على السياسة في معظم المجتمعات العربية وتغلغل التَشدّد الديني في قضايا الفكر والعمل السياسي والحياة اليومية هو الخطر الأكبر الذي يهدد بناء الأمة ويعوق جهود النهضة ويجهض التحول إلى الديمقراطية ويعيد إحياء النزعات القبلية والعشائرية بدرجة تقترب من النكوص إلى عصور الجاهلية الأولى الأمر الذي جعل من الديمقراطية مجرد مشروع وهمي وخيالي هرطقي لم يجد له المناخ الكافي لقبوله وترسيخها.

 

لا تعليقات

اترك رد