ايقاع السرد في الرواية العراقية الجديدة

 

* اليوم .. صار من البدهيات القول بأن البلاغة هي , قدرة المقول على التوصيل والتوضيح والايجاز والعمق والجذب .. وتلك هي وظائف اللغة الأدبية عموماً ..
* يذكر الدكتور عبد الله ابراهيم بالكتاب المغربي المشترك (تشكل المعنى) , ما معناه :
أن البلاغة السردية تضافر عناصر السرد لأجل إعطاء أبلغ أثر وأهم قيمة , وأدق جماليةفنية للمروية.
* يحدد الباحث ادريس الكريوي في كتابه بلاغة السرد في الرواية العربية بين ص5 وص10 ثلاثة عشر موضوعاً للبلاغة السردية وذبات الحال هي شروط وغايات السرد الجديد في الرواية العربية :
(( تآلف خيوط الحكي , موضوعية الموضوع الروائي , تنامي أهداف الروي , الحفاظ على جدلية الواقع والحلم , اثارة الاسئلة الفلسفية , توافق اللفظ التعبيري مع المعنى المرجو , الموازاة الاسلوبية , توافق عناصر الوصف , الحفاظ على التراسل الاشاري , استثمار بلاغة اللغة كالتشبيه والاستعارة والرمز … الخ … لغرض الجذب القرائي , الحفاظ على انشائية التعبير الروائي الخاص بالكاتب , الاستمرار بالتجريب)) ..
* نحن من جانبنا لا نرى فرقاً بين الفهمين , كلاهما يهتمان بالتعبير الجاذب للأناقة الأُسلوبية وللقراءة الممتعة والمنتجة . * لنا أن نقرر أولاً :
بأن البلاغة السردية لا تجتذب الذوق الفني دونما إيقاع مُنَظِّم ومُنَغِّم للغة والأفكار , أي ان البلاغة والايقاع يرتبطان بآصرة عميقة هي ” الأدبية ” , التي هي جماليات اللغة العامة المُؤَهِلَة لجودة السرد .
* ملاحظة سبقيةأخرى هي : أن أية دراسة تتصدى لموضوعة الايقاع شعراً أم نثراً ستتجه بشكل حتمي الى ” البنية الايقاعية ” , لذا فسنحدد مستوياتها بايجاز للدخول بالتطبيقات العملية للروايات المدروسة الموضحة لفعل الايقاع البلاغي في السرد .
نرى بأن البنية الإيقاعية : هي بناءات مُشَيِّدَةٌ للهيكل الدلالي وللتشكل المكاني وللتغاير في الزمان والمكان والأحداث والشخوص والهيئات , مما يتكرر فعله وغاياته وحركة إشتغالاته. هذا من الجانب النظري .
* ومن الجانب العملي فسوف يأخذ النظام الايقاعي اربعة مستويات هي :
ـ المستوى الشكلي : يخص نوع اللغة (الاسطورية , التعبيرية الحديثة) التي يتكرر نموذجها على لسان المؤلف او الراوي , فضلاً عن نوعية القول الخاص بالأماكن والازمان والبيئة المصنوعة والطبيعية .
ـ المستوى الهيكلي : يختص بمركز او قطب الدلالات العميقة في الحدث والثيمة وما يتعلق بينهما من تصادي حدثي وفكري اجتماعياً . ـ المستوى الزمني : وهو يهتم بالتخالف الزمني وكيفية تطويعه خارج موضعة الرتابة والتوالي , في ما يتعلق بزمنية : ـ التجربة الفردية للكاتب , والموروث المضمن , وشكل العالم المحيط بالزمن التدويني .
ـ المستوى التنظيمي : يخص الربط والتنغيم والحركة والوقف والفلسفة التي تختص بسيادة وتكرار الرؤية الفنية والثيمية للشخوص والراوي والمؤلف ـ في حالة لجوء السرد الى الميتا سرد.
يقول الاستاذ الدكتور أحمد الزعبي : ” ان فكرة فكرة الايقاع ما تزال مرتبطة بشكل عام بفن الشعر وبفن العمارة في دراسات النقد الحديثة ” . وهو ما يعني بأننا سنتأثر بالفهم الشعري للإيقاع , ولا نرى ضيراُ في هذا .. فالتخالط النصي والمعرفي صار من بدهيات مظاهر التطور العلمي والتقني والقيمي .
في موضع آخر يرى الزعبي بأن الايقاع كفهم ليوجين راسكين :
” تكرار مقصود موظف لغايات فنية ونفسية وفكرية في العمل الفني … يضبط حركة الحدث والمكان والزمان … يكسبها بعداً جديداً .. افقاً آخر في كل تكرار …
الايقاع في الرواية يشكل ويرصد عالم الأمكنة والأزمنة والأحداث في حركتها وتغيرها وبنائها ومدلولاتها , ويرسم الخطوط المنتظمة فيما بينها , التي تشكل الرواية ومعمارها وهندستها ”
النوع الاول : اللازمات السردية
( مخيم المواركة مثاله) .
اللازمة السردية , هكذا أُسمّي السرد حين يهدف الى التنويع والـتلميح وتضليل فعل القراءة بشبيه التكرار المقصود , الذي يميل بالسرد نحو تحوّل درامي , صعوداً أو نزولاً.
لقد أحصيت (14) لازمة سردية منها مع العلم أن عددها أكثر من ذلك بكثير .
لتلك اللازمات مواصفات تحددها وظائفها , ومن ابرزها : ((لازمة ميتاسرد , إستهلالنثري لاحدثي , الاستمراري لما بعد الحدث , اكمال الروي , التمويه التوثيقي , التداخل الوظيفي لعناصر السرد , تناص التناص ) .

النوع الثاني : التنغيم التشفيري
” التنغيم .. نغمة الصوت هي إحدى صفاته ، وكثيرًا ما تكون عاملاً مهمًا في أداءالمعنى، وتتوقف النغمة على عدد ذبذبات الأوتار الصوتية في الثانية، وهذا العدديعتمد على درجة التوتر الذب عليه المتحدث ” ().
وهو في السرد , التنغيم تردد وانعكاس لفكرة أو حدث بموجبها يتوجه السرد الى ترتيب منتظم , كلما قطع السرد مرحلة , وضع لها التنغيم صلة بما قبلها وما بعدها , مما يؤدي الى انسجام الافكار والالفاظ وغايات الشد الحدثي . لقد استثمر الروائي عدنان القرغولي هذه الظاهرة ليحقق غايتين اسلوبيتين هما تنغيم الشعر الغربي وتدجينه لتحقيق هدف الاسلوب العربي في النثر الروائي , والثانية هي استثمار الجو التنغيمي هذا لإعطاء مبررات صياغية اسلوبية وعلمية , تبرر للعمران الهندسي فرصة الروي بدلاً عن الوصف والشخوص . تكرر ايقاع هذا النوع لأكثر من 20 مرة ..
ومع جدية هذا (الفتح الروائي) إلّا ان الروائي العراقي خارج منظومة (الضفاف السعيدة) للقرغولي قد اهمله ليتجه نحو الأساليب المجاورة الأُخرى وهي على زاويتين هما :
× تركيب المكون البؤري : ويتكون من العوامل الخاصة بالمرسل والمرسل إليه والذات والموضوع والعوامل الفاعلة المساعدة الاخرى .
ومن أهمية هذه العوامل إنها تَمْثُل في جزئية هذا المكون وتتعمم في بنيات النص الكلي . وكون المكون مركباً وعميقاً فلأنه يحافظ على :
+ احتوائه على مساحة دلالية واسعة تضم تنويعاً لكل من المجال والنسق والبعد.
+ إن عوامله عناصر ترسو عليها فعاليات الخطاب التداولية ، كون النص جملة خطابية كبيرة تحتاج إلى أطرافها وموضوعها وإطارها لتستكمل شروط تداولها .
+ هذا المكوّن يساعد على الانفتاح والتدرج من النص إلى الخطاب , من ثم إلى الوحدات المقطعية , وتلك إلى الجمل ذات العمق التنغيمي , الذي هو نظام ذهاليلتمرير لحظة الابداع .
هذا يعني أن هذا التركيب النصي انعكاسي وارتدادي فيما يخص ديناميكية النص التداولي .
+ يساعد على إنماء التفاعل النصي فيعدَّه ” بنية لها ملامحها الخاصة تتفاعل مع بنيات نصية خارجية سابقة أو معاصرة ” ().
+ يعمل على إحالة النص إلى مجمل نشاط اشاري وعلائمي منتظم بتنميط يشبه التموج الصوتي عند انسجام هذا النشاط مع مجمل التنغيم الفكري المحال إليه العمل دلالياً ,
أي أنه سيستقل بغايته كقصد كلي للنص . نجد رواية الضفاف السعيدة توضيحياً مهماً في هذا الشأن .​
× التناغم الدلالي العمودي : () وهو يُعنى بمادة النص الخاضعة للرصد والتصنيف والتشكل بمستويات : التركيب النوعي ، والتحويل الديناميكي ، والعمق الموضعي في تناغمها فيما بينها على وفق علاقات التوافق الدلالي المعمِّق لعمودية المعنى السياقي الذي يتحكم به النمط .
ان التشكل النوعي هو النظام اللغوي الذي يحيل النص إلى خطاب قابل للقراءة ، وهذا مؤول أوّلي لعمودية دلالة الاضمار المعنوي المرتبطة اشارياً بالتغيب الوقتي لصورة الواقعة القولية ” الخبر ” . وإذا ما وضح هذا التشكل مظهرياً فهو انتقل إلى مرحلة التحويل الديناميكي العاملة بنظام الاتمام والتوالي الجملي , من ثم الترتيب الهيكلي للمعنى ذي الفعّالية القابلة على توليد نص متعدد الإحالات ، وتوليد مظهر يحيل على الدلالة الكبرى ، يسميها البعض ، عبارة القصد ، وأُسميها ” العمق الموضعي” لأن هذا الموضع مُخْتَزِل ومُعَبِّر عن جميع متجهات الثيمةالأشمل .
النوع الثالث : ايقاع التحايث قوة الضحك في اورا مثال توضيحي ملائم للتعبير عن علاقات التحايث .
المحايثات الايقاعية التي نعنيها هي , أن الجملة تنقل محايثها (المعنى) الى جملة أخرى بما يديم علاقات تماسك المشاهد وفضاءاتها , من ثم تنتقل بالمضمرات الإشارية الى أفق مفتوح من حيث الإزاحة ومرجعية السياق .
نريد ان نبين , بأن الجملة تحتمل وجود محايث لها من داخلها الى خارجها , الذي هو سياقها المصدري (المجتمع) .
وقد ينوجد محايث آخر من النمط المرجعي للنوع .
[ كانت ليلة هائجة تنثر الكائنات الخفيفة من أرض الى أرض . والريح الصافية تفرّق ذكر الذباب عن أُنثاه , والقبّرة عن صغارها . وينسى الكلب الكلبة فيلوذ ببعض الحيطان . تأملت قبضة فأس الحطب وتأملت رأسه , فوجدت علاقة حميمة بين الشيئين .. فقاربتهما . وإنتفض الجسد الى الأعلى , دار دورة اللولب ثم سقط قرب الباب يوزع دمه في أنحاء الغرفة . ثم جاءت تجربة السكاكين الحادة المعلقة بمسامير خشبية . قطعت زوجها قطعاً صغيرة .. ثم قطعاً أصغر .. وضعته في الكيس مع بقايا قشور البصل , وغمسته في النهر ] . هذا المشهد سبقه مشهد غريب ذلك هو قطع الحداد , أبو تفاحة , لخصيته المريضة بسكين .. كذلك كانت العملية تشبه القتل .
تفاحة تحايث سردية ابيها , اذ تذبح زوجها متَّبِعَةً خطى أبيها في الصلف وقوّة الإرادة وقوّة الفعل .
النوع الرابع : ايقاع التناسل الحكائي
رواية اليشنيون مثالا صالحا
الحق تلك هي من أعقد المشاكل او المشاغل الروائية في مدونة اليشتيون , فقد احتوت المدونة الروائية على ( 259 ) حكاية ( قصة قصيرة ) , منها ( 50 ) خمسون قصة , او حكاية , رئيسة والمتبقي حكايات فرعية .. اي بمعدل أقل من 6 قصص لكل حكاية رئيسة اربع قصص فرعية : 1 ـ الحكاية الأصل : ترتبط بالعنوان , مفادها أن الكاتب السارد أوجد علاقة فنية تتعلق بالمخلوقات الروائية يتصادى بها تفريعاً واستحداثاً .
2 ـ الحكاية المتناسلة المستقلة : تنصرف اليها حكاية اخرى وتتصادى مع الأصل بمحتوى فلسفي..
3 ـ الحكاية المتناسلة المكملة : تتعلق بقصة جديدة قام الكاتب الراوي التحقق من عدم وجودها المطلق . له تصادي ايقاعي مكمل متصل خيطيا بالأصل .
4 ـ القصص المتفرعة الى تشجيرات قولية سردية : هي قصص تتعلق بالقصة الاولى بشكل شجري لكنها تختلف بالتفاصيل والغايات..

في الجدول ادناه ما يشبه مثالاً لخريطة الحكايا المتواقعة ببعضها تفكراً وتضبيطاً .

النوع الخامس : ايقاع تصادي مضفورات التعبير
عناصر التعبير السردي هي ذاتها عناصر الأداء الروائي , وبتضافرها اللفظي اللغوي مع المعاني المبطنة للروي المكتوب او المسموع , تصنع تنغيما خاصا ينظم ويمرحل ويضبط حركة السرد . وفي رواية (هتلية) لشوقي كريم حسن يأخذ الايقاع السردي شكل التصادي المنغم للتعبير فنيا ـ يشابه قليلا ـ دور البحور الشعرية . لعلنا نميزه ببعض المواصفات الاستعمالية . إن الايقاع التعبيري في الرواية ينتمي الى فعل روائي بلأربع صديات هي :
1 ـ تضافر صدى الشخوص اذ ان شخصية الوعي هي : الرجل الذي نجا من الموت , فهو :
ـ شخصية جثة قامت من ـ
– شخصية جثة قامت من موتها على ص 21 من الرواية
ـ شخصية كهنوت بعناد حمار على ص51 .
ـ شخصيةضمير معذب على ص 55 .
2 ـ مصادي لفظي على ص56 , للسطر 4 والسطر13 , والسطر21 .
3 ـ ايقاع منطق فلسفي : يخص فلسفات زمانية مكانية محورها الـ هناك .
4 ـ وجود الـ (الحركة غير المسموعة) يخص الراوي البطل المؤلف لا غير , كونه هو من يفهمه ويحيله الى الموضع الذي يشاؤه .

+ ان الهمس بوجود احداث قادمة يوجهها أو يهجس بها الراوي , الشخصية المضللة لحقيقة مصنوعة تتمحور في الاصوات التي لا مظهر لها , وتحتل مساحة الذات بالكامل بما فيها الجمل المنقولة بالسماع من الخارج , يؤدي ذلك الى ان يتحطم جدار الفهم بعلاقة وهمية بين ذات السارد وذات المريض النفسي شاهين , كون الذاتين هما من مخلق واحد هو (نص القص المتخيل) .
هكذا يُرى بان نقلة خاصة بكلمة (يسرقونه) تصير تعبيرا مضخما للذات كونها فعلا حدثيا, ومن ثم تأخذ جملتا الحوار المنقولة سماعا (انت واحد منا , زوجتي مطلقة ان لم تشرب الشاي) , وجملتا الامر (تمسك . اربط البقرة) , تدخل في البناء الجمعي للسلوك الريفي ومن ثم يتحدد المكان بالبيئة لابالتصنيف الحضري , فضلا عن أن جمل الرواية تبدو مرتعشة كأن أصحابها يخافون الصعود من جوانب التل المائلة الى الاعاليالمستوية .
+ اذاً الوعي السردي للتذاوت يجلل القصدية الفلسفية بفكرة التعلم السلوكي والتفتيت الحروفي لا التعلم بالتنظيم المدرسي .
سابعا : إيقاع تقنيات الاعادات
في حثه للتركيب التقني ليكون موازياً للتقنين الدلالي , يلجأ الى طاقة اللغة بثقله الثقافي كونه متأملا كثيرا في فلسفة اللغة من حيث الاستعمال والاستثمار والتدبر السردي .
في تتبعنا لهذا التوليف وجدناه متضمنا درجات غير متساوية من الناحية التوافقية والنغمية , اذ هو ينقسم الى :
أ ـ تكرار لازمة المفردات :
وهو تكرار يعنى بالألفاظ الفردية كأنها لقطة حدثية مستقلة مثلما ورد ذلك في /
[ قامت هاجر ثم اتجهت الى المطبخ … قامت هاجر , يقول شاهين وهي أمه ] . نرى أن غرض الاستثمار هذا ينحصر بمبثوثين هما (اختزال الاحداث بالتعبير اللفظي, وتقنين اللغة بالتبئير السردي) .
قد يكون مبرر الاستعمال للمفردات هو الاتجاه اللغوي شبه التعليمي (التلقين الطفولي) وهو الدافع الضروري لمثل هذا الاستعمال . لقد وردت مثل هذه الاستثمارات في عدد كبير من مقاطع الرواية مثلما جاء في الصفحات (9 , 11, 13 , 127) , وفي عدد كبير من الصفحات بين ص 5 وص 174.
ب ـ لازمات ايقاع المشهد
هي تكرارات ايقاعية تنشد تغيير الاحداث بلغة غير مباشرة , تتغير قليلا من الناحية اللفظية وتنقل السرد نحو ازاحات جديدة . لعل فهم هذه الايقاعات التكرارية ـ كلوازم ـ يجعل تنوع مستويات الفهم غاية لما يتقصده المتابع . كما إننا في متابعتنا لأنواعها المتراكنة بعضها جنب بعض خرجنا بتشخيص دلالاتها الكبرى إذ وجدناها متمثلة في :
ج ـ اللمس والاهتزاز والتوقف والرائحة
هي مثولات لعمق اللوازم في المشهد وهي تترتب على اساس أن المشهد هو وصف حركي لأفعال السرد الاساسية (المرور والحفيف) اما الخلفية السردية كمؤثث غير مادي فيتمثل في عبارة (بحركة تدل على النوم) ومثل ذلك المؤثث (النوم) يتكرر عدة مرات في مفاصل الرواية ليؤلف حيزا ينشغل بوجود حدثي مضمر .
((المثال الفائت يصلح للدلالة عليها ايضا )) ..
كما ان من اللازمات التي تخص المضمر ظهورة مثلما يرد هذا في صفحات عديدة من بينها النص الآتي :
[ يقول : استمر . ويضحكون . هناك فتحات كثيرة احداها للضحك .. وكلهم طيبون
حت اللافتة لأجل تمشية الوقت يصفع احدهم الآخر ثم يضحكون معا , واحيانا يضحكون سوية ] .
لنا أن نتصور كل حركة تعادل تماسا بين اشياء فيتولد صوت وكل ضحك هو صوت وكل صفع هو صوت . كما أن كل فتحة هي لذة للترقب وخراب نفسية المتماهي (شاهين) . كأن النص يحمل اشارة مسبقة لما ستكون عليه فلسفة الفراغ وقيم الصفر الحدثيتان .
+ من جماليات هذا الاستثمار :
* تقطيع توقيتات الأحداث لأجل تغيير مضمراتها الدلالية .
* تفخيم اسلوبية السرد لأجل الإيحاء بالأسطرة .
* توجيه القول للتحول من النظم السردي الى النظم المؤثثي للحياة المروية فقط .
ـ سلوك الوعي الاستعاري
بها تندمج الاستعارة مع البث القولي المتجه نحو تشكل الوعي الحسي والمعنوي مثلما يرد ذلك على ص19 وصفحات لاحقة اخرى .
[ خرج اطول الصغار وقعد على الجذع يحك عود كبريت فينير المكان . يحك عودا آخر. يحك آخر فتنبع النار من مكان بعيد , زمان بعيد كبعد اللجوء والارتواء لأن الطفل يغوص في الحائط والجذع فلا يلحظ منه سوى عينيه الطائرتين في فراغ بعد الغروب ] .
اللازمة في المشهد كإيقاع تنلظم في حركة وفعل وكلمة (يحك) , وهذه اللفظة , الجملة, الازاحة السردية , توضح لنا وعيا اوليا يتمثل بمرحلتين , الاولى ادراك بأن النار هي النور لا الاحتراق , والثانية الاقرار بأهمية اللغة في التفاهم .
المحفز على كلتا المرحلتين هو وجود ظرفين بيئيين يدفعان نحوهما . إنهما الارتواء من الوجود الملموس للطفل والحائط والجذع , ثم الابصار الرؤيوي للفراغ بعد الغروب الذي سيجعل الظلام مغيبا لكل تبصر او رؤية ..
* اذاً الوعي بدأ حسيا (خرج اطول الصغار) ثم تحول الى استعارة لغوية (تنبع النار من مكان بعيد , زمان بعيد) ..
* في تضافر القيمتين يتحقق الوعي الأولي الذي محتواه (التحول بالطفولة الغاطسة بالظلام نحو الرجولة المدركة لما في الفراغ بعد الغروب) .
ـ لازمات حدسية :
نعتمد في تنسيقنا النقدي على ما جاء في الموسوعة العربية بزيارتنا في 5/8/2016 إذ هي ” التفكير والتخيل واستخدام الحدس في رسم تصور واستيعاب للشيء المحدوس ” .
ثم نختبر معنى الحدسية من زاوية التماثل الخاص بالمحتوى الذي يتطرق له الدكتور محمد مفتاح في قوله ” إن الانسان نسخة الأكوان والعوالم . فيه من العوالم العلوية الروحانية , وفيه من الاكوان المتجسدة ” .
إذاً نحن بحاجة الى أن نبرهن على وجود مشهد يحتوي مجموعة عناصر اشتراطية تؤلف سردية خاصة متحررة ـ بتلك الشروط ـ من الفوضى والقياس التقليديين . هذه المسندة المشهدية ستؤكد على (التفكير السديد , التخيل الفعال , التخمين الصوري , التكهن الروحي , الحيوية التجسيدية).
لنحاول إيجاد مشهد يتضمن جميع هذه الكهانات .
[ كان ضوء الجمر يدب على جسدها المهول بعبق الانثى البشرية وهي تغوص في وبر القطيفة وتنظر اليه خائفة بطرف عينها . نظرها تقول ؛ إقترب ايها البعيد .. فيمد يديه فلا تصلان … ويسقط رأسها في حضنها و … يسحب يديه فيرى ضوء الجمر من جديد مكرسا بين انطباق الشفتين … ويعود بخطوة واسعة فيلقى ابتسامتها المدببة .. ثم يعود الى الطرف البعيد حيث يفتح الباب نفسه للضيوف… جلسوا منذ البارحة فقام الاسمر البدين من مكانه وقعد لصق المرأة محركا رأسه بطريقة تشبه النقر فمه على فمها ]

لا تعليقات

اترك رد