كنت تشتهي أن تكون أمّة


 

حين تشتهيك اللّغة التباسا بعري نفسك و افتضاحا بك تدرك تعدّدك في وحدتك و حين يغريك بياض ورقة متحدّيا فراغك تنقذك حكمة البداية ‘ فالبدايات مساحات الأبيض المندحرة أمام سواد لحظة مخاض…

حين لفّتك أمّك في بياض قماش بعد أن أجهدها الفعل علمت –بعد ذلك- أنّك كنت مساحة لملء بياض فراغها …وحين سجّي والدك في أبيض سفره الأخير إلى مساحات البياض المطلق علمت أنّك لم تكن إلاّ نطفة بياض لا تعد إلاّ بائتلاف الأبيض مع العدم …
وعلمت بعجائبيّة وجدانك أنّ النّاس لا يتفحّمون بالسّواد حدادا بل تحدّيا للعدميّة ‘ و احتميت من عجب الأضداد بكذبة بيضاء مصلا يقيك بياض الحقيقة… “الآتي مساحة فرح ورديّ” …عدلت عن سواد الكون وبياض الهيولى بسواد الكذب وبياض نيّتك …كيف لك أن تفلت من صرامة الحقّين ؟
كثيرا ما أغرتك سوداويّتك ببياض المزاح …أنت المتحفّز لكلّ الأحزان ‘ المحتبسة في محجريه دموع بني آدم وبنات حوّاء …أنت الذي تخثّر دم التّاريخ في عروقه …أنت الواحد بمشيئة قدره المتعدّد بمشيئة لغته… كنت تشتهي دائما أن تكون أمّة … وكنت تقف حائرا سائلا ساخرا في شبكات الّلغة عن موقع حرف انحرف به الدّهر …هو حرفك …إلفك الذي أغناك عن أن تألف السّكينة وأغراك بالتّطاول على العوالم لتختزلها فيك وتعلن بيقين البياض حكمتك “في سياسة الذّات التباس في الحدود وفي سياسات الأمم اقتباس من هذا الالتباس”… لذلك شرّعت لنفسك ممازحة التّاريخ .

ما زلت تذكر تطاول جدّتك الأمّيّة على السّياسة بسؤال أمّيّ الدّهشة أمام البيت الأبيض يوم التّفجير الأبيض للكذب الأسود إذ قالت
-ما كلّ هذه الفخامة …ترى على أيّ شيء يفتح بابه؟
فأجبتها ببياض مزاحك
بابه يفتح على كلّ الاحتمالات و مصراعاه مشرّعان على صرعى الأرض.
-ولمن هو؟
-بين يدي صاحبه شهادة ملكيّة لكلّ الرّقاب ولكلّ احتمالات التّعمير والتّخريب في الأرض.

وحين تفتّحت الآفاق على عجيج التّاريخ في معركة النّهاية التي تستميت لترفع راية نصرها الأخير وقفت أمام البيت الأبيض من جديد لكن هذه المرّة أمام بياض سكن جدّتك الأخير و أغرتك مهابة صمتها بأن تلاعبها بشطرنج الكلام
-أوليس ساكن ذلك البيت الأبيض أسود ؟ من جلدة كجلود الصّرعى؟
-أسود قابل لأن يبيضّ ولا جلدة له
– أ بالكريمات المبيّضة أم بعمليّات التّجميل ؟
-لا هذه ولا تلك …فهذا الأسود كريماته في داخله تلوّنه حسب اختلاف عمليّات التّرحيل و جلود مستهلكي وجبات الإعلام …وهو يمشّط جلد الأرض بمشط سحريّ يخفيه في قبّعة سوداء صغيرة بحجم جناح حمامة في قبلة من القبلتين إليها ننحني برؤوسنا جماجم عارية من الحياة والحياء …ونتقبّل السّحر الأسود ببياض قلوبنا .
-أهو ساحر؟
-السّحرة حين يكونون في أيدي غيرهم خدما أوفياء يتفانون في رعاية أعشاشهم حيثما عشّشوا وتكاثروا وأكثروا من مقابر غيرهم … لا شيء يحافظ على لونه في هذا البيت الأبيض .
-أيسكنه الجنّ؟ …بعد الشّرّ
-لم هناك شرّ بعيد … وهذا البيت يسكنه من الجنّ البيض والسّود و لا ينفع لإزالة شرورهم بخور …فهم مذ وطئوا تلك الأرض تبخّر سكّانها لأنّهم دسّوا تحت أقدامهم بعد أن أخذوا ذهبهم عمل نهب يذهب بكلّ من هبّ ودبّ وقلّل الأدب.

أنت تقلّل الأدب في حضرة هجعة جدّتك … أتحسد خروجها من مقولات الزّمان ؟ …أترغب في إلغاء مقولات الجنس و العدد و الجدّ والتّجسّد لتكون فوق الأرض سيرة لغة؟

6 تعليقات

  1. تميز في تطويع اللغة لروائية تشهد الحروف بمؤانستها أيما مؤانسة ، وهكذا تتلون الحروف في كتابات أحلام كما الألوان لتصبح بلا ألوان يقترب البياض إلى السواد ومنه فلا هو أخذ مكانه ولا تنازل حياة في برزخ اللغة تشهد الألوان أن البيت كان شديد البياض في سواده

    • شكرا أخي رشاد لهذا التّعليق الجميل وأنا سعيدة بأن يكون لنصّي هذا الوقع الذي وصفته .تحيّاتي وتقديري .

  2. يالها من رحلة موجعة مع تماهي اللون وارتباطاته بمسار الوجود .. من شهقة الولادة وقماطها الى زفرة الوداع وكفنه … مرور ا بمحطات الحياة المرهقة وتداعياتها وارهاصاتها وكبواتها ونجاحاتها وفشلها .. وضعتني امام لو حة دافنشية صاخبة الالوان .

  3. شكرا أستاذ حميد الموسوي …شرف كبير لنصّي أن يرتقي إلى لوحة دافنشيّة في قراءتك الأصيلة .لك منّي كلّ التّقدير والاحترام.

  4. محاكمة طريفةللابيض عبرت عنها رمزية نص اقتحم زيف الأبيض ليكشف عن وهمية ما يدعيه من شفافية.أنه وقوف على عتبة الحقيقة التي يراد لها أن تكون مراوغة…أية حقيقة تدان ..حقيقة الأبيض ام الاسود..
    نص يمتلك من الجرأة والشجاعة جعل النص ينطق ويحلق .
    دمت صديقتي وفية للحرف

  5. محاكمة طريفة للابيض عبرت عنها رمزية نص اقتحم زيف الأبيض .أنه وقوف على حقيقة يراد لها أن تكون إخفاء مراوغة.ولكن حقيقة ماذا؟ الإجابة عن هذا السؤال تجعلنا ننفذ الى الدلالات الرمزية لهذا النص وما فيه من معاني تجعلنا نتجاوز المألوف المكرور والمعاد في سطحيته .دمت صديقتي وفية للحرف

اترك رد