حكاية الولد الفلسطيني…هل انتهت بموت الشاعر أم أنها بدأت ؟


 

رحل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور وبقي شعره

توفي يوم السبت الموافق الثامن من نيسان/أبريل 2017 في مدينة رام الله الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور عن عمر ناهز الحادية والسبعين عاما بعد معاناة طويلة مع المرض، إثر إصابته بفشل كلوي.

ونعت وزارة الثقافة الفلسطينية الراحل دحبور في بيان اعتبرت فيه رحيله خسارة كبيرة لفلسطين والفلسطينيين على المستويات الوطنية والثقافية الإبداعية والإنسانية. وشددت الوزارة في بيانها على أنه برحيل دحبور لم تفقد فلسطين واحداً من عمالقة الأدب والإبداع الفلسطيني فحسب، بل بوصلة كان مؤشرها يتوجه حتى اللحظات الأخيرة إلى فلسطين، وأيقونة لطالما كانت ملهمة للكثير من أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن إقاماتهم، وفي مختلف المفاصل التاريخية الوطنية، وهو الذي كان بكلماته الشعرية يعكس العنفوان والكبرياء الفلسطيني، خاصة في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وبقي كذلك حتى رحيله المفجع.

وقال بيان الوزارة أنه من الصعب بمكان سد الفراغ الذي سيتركه صاحب “حكاية الولد الفلسطيني”، وكاتب الأغنيات الخالدات “اشهد يا عالم” و”عوفر والمسكوبية” و”الله لازرعك بالدار” و”يا بنت قولي لامك” و”غزة والضفة” و”صبرا وشاتيلا” وغيرها الكثير الكثير من الأغنيات والقصائد التي كان الوطن والوطنية جوهرها، والتي سكنها النضال من أجل الحرية مع كل حرف من كلماتها وعباراتها وما أظهرته وأبطنته.

ويعد أحمد دحبور قامة ثقافية فلسطينية كبيرة، وملهما لجيل الشباب ومناضلا بكل حرف خطه وقصيدة كتبها من أجل الحرية والوطن الفلسطيني المسلوب.

ولد في مدينة حيفا عام 1946، ونشأ ودرس في مخيم حمص للاجئين الفلسطينيين في سورية، حيث استقرت عائلته بعد أن هاجرت إلى لبنان عقب نكبة عام 1948 ومن ثم انتقلت إليها بانتظار تحقيق حلم العودة.

لم تتح الظروف المادية الصعبة لدحبور أن يكمل تعليمه، لكنه كان قارئاً نهماً وتواقاً للمعرفة، فصقل موهبته الشعرية بقراءة عيون الشعر العربي قديمة وحديثة، وكرس حياته للتعبير عن التجربة الفلسطينية المريرة.

عمل مديرا لتحرير مجلة “لوتس” حتى عام 1988، ومديرا عاما لدائرة الثقافة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وعضوا في اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين. واقام في تونس خلال تواجد منظمة التحرير الفلسطينية فيها بعد الخروج الكبير من لبنان عام 1982، وكان له عامود أسبوعي في جريدة “الصدى” وارتبط بعلاقات طيبة مع الشعراء والأدباء التونسيين والعرب في كل مكان من الوطن العربي.

حاز أحمد دحبور على جائزة توفيق زياد للشعر عام 1998، وكتب العديد من أشعار وأغاني “فرقة العاشقين” التي اشتهرت بتقديم الأغاني الشعبية الفلسطينية. وبعد عودته إلى غزة عمل في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وبقي فيها إلى ان انتقل منذ فترة قصيرة إلى مدينة رام الله حيث وافته المنية.

من أهم أعماله الشعرية “الضواري وعيون الأطفال”، “حمص 1964″، “حكاية الولد الفلسطيني”، “بيروت 1971″، “طائر الوحدات”، “بيروت 1973، “بغير هذا جئت”، “بيروت 1977″، “اختلاط الليل والنهار”، “بيروت 1979″، “واحد وعشرون بحراً”، “بيروت 1981″، “شهادة بالأصابع الخمس”، “بيروت 1983″، “ديوان أحمد دحبور”، و”الكسور العشرية”.

رحم الله الفقيد وتعازينا الحارة لأسرته الكريمة ولزملائه وأصدقائه ومحبيه.

****

يبرز أحمد دحبور في أشعاره بطاقة هوية انتمائه الطبقي والإنساني والحزبي وانتصاره للفقراء والجماهير الكادحة فيقول:

يجيء المخيم في أول الليل أو آخر الليل

أين التقيتك منة قبل سيدتي

أين الأهل ؟

فلسطين قائمة ما أقامت فلسطين

والفقراء فلسطين

والأنبياء فلسطين

والمقبلون

وانفقت حزني على الذكريات فضاق المخيم

وسعت بقلبي فجاءت قوافل مسبية تترسم دربي

وأطلب يحيى

فيختلط الحزن بالبرق

أين التقيتك من قبل سيدتي

فضت عن حاجة الحزن

فاتسعت في الخلية عيناي

حزب محبي فلسطين والكرة البشرية

باللهجة العربية

هل كنت في ذلك العرس سيدتي؟

من أبرز قصائد الشاعر الفلسطيني الفذ “حكاية الولد الفلسطيني”:

حكاية الولد الفلسطيني

لأن الورد لا يجرح

قتلتُ الورد

لأن الهمسَ لا يفضح

سأعجنُ كل أسراري بلحم الرعد

أنا الولدُ الفلسطيني

أنا الولد المطل على سهول القش والطين

خَبَرْت غبارها ، و دوارَها ، والسهد

وفي المرآة ضحكني خيال رجالنا في المهد

وأبكاني الدم المهدورُ في غير الميادين

– تحارب خيلنا في السِند

ووقت الشاي … نحكي عن فلسطين

ويوم عجزت أن أفرح

كَبرْت ، وغيرَت لي وجهها الأشياء

تساقطت الجراح ، على الربابة ، فانبرَت تَصْدَحْ

بلاد الله ضيقةٌ على الفقراء

بلاد الله واسعةٌ وقد تطفح

بقافلة من التجار والأوغاد والأوباء

– أيأمر سيدي فنكب أهل الجوع والأعباء؟

– أتقذفهم ؟ ومن يبقى ليخدمننا؟

– إذن تصفح

ويوم كَبرْتُ لم أصفح

حلفت بنومة الشهداء، بالجرح المشعشع فيَ: لن أصفح

*****

أنا الرجل الفلسطيني

أقول لكم :رأيت النوق في وادي الغضا تذبح

رأيت الفارس العربي يسأل كسرة من خبز حطين ولا ينجح

فكيف ،بربكم ، أصفح؟؟

أنا الرجل الفلسطيني

أقول لكم : عرفتُ السادة الفقراء

وأهلي السادة الفقراء

وكان الجوع يشحذ ألف سكينٍ

وألف شظيةٍ نهضت، من المنفى ، تناديني:

– غريب وجهك العربي بين مخيمات الثلج والرمضاء

بعيدٌ وجهك الوضاء

– فكيف يعودُ؟؟

– بالجسد الفتيِ تعبد الهيجاء

سنرفع جرحنا وطناً ونسكنه

سنلغم دمعنا بالصبر بالبارود نشحنه

ولسنا نرهب التايخ ، لكنا نكونه

– جياعٌ نحن

– طاب الفتح ،إن الجوع يفتنه

جياع نحن؟؟ ماذا يخسر الفقراء؟؟

إعاشتهم؟؟

مخيمهم؟؟

أجبنا أنت ماذا يخسر الفقراء؟؟

أنخسر جوعنا والقيد؟؟

أتعلم أن هذا الكون لا يهتم بالشحاذ والبكاء؟

اتعلم أن هذا الكون بارك من يرد الكيد؟

– علمت

– إذن؟؟

– ليغل وطيسنا المخزون في كل الميادين

لتغل مخيمات القش والطين

*****

أنا العربي الفلسطيني

أقول ، وقد بدلت لساني العاري بلحم الرعد

ألا لا يجهلن أحد علينا بعد

حرقنا منذ هَلَ الضوء ثوب المهد

وألقمنا وحوش الغاب مما تنبت الصحرا رجالاً لحمهم مُرٌ، ورملاً عاصف الأنواء

ولما ليلةٌ جنت أضاء الوجد

وقد تعوي الثعالب وهي تدهن سمها بالشهد

– ضغارٌ عظمهم هش بدون كساء

أيتحملون برد الليل ؟؟ هل نصر بهم يحرز ؟؟

– أجل ونهارنا العربي مفتوح على الدنيا على الشرفاء

أجل … ويضيء هذا النصر في الطرقات والأحياء

لأن الكف سوف تلاطم المخرز

ولن تعجز

ألا لا يجهلن أحد علينا بعد ، إنَ الكف لن تعجز

*****

قال “شاكر فريد حسن” في “ديوان العرب”:

أحمد دحبور من ينابيع الشعر الفلسطيني المعاصر المقاوم وأحد أعمدة الحركة الثقافية الفلسطينية الراهنة، فهو شاعر وناقد وباحث وموسوعي وقارئ جاد وسياسي ومثقف واسع الاطلاع، وصاحب مواقف سياسية وفكرية تقدمية واضحة. وفي قصائده تمتزج الموسيقى الهادئة مع الألفاظ المنتقاة والمعاني العميقة والمنسابة:

آن للمخيم الهوان أن يغور

آن للأرض التي ضبتها تموت أن تدور

آن لي، وآن..

هكذا انتزعت بندقية من أسرها فانتزعتني من مخيم الهوان من رآني سيداً لغبطتي وقهري.

إن إبداع أحمد دحبور يعود إلى تجاربه الحياتية الغنية التي اتسمت بها شخصيته الأدبية، فحياة التشرد والغربة والبعد عن الوطن عمّقت تفاعله مع الحياة وأمدته بإحساس قوي ورؤية صادقة لها، وبنفس تواقة للصدق والمحبة العارمة والعشق الدائم للوطن ولحيفا وبحرها وللمخيم والإنسانية المعذبة.

والخلاصة أن أحمد دحبور هو شاعر أصيل ملتزم يتصف شعره بالصفاء والعذوبة والصدق وبالحب العميق للإنسان فوق كل أرض، وتمجيد الإرادة الفلسطينية الحقيقية والروح الوثابة الطموحة الباحثة عن الخبز والفرح والمتعطشة للحرية والمستقبل المشرق.

2 تعليقات

  1. بناء على طلبه نقل دحبور الى مشفى اسرائيلي حيث تدهورت صحته… له رواية مفقودة بعنوان ( دروب النميمة السوداء ) ما تزال مخطوطة فعلى من يمتلكها أن يفرج عنها للنشر

  2. كان دحبور يفخر أن والده كانت مهنته ( تغسيل الموتى )… وكان يفخر أنه لم يحصل على الثانوية العامة ( التوجيهي )

اترك رد