زمن الخضر المالح


 

البوح بالسر فناء،الكلمات يا ولدي مثل سهام لا تدرك،عليك بالتزود من فيض القلوب!
تلك آخر فقرة في رسالته التي أسر بها إلي يوم أن ودع الزاوية الرابضة جوار النهر،عند موردة الشيخ صفوان، كنا نصطف حوله،تدور حكمته كؤوس شراب تتصل بفيض من مدد نوراني، وجدتها مطوية بين صفحات كتاب رأس المال لكارل ماركس، هكذا تحدث أشد الغرائب دائما، ولربما كنت عامدا لهذا؛ أعلم أن أولادي يعبثون بأوراقي، صغيرة أخي أبرار تفعل هذا دائما، يستهويها أن تدس الأقلام الجديدة في خزانتها، رأيتها منذ يومين -كنت متناوما – تبحث الصغار يحبون اقتناء الحروف يصنعون عالمهم كما يحلو لي أن أفعل،لم تكن هذه غير حالة من الزهو بما فعلت، طائف من الشيخ أتاني متدثرا بفيض روح تتهادى فوق صفحة النيل، تجمعت أجزاء الصورة، مثل قطع منشور ثلاثي الأبعاد، رسمت لوحة متنافرة، بجانب منها رأيت امرأة مخمورة تتثنى بخاصرتها، تتناغم مع عهر يكسو جدار الصمت، وأخرى رافعة بندقيتها ومن خلفها أولادها الأربعة، السجادة الحمراء،تسبح فوق مياه النهر،الملاح يجهد أن يبعدها عن قاربه، إنها تتسع حتى شملت الماء كله،بدأت تخرج من بين نسيجها رؤوس مدببة، كائنات غريبة، الشيخ يمسك بجريدته الخضراء،تعجز يداه فيصاب بالوهن، يقبل طفل صغير ينادي في لهفة على أمه، تعزف الجوقة لحنا تهتز له أرداف قميئة وقد أسدل أبوها على عقولنا حجابا من الزيف .
شمعون يزهو يتعالى بقبحه كلما زاد اللحن نشوة، الأشجار على الضفتين تصابان بالخرس، الرياح تتوقف، المشهد محير،لا الشيخ أفلح في طي السجادة الحمراء الممتدة ، ولا الأم ذات البندقية أطلقت رصاصتها،تحيرت ما جدوى الحياة جوار نهر عجوز؟
أيأتي الخضر مرة ثانية؟
ربما تكون المعجزات قد ولى زمانها، رأس المال صار أشد فتكا، حتى بعد أن هلك ماركس ، المقامرة على أشدها،البوح بالسر حياة يا سيدي، لقد قيدتني حكمتك،كنت عاجزا مثل الآباء الذين أرهقوا نطفنا حذرا وتوجسا، أسكنونا الحوائط،أماتوا فينا روح المبادأة!
ابنتاه فعلتا به ما طواه دهرا، واحدة أظهرت وثيقته، حيث الوطن متقزم، كان يضع الخريطة في جيبه،لم يطلق رصاصته الأخيرة ، احتفظ به لكل برعم لتصيده،وهاهي الأخرى تتماوج أفعى بين يدي شمعون، الرمز مرهق يكبل الحكاية،التاريخ يشي بي، لأتدثر بأغطية الشتاء،السياط تفعل بالظهر أخاديد يعجز الطب أن يداويها،البلهاء يرقصون حين تركوا أولادهم للذئاب تنال من قلوبهم، يكفي أن بقي الخالد!
ارتد إلي طرفي حسيرا، ما ألذ النوم جوار الصغار،أن أمازحهم طرفا من اللهو، يكفي أن أذهب معهم حيث الجنية والساحر، توقفت الكلمات في فمي، اليوم هي مالحة، ما عاد للشيخ صفوان موردة، كل السفن فقدت أشرعتها، غار النهر، تكشف عن وجه ليفني وهي تتمايل ببيت عربي، ارتدت عباءة حضرمية، يا لهفي يا أم نضال،ويا مكلمة لفؤاد رمضان!
حين هممت أن أغادر فراشي سمعت صوتا ينادي، غدا هو اليوم الثلاثون من شهر فبراير، ابتهجت كثيرا، لأول مرة نختلف عن الآخرين، ولم يكون ثلاثين هذا العام؟
بدأت تلك الزائدة الدودية تتحرك في عقلي،ذلك مكمن الخطر،حقا أنا مصاب بالخرف .

لا تعليقات

اترك رد