أنشودة الحياة – الجُّزء الرابع (نصّ مفتوح) – 66


 

( نصّ مفتوح )

إهداء: إلى الشّعراء جان دمّو، سركون بولص، الأب يوسف سعيد، مؤيِّد الرَّاوي، صلاح فائق، وفاضل العزاوي!

66 ….. …..

بسمةُ الأطفالِ تنتظرُ كعكةَ العيدِ
يأتي عيدٌ ملظّى بالنَّارِ
تزمجرُ طائراتُ الشَّبحِ قبلَ حلولِ الآباءِ
بينَ أحضانِ الأطفالِ

أوكارٌ معشَّشة بالسِّلاحِ
ذئابٌ جاهزة للإنقضاضِ
على رُقيماتِ الطَّينِ
هدَّموا أولى أبجدياتِ التّشريعِ
عاثوا خراباً في أجنحةِ الشُّموخِ
ثعالبٌ تهبُّ من كلِّ الجِّهاتِ!
بلادٌ الحضاراتِ على شفيرِ الجُّنونِ
غاصَتْ في غبارِ الصَّحارى
في جحورِ الصُّخورِ
تمرَّغَتْ في قاعِ الهوانِ

لاذَ الشِّعرُ بالفرارِ
تاهَ في أعماقِ الفيافي
لم يعُدْ يطيقُ رَشْرَشَاتِ السُّمومِ

رفرفَ الشِّعرُ فوقَ مآقي جان دمّو
دموعٌ نحوَ خفايا القلبِ
أوجاعٌ على مدى اللَّيلِ
منذُ بزوغِ الشَّفقِ
حتّى انكماشِ جموحِ الغزالِ

تاهَتِ الكائناتُ على غيرِ هدىً
في ثنايا الأدغالِ
حتَّى زغبُ الطُّيورِ لم ينجُ
من لظى الاشتعالِ
ماتَتْ فراخُ القطا
عندَ تخومِ الجِّبالِ

جنوحٌ نحوَ قاعِ الهلاكِ
خروجٌ عن مهجةِ الشِّعرِ
غربةٌ مشرئبّةٌ في بوحِ الشُّعراءِ
تيهٌ في تخومِ الأدغالِ

عيدٌ بَعدَ عيدٍ
وأزيزُ الرَّصاصِ يزدادُ انهماراً
على أسمالِ جان دمّو
تمزَّقَ الشِّعرِ من هولِ الأوجاعِ
حسرةٌ تنمو في جبينِ النَّهارِ
غبارٌ يمورُ في أسرارِ اللَّيلِ ..

الشَّمسُ تغدقُ دفئها
على جراحِ المكانِ
يأتي عيدٌ
ولعلعاتُ الصَّواريخِ
جاثمةٌ فوقَ بسمةِ الطُّفولةِ
فوقَ وجعِ الإنتظارِ ..

عيدٌ مجصَّصٌ بالإنكسارِ
هَرَبَ الفرحُ بعيداً عن شفاهِ الأطفالِ
عيدٌ يزدادُ جفافاً
ينافسُ جفافَ شقوقِ الصَّحارى ..
قلوبٌ غارقةٌ بأنينِ الحنينِ إلى بهجةِ العيدِ

ماتَتِ الأحلامُ قبلَ شهقةِ الشَّفقِ
تضيقُ الدُّنيا في وجهِ الشُّعراءِ
فيحترفونَ التَّسكُّعَ مهنةً والتَّشرُّدَ حياةً
إنّهُ زمنُ العبورِ في وهادِ الإنشطارِ
إنشطارُ الشَّوقِ إلى هلالاتِ قمرٍ
إلى روحٍ ترغبُ أن تغفو
فوقَ أعشابِ البراري

.. وبقدرةِ قادرٍ يا جان
تعبرُ الحدودَ المفخّخةَ بالآهاتِ
كم ليلةٍ بائسةٍ نِمْتَ فوقَ ركبتيكَ
وأنتَ تحدّقُ في فراغِ الفراغِ؟

كم شاعراً آواكَ ..
كم مرّةً صرخْتَ في وجْهِ سعدي يوسف
هذا البيتُ ليسَ بيتَكَ
إنّه بيتنا، بيتُ المتسكِّعين
بيتٌ يأوي التَّشرُّدَ
يأوي جان دمّو بأسمالِهِ المعتَّقةِ بالتُرابِ

كم مرّةً بصقْتَ على قباحاتِ هذا الزَّمان
كم مرّةً سَخَرْتَ من أوباشِ هذا الزَّمان
كم مرّةً رحّبْتَ بفرحٍ
وأنتَ تعبرُ (مشفى المجاذيب)؟!
تهمسُ لروحِكَ الهادرة ..
إنّها نعمةُ النِّعمِ
مقارنةً بخنادق
مكتنزة بالعناكبِ والموتِ المؤجّلِ

أنْ يرحِّبَ شاعرٌ في مشفى (المجانين!)
معتبراً هذا النُّزول نعمةً ولا كلّ النِّعَمِ

أن يرحّبَ شاعرٌ في أزقّةِ هذا الزَّمان
بعيداً عن أحضانِ الأحبّةِ
هرباً من جلاوزةِ العصرِ

أن يفرحَ شاعرٌ لا يملكُ درهماً مبخوشاً
موجّهاً أنظارَهُ إلى شعراءٍ
من لونِ المحبّةِ
من لونِ خصوبةِ الشِّعرِ
مرتمياً بين إنكساراتِ الشَّفقِ

أن يفرحَ شاعرٌ
تاركاً خلفَ ظهرِهِ حقائب العمرِ
عابراً بهجةَ المسافاتِ
تاركاً خلفَه عظامَ الحضارةِ

تطحنُ ما تبقَّى من لجينِ العمرِ
صارخاً في وجهِ الشُّعراءِ
أينَ قنينةُ الكونياكِ
آهٍ .. إنّها قمّة الإنتهاكِ والإنهاكِ
…… … …!

شارك
المقال السابقصفق الجمهور .. وانتهى العرض
المقال التالىلن يموت العراق
أديب وتشكيلي سوري، محرّر مجلة السَّلام الدولية، أصدر أكثر من 40 كتابٍ ما بين دواوين شعرية، ومجاميع قصصية، وثلاث روايات، وحوارات ودراسات أدبية ونصوص أدبية ومقالات حول مواضيع عديدة، كما رسم أكثر من 300 لوحة فنية وأقام خمس معارض فردية والعديد من المعارض الجماعية في ستوكهوم، مقيم في السويد ـ ستوكهولم م....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد