قراءة في السطح وحبال الغسيل وأبراج الحمام وأشياء أخرى – ج2

 

أستمري بمراقبة حبال الغسيل فهي طويلة ومثقلة بالمعاني وسنستمر في تقصّيها وفتح مدياتها ، لكن لنذهب لرؤية أخرى في عالم السطوح الباهر والعجيب .

في قصة النبي يوسف بنسختيها التوراتية والقرآنية يشكل قميص يوسف علامة مركزية في سياق هذه القصة ، فالقميص أصبح نسقا حاملا لدلالات عديدة ، فهو الذي تم تلطيخه بدم الغزال لإيهام الأب يعقوب بأن الذئب من أكل يوسف في غفلة من أخوته ، وظل القميص يمارس مركزيته في مسار السرد لتصير رائحته وقد شمها يعقوب النبي بعد أن عُمي من شدة حزنه على فراق ولده مفتاحا مكّنه من الإبصار من جديد ، كما أن هذا القميص الذي قدّته زليخا من دبر صار بمثابة الفاعل بوصفه دليلا قاطعا على براءة النبي الوسيم الذي وقعت زليخا في حبائل غرامه ، أذن الثوب ليس ما يستر الجسد أنه عالم فسيح يقدم دلالات غنية ليكف عن كونه ثوبا كما تروي الثقافة التقليدية بل يتخلق كجزء من نظام العلامة النصية .

وفي قصيدة المتجردة وبمجرد أن سقط الثوب عن جسد زوجة الملك النعمان ابن المنذر ( سقط النصيف فلم ترد إسقاطه ) لترد البركة سابحة فيها ، القصيدة قالها الشاعر النابغة الذبياني عندما تكشف جسد المتجردة بكامل بلاغته أمام أنظار ومخيلة هذا الشاعر ، فمارس دوره الطبيعي كشاعر فوصف الجسد بدقة متناهية :-
سَقَطَ النَصيفُ وَلَم تُرِد إِسقاطَهُ
فَتَناوَلَتهُ وَاِتَّقَتنا بِاليَدِ
هنا يكون الثوب مفتاحا لرسم فتنة الجسد ، التي آلت إلى طرد الشاعر من حضيرة الملك الذي لم يعفو عنه لولا استعطافه له بقصيدة إعتذارية لسنا بصددها الآن.

وقصص الثياب فعلت أفاعيلها في سياق المرويات التي حفلت بها متون الثقافة العربية ، فالحمّام النسوي الشرقي الذي إستهوى الرسامين من المستشرقين يكاد أن يكون بلا أهمية تذكر لولا فعل ( خلع الثياب ) ليتكشف الجسد النسوي بكل صخبه ملهبا مخيلة أؤلئك الرسامين ليرسموا نساءً عاريات وبأوضاع مختلفة .

وفي مرويات الفلكلور يكون هذا الحمام مناسبة لقيام الأم بالنظر إلى أجساد الفتيات اللابطات في فضاءه ، لتختار الجميل من هذه الأجساد فتخطبه لولدها ، ومن هنا يكون الثوب حاجزا يخفي كسل الجسد أو يستر عيوبه ، ليكون الخلع انفتاحا على فضاء جديد ، فالثوب يسوّر الجسد ، يحبسه ، فلا يجد هذا الأخير تجليه إلا بديمومة فعل الخلع ، حتى في ممارسة المعاشرة يكون خلع الثوب جزء من متطلبات خلق مناخ حر للتواصل اللذوي .

إذن حبل الغسيل المنشور على السطح هو نص عميق يغرينا نحن عشاق التلصص ومن تربى في أقبية النسيان ومن دُفع به دفعا ليجاور هلاكه ، إننا والحالة هذه نقرأ هامشيتنا وضياعنا لنجد أنفسنا مفطورين على قراءة المهمل والمنسي والدامس والجواني واللامفكر فيه بوصف كل هذه الاشياء هي مهادنا وتاريخ معارفنا وموَّلد علاقتنا بالأشياء ومنها الوجود واللاوجود وكل عذابنا الأنطلوجي .

لا تعليقات

اترك رد