خان شيخون وأزمة الأخلاق العربية

 

ما حدث في خان شيخون وقبله في اليمن وقبل ذلك في العراق وما يحدث في ليبيا ومصر، ليس أمرا مستغربا ولا جديدا في تاريخنا العربي الاسلامي. فنحن على اختلاف أدياننا ومذاهبنا وأعراقنا، لا نستحق أن يطلق علينا لقب شعوب وأمم ودول عربية ، فهذه لها شروط ومقومات وتاريخ وأخلاق، بينما نحن ورثنا صفات قطاع الطرق واللصوص واكتسبنا جينات الغزو والجهاد وغزو الأوطان وحافظنا على تراث السبايا وملك اليمين ودونية المرأة حتى فقدنا ماء الوجه ونزلنا الي الدرك الأسفل من الانسانية واللامبالاة والإنحطاط، بل نحن شعوب لم تدرك قيمة الحياة ولا أهمية الانسان .. فنحن نتسارع في تصوير موتانا ونطلق عيهم لقب شهيد الدين والوطن ونكتب أفضل الكلمات والأشعار، بل ونغضب على مواقع التواصل الاجتماعي ونقود الحملات تلو الحملات الالكترونية للتنديد بالطغاة العرب والحكام المتخاذلين ولعن اسرائيل ونعلن عن تضامننا الكامل ودعمنا الانساني بلا حدود لمن يموت من الضحايا والأطفال والنساء، ولكن لحظة .. هل نفعل ذلك عفويا وبلا تصنيفات أو مواءمات او مصالحات، أم فقط نحزن على من يتبع ديننا الاسلامي أو يكون تابعا لمذهبنا السني او الشيعي.

لعل الهجوم الاخير لقوات النظام السوري الديكتاتوري على خان شيخون والذي ذهب جراءه عدد كبير من الاطفال في صورة مؤلمة وبشعة قد كشف عن مكنون انعدام الانسانية وطغيان المذهبية بأوقح وأحط صورها اسلاميا وتاريخيا في الوقوف مع الضحايا البشرية، وحتى لا يتهني أحد آخر أصبح لزاما علي أن أذكر ايضا موتى أطفال اليمن الذين يموتون بسبب النظام السعودي..فهكذا يفهم غالبيتنا الانسانية وهكذا يتعاطف مع الانسان، فإما أن تعلن تضامنك مع الجميع أو تكون عميلا صهيونيا تدعم الغرب وأسرائيل. انها حقا وقاحة لم يصلها أحد غيرنا ولم يعيش تبعاتها سوانا في مجتمعاتنا العربية ذات السلوك العدواني والثقافة الإقصائية.

فلماذا حدثت تلك الانتقائية في التعاطف مع الموتي ولماذا اصبحنا أكثر تمييزا وعنصرية وتخاذل؟؟..علينا في البداية، وقبل لوم تلك الأنظمة او حتى لوم التدخلات الخارجية، أن نلوم انفسنا فقط، فلا تتخلف أمة ولا تصل الي الفشل في دفاعها عن مواطنيها الا بعد ان تفشل في بناء الانسان على قيم المواطنة والعدالة والمساواة، وبعد أن تدافع عن موروثاتها البالية وتقاليدها الهشة امام الحداثة وصيرورة التطور. فالغرب واسرائيل دول قوية متحضرة علمية، وتفوقها او تدخلها السياسي في منطقتنا العربية هو نتاج سيرورة طبيعية تضع المجتمع القوي الصحي المتطور في المقدمة ليضع شروط التقدم والمستقبل وفق رؤية عصرية حديثة قوامها العلمانية والحريات والفلسفة، فلا يكفي اننا عرب ومسلمين وبالتالي على الجميع احترامنا وتركنا نعيش في التخلف والرثاثة فهذا يعيق مسيرة الانسان المتحضر، بل علينا تقديم صورة انسانية تجعلنا اكثر قبولا للإنسانية والتعايش والعلمانية والديمقراطية حتى نستطيع الإنخراط مع القيم الكونية بروح علمية وأخلاق انسانية وحينها سيحترمنا الجميع ويعمل ألف حساب لأي مواطن منا يتعرض للأذى وانتهاك حرياته.

لقد تعرض المواطن العربي الي العديد من صنوف انتهاك كرامته والتهجير والموت خلال مسيرة طويلة من الاستبداد الديني والسياسي ، ولم نقف كشعوب مع الانسان بل وقفنا مع من يموت بعد ان نبحث في هويته عن دينه ومذهبه وقبيلته فنعلن عن تضامننا القذر معه ونطعن في من يقتله، ليس لانه قتل انسان بل لانه قتل سني او شيعي او مسلم يتبع هويتنا. وما حدث في خان شيخون يعتبر القياس المثالي لمدى انحطاط ثقافتنا ومذاهبنا في الوقوف مع الاطفال والضحايا، فتجد غالبية من يقف مع اطفال سوريا هو نفسه من يغض الطرف عن أطفال اليمن، ومن يدافع عن أطفال اليمن هو نفسه من يخرس تماما عن أطفال سوريا. فالمعضلة هنا، ليست في التنديد بموت الانسان والأطفال بل في من يموت من هؤلاء وماهي جنسيتهم وماهو مذهبهم الاسلامي.

نحن اليوم اسرى ثقافة دونية انتهكت انسانيتنا، وقبحت سلوكنا، ودمرت أخلاقنا .. نحن أمام مرحلة من مراحل انهزام الأمم وتقسيمها ونهايتها، فما يفعله الغرب، وما يتردد بشكل غير رسمي من بداية تقسيم المنطقة العربية وتوزيعها على القوى العظمى لم يعد مستبعدا او حتى مستهجنا، فعلى ماذا نحافظ؟؟ ونحن من ساهمنا بتقسيم دولنا، بل وكيف نحتفظ بأوطاننا وأنظمتنا وتاريخنا ونحن نقتل بعضنا البعض وندمر بعضنا البعض فوق رايات الدين والطائفة والمذهب والقبيلة.

إن من مات في خان شيخون وفي اليمن والعراق وليبيا، ليس فقط من سقط من الضحايا الابرياء بل نحن من متنا بعد أن انتحرنا اخلاقيا ودينيا وسياسيا، فماذا ينفعنا استنهاض الهمم والتعصب لمن مات والدفاع عن انظمة فاسدة استبدادية، وماذا نفعل أكثر بصراخنا وعويلنا ونفاقنا وكذبنا على بعضنا البعض. فلن يكون الموتى أكثر سعادة حين نرثيهم، ولن تخشى الأنظمة من تنديدنا وغضبنا، لانهم يعلمون ونعلم نحن قبلهم ان وقوفنا مع الموتى لا تحدده الانسانية بل الطائفية البغيضة والتدين الفاسد، وهذا ما يجعل حفلات الدم والموت تتزايد طالما أن تصنيفات الموت والضحايا ليست عادلة، وليست أخلاقية وليست انسانية.

سوريا لن تتحرر من الاستبداد لتعود دولة وطنية، واليمن لن يعود سعيدا، وليبيا لن تكون بلدا موحدا .. وهنا في الخليج لن نكون بعيدا عن هزات التغيير والسقوط والانهيار، فالمال قد يحمي مؤقتا سقوط العروش والممالك ولكنه لن يحمي طوال الوقت انظمة مشيخية قبلية مازالت تفرض الوصاية والقمع والتدين بالقوة والقهر والسيف .. فالمصالح السياسية والاقتصادية تفرض دائما شروطها، والطبيعة لن تحمي مجتمعات وأنظمة وشعوب تعيش وتفكر خارج مدار الواقع والعقل.

1 تعليقك

اترك رد